مقالات

ذكرى اليوم العالمي للاجئين: البحث عن الموطن والمسكن والأمل

شارك هذا الموضوع:

يؤانا فرونيتسكا*

منذ عام 2012، شهدت أمام عيني تداعيات الأزمة السورية والسخاء الذي أبدته المملكة الأردنية الهاشمية ومواطنيها في تقديم المساعدة للاجئين. أنني أشع بالفخر حين أقول أن الاتحاد الأوروبي، ومعه المجتمع الدولي، كان في طليعة دعم هذه الجهود الوطنية وأننا سنواصل تقديم هذا الدعم. حيث أن الاتحاد في الواقع هو الجهة المانحة الأولى على صعيد الاستجابة للأزمة في المنطقة بتخصيصه لأكثر من 1.8 مليار يورو كمساعدات إنسانية وتنموية. حقيقة، لا يبدو لنا أن هنالك حلاً للأزمة السورية في الأفق القريب، فهي أزمة أجبرت حوالي 12 مليون شخص على ترك منازلهم وأراضيهم، منهم الكثير ذهبوا إلى بلدان أخرى. وبرغم إقرارنا بأن النزوح من مكان إلى آخر سببه الخوف في معظم الأحيان، إلا أن الأمل يبقى حتى عند الفرار. الأمل في إيجاد مكان خالٍ من الاضطهاد، والعثور على منزلٍ جديد للعائلة، والأمل في المستقبل والعودة إلى الوطن. ولهذا، فإن الموطن، والمسكن، والأمل، هي الكلمات التي تصف الحالة الذهنية للاجئ.

تتأثر حالياً العديد من الدول جراء الأزمة السورية، مثل سوريا نفسها، والأردن، ولبنان وتركيا والعراق. إن المعاناة الإنسانية للاجئين معاناة مروعة. فلا يقع المدنيون في مرمى النيران المباشرة فحسب، بل إنهم أيضا ضحايا لانتهاكات، ومعاملات لاإنسانية فوق انعدام الأمن الغذائي لهم. والحقيقة المرة هي أن جزءاً كبيراً منهم يتضورون جوعاً حتى الموت داخل سوريا.

استقبلت البلدان المجاورة لسوريا ما يقارب أربعة ملايين لاجئ سوري، ولكنها تقترب من بلوغ حدودها القصوى. يشكل اللاجئون السوريون الآن أكثر من 20٪ من سكان الأردن، وهنالك حالياً سوري واحد من بين كل أربعة أشخاص في لبنان. هؤلاء يحتاجون إلى الغذاء والمأوى والتعليم والرعاية الصحية والعمل، مما يعني انخفاض عدد الموارد المتاحة للجميع. وقد أظهرت المجتمعات المضيفة في هذه البلدان تضامناً يقتدى به، لكنهم أيضاً يدفعون ثمن ذلك. فهنالك خوفٌ بينهم أيضاً، خوفٌ من المجهول. كما دفعت الأزمة العديد من اللاجئين إلى المخاطرة بحياتهم سعياً لظروف معيشية أفضل على الأراضي الأوروبية عبر طرق الهجرة غير الشرعية، مما أدى إلى مآسٍ بشرية تكاد تكون يومية في البحر الأبيض المتوسط.

في أعين اللاجئين، الوطن الآن هو المساكن غير الرسمية، والمخيمات، أو ملاجئ غير مستقرة داخل المجتمعات، التي زرتها أنا شخصياً. ليس هنالك من شيء يجعلك متهيئاً لرؤية هذا الكم من البؤس البشري، لقصص المعاناة والموت، لنظرة الجياع، لوجوه الأطفال الذين يعانون من صدمات نفسية جراء الأزمة. ولكنهم في أمان الآن، فقد حصلوا على وثائق اللجوء ويتلقون القسائم الغذائية والمساعدات النقدية. لقد فقدوا كل شيء تاركين وراءهم بيوتهم وأراضيهم وأقاربهم وذكرياتهم. ولكنهم على قيد الحياة ولم يزل هنالك أمل.

وأنا لدي أملٌ أيضاً. إن هذه المأساة قريبة جداً لنا نحن الأوروبيون ليس فقط بسبب العلاقات التاريخية والثقافية وعلاقات الجوار الوثيقة التي تصلنا بالبحر الأبيض المتوسط ودول الشرق الأوسط، ولكن أيضاً لأنها تذكرنا بالمكان الذي بدأنا منه، من بين أرمدة الحرب العالمية الأولى والثانية. ومنذ ذلك الحين نمونا وأدركنا قيمة وأهمية السلام، والتضامن. إن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه يريدون لدول الجوار أن تكون دولاً مستقرة وأن يعيش مواطنوها بمنازل تمنحهم الثبات. لكن هذا لا ينبغي أن يكون ميزة يتمتع بها عدد قليل منهم فقط. علينا أن نتبادل الدروس التاريخية ونستذكرها لكي نحقق التضامن فيما بيننا.

إن الاتحاد الأوروبي على استعداد لمواصلة دعم الجهود المتميزة التي بذلتها المملكة ودول الجوار في استضافة اللاجئين خاصة مع وجود العديد من التحديات المتزايدة التي تتطلب اهتماماً أكبر. فقد خصص الاتحاد الاوروبي إلى هذه اللحظة نحو 500 مليون يورو من خلال أدوات المساعدة الإنسانية والاستجابة للأزمات ودعم ثبات المجتمعات وذلك لمساعدة الأردن في التعامل مع الآثار الناجمة عن الأزمة السورية. أن هذه الجهود ستستمر لا سيما بعد إنشاء صندوق الاتحاد الأوروبي الإقليمي الائتماني مؤخراً استجابة للأزمة السورية، وتخصيص برامج الاستجابة الأولى لهذه القضية، مما يعكس التزام الاتحاد الأوروبي تجاه دعم احتياجات المجتمعات الضعيفة واللاجئين، وليبقى الاتحاد شريكاً يثق به الأردن والدول الأخرى المتأثرة بالأزمة.

يسعى الاتحاد إلى المحافظة على حقوق الإنسان الأساسية وحماية البالغين والأطفال من العنف والتعسف والاستغلال، لا سيما النساء والفتيات، وذلك من خلال أنشطة الحماية وحشد الدعم والتأييد. إن الاتحاد الأوروبي سيبقى بجانب اللاجئين في رحلة بحثهم عن الموطن، والمسكن والأمل.

 

*سفير الاتحاد الأوروبي

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى