الرئيسيةمقالات

المؤهلات والبحث عن وظيفة مناسبة

شارك هذا الموضوع:

ادى تدني جودة أنظمة التعليم والتدريب، وعدم ملاءمتها لسوق العمل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن اعتبرها أرباب العمل خصوصا عقبة، أكثر منها وسيلة، للحصول على وظائف جيدة.

وفي مناقشات أجريت أخيرا، أبدى أرباب العمل ميلا نحو توظيف الشباب من غير الحاصلين على درجة علمية ممن لم يتخرجوا في التعليم الثانوي الفني، الذي يعتبر نظاما متدني المستوى، لم يتم إصلاحه، ويقترن بوضوح بالفشل الدراسي. وهذا التفضيل يُعتبر من أعراض المشكلة المزمنة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المتمثلة في تدني المهارات، وهو ما أدى إلى التباطؤ الشديد في الانتقال من التعليم إلى العمل، وزيادة معدلات البطالة بين الشباب، وارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين في بعض البلدان.

وهكذا، ورغم كل التقدم الذي أحرز على صعيد زيادة معدلات الحصول على التعليم، واستكمال مراحله الثانوية والعليا، ما زال الخريجون في المنطقة يواجهون مصاعب في الحصول على وظيفة. واليوم بات شباب المنطقة أمام محنة مزدوجة؛ إذ يزيد التسرب من التعليم الثانوي أو عدم إتمامه من مخاطر البقاء بشكل دائم خارج سوق العمل، في حين لا يشكل الحصول على الشهادة الثانوية أو حتى التعليم العالي ضمانة للحصول على أي وظيفة. 

ويلقي هذا بمزيد من الضغوط على أنظمة التعليم والتدريب؛ إذ من الواضح أن التقدم الذي أحرز في معدلات الحصول على التعليم وإتمام مراحله لم يكن كافيا، كما أدى في نهاية المطاف إلى تقويض القيمة المتصورة للتعليم والتدريب في عيون الطلاب والأسر وأرباب العمل.

إذن؛ ما الحل؟ هل الأمر يتعلق فقط بإضافة مزيد من التعليم، أو تحسين جودته، أو أنه يتعلق بتقليص التعليم “العالي” وزيادة التدريب “ربط المهارات بمتطلبات العمل”، أو أنه يرتبط بنوع مختلف من التعليم والتدريب الذي يركز على مهارات أخرى بخلاف المهارات المعرفية، أم أنه كل ما سبق؟

أصبحت هذه الأسئلة مهمة في المناقشات العامة حول التعليم في المنطقة. وبعض التركيز على التفاوت الهيكلي الواضح يحمل أنظمة التعليم والتدريب، خاصة على مستوى التعليم والتدريب المهني والتعليم العالي، المسؤولية عن الإخفاق في تزويد الخريجين بالمهارات والقدرات المناسبة. ويرى آخرون أن المشكلة تكمن في زيادة المعروض من المهارات على المطلوب منها أي الإفراط في التعليم، ويزعمون أن هناك وفرة في خريجي المدارس الثانوية والتعليم العالي تفوق قدرة سوق العمل على استيعابهم. ويذهب هذا الرأي إلى أن أنظمة التعليم والتدريب أفرطت في السعي إلى إتاحة الحصول على مستويات ما بعد التعليم الأساسي وإيجاد طلب عليها، وهي نقطة خطيرة لمستقبل تطوير التعليم في المنطقة.

ولهذا يمكن النظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة: فهل يعود هذا إلى أن الشباب في المنطقة أكثر تعليما وأقل تدريبا، أم أنهم أكثر تدريبا وأقل تعليما؟ أم أنهم بالأحرى مؤهلون أكثر مما ينبغي “من حيث مستوى الشهادة العلمية التي يحملونها”، لكنهم أقل مهارة “من حيث ملاءمة المهارات التي اكتسبوها لاحتياجات السوق”، أم أن المسألة ببساطة تتعلق بنقص الوظائف؟

ربما ينطوي الأمر على كل ما سبق، وربما نرى جيدا أن ثمة مجموعات من الطلاب والخريجين في المنطقة يندرجون تحت هذه الفئات… يتبع.

كون الشخص مؤهلا للتوظيف – “أي يمتلك المهارات المكتسبة والقدرات والشهادات الأكاديمية والمؤهلات المهنية اللازمة لأدائه الوظيفي” – ليس كافيا لكثير من الشباب – “وكل من هم خارج سوق العمل عامة”؛ للحصول على وظيفة؛ بسبب “عدم الاعتداد بالجدارة” – السائد في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولا يعني هذا أن ممارسات التوظيف لا تتسم بالاعتداد بالجدارة، ولا تتوافر لدى أرباب العمل المحفزات و/أو المعلومات الكافية لاختيار أفضل الخريجين، ومن ثم ينتهي بهم المطاف إلى اتخاذ قراراتهم بناء على معايير لا علاقة لها برأس المال البشري، أو “بالتأهل للتوظيف” التي يبديها المرشحون. ويفضي عدم الاعتداد بالجدارة إلى تقويض عملية بناء رأس المال البشري برمتها، والقضاء على زيادة التأهيل للتوظيف، ما يؤدي إلى الانتقاص من قيمة المؤهلات العلمية.

إذن؛ كيف يتم توظيف الناس في المنطقة؟ طالما سمع الشباب المتعلمون رسالة واضحة من سوق العمل، وهي: للحصول على وظيفة من الوظائف القليلة داخل مؤسسة ما، عليك أن تنتظر دورك، أو أن تكون لديك واسطة. والعبارة التالية منقولة عن شاب في المغرب: “إذا لم تكن لديهم معرفة بك أو بعائلتك، فلن يعهدوا إليك أبدا بالوظيفة”.

إن أغلب الشباب في معظم بلدان المنطقة يعتقدون أن العقبة الرئيسة أمام التوظيف هي إما انعدام الوظائف المتاحة، وإما أن الوظائف المتاحة لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الواسطة. وعلى الجانب الآخر، يشير إلى نقص التدريب باعتباره عائقا رئيسا في المغرب فقط “28 في المائة”، وجيبوتي “23 في المائة”، ودول مجلس التعاون الخليجي “من 7 إلى 16 في المائة”.

ليست هناك بيانات يمكن مقارنتها تتعلق بمدى اعتماد عمليات التوظيف معايير الشفافية والجدارة. ومع هذا، فإن ما يمكن النظر إليه هو التقارير التي تعدها الشركات نفسها حول المدى الذي يعتمدون فيه على الإدارة المهنية في اتخاذ قرارات التوظيف مقابل اعتمادها على الأسر والأصدقاء. ويكشف استعراض هذا النوع من البيانات أن بلدان المنطقة – بخلاف دول مجلس التعاون الخليجي – تأتي في ذيل الترتيب بين مناطق العالم من حيث التوظيف على أساس الجدارة.

وإذا كان هناك دليل على كون الشخص مؤهلا للتوظيف، لا يكفي على الإطلاق للحصول على وظيفة، فعندها يمكن الدفع إذن بأن هناك “انتقالا مزدوجا” من التعليم إلى التوظيف. فالخطوة الأولى هي أن يصبح مؤهلا للعمل “باكتساب المهارات والقدرات والشهادات العلمية”، التي تعقبها بعد ذلك عقبات إضافية تواجه التأهل لدخول سوق العمل التي تؤدي فيها الجدارة دورا محدودا.

وتظهر البيانات أن شباب المنطقة يعربون عن مخاوف كبيرة إزاء الإخفاق في الانتقال الآخر، وهي مخاوف يشعرون بأنها تعود إلى عوامل خارجة عن إرادتهم، ويرون أن نقص الوظائف وعدم الاعتداد بالجدارة يشكلان عقبتين أكبر من نقص التدريب.

وحتى الآن، أنحينا باللائمة فقط في الفشل في الانتقال الأول بأن افترضنا أن الخريجين لم يكونوا مؤهلين للعمل؛ نظرا لضعف جودة أنظمة التعليم وعدم ملاءمتها للسوق. بيد أن هناك إخفاقات أيضا في الانتقال الآخر؛ أي إن عديدا من الخريجين المؤهلين للتوظيف لا يمكنهم أن يغنموا من وراء رأسمال أهليتهم للتوظيف؛ بسبب عدم الاعتداد بالجدارة. ومع هذا، فإن أهليتك للتوظيف – “أي إجادتك الانتقال الأول بنجاح” – تزيد بوضوح من توقعات الحصول على وظيفة جيدة.

والنتيجة ليست فقط التفاوت بين العرض والطلب على المهارات، بل أيضا بين التطلع للوظائف والحصول عليها. والتفاوت الأول يقصي الشباب، بينما يصيب التفاوت الآخر الشباب الذين تم إقصاؤهم بالإحباط والغضب.

 

*الاقتصادية 

_

يمتلك مبيضين خبرة تقارب الـ 10 اعوام في مجال العمل الصحافي، ويعمل حاليا، سكرتير تحرير ميداني في صحيفة الغد اليومية، وصحافيا متخصصا في تغطية أخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الملكية الفكرية، الريادة، والمسؤولية الإجتماعية. ويحمل مبيضين شهادة البكالوريوس من جامعة مؤتة – تخصّص ” إدارة الأعمال”، كما يعمل في تقديم إستشارات إعلامية حول أحداث وأخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردني. Tel: +962 79 6542307

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى