مقالات

المكتبات، والمعرفة، والريادة

شارك هذا الموضوع:

* بيان صالح أبو صيني

 

المكتبات، والمعرفة، والريادة، ثلاثية تَرْدِمُ الفجوة الهائلة بين مخرجات الجامعات، وتنمية الاقتصاد والمجتمع، والبحث العلمي.

 

في عالمنا العربي لا يزال هذا الربط  بين الثلاثية سابقة الذكر غائبا، مع النظرة القاصرة الى الادوار التي يمكن ان تلعبها المكتبات، و ” التقليدية” التي ما تزال تصبغ عملياتها، في وقت بدأت فيه الدول الغربية منذ سنوات بتطوير نظم مكتباتها والعمل على زيادة اندماجها في المجتعمات والقطاعات الاقتصادية والمعرفية والتقنية  عبر شراكات مع جهات متعددة ما من شانه أن يخلق نظماً اقتصاديةً، ومشاريع داخل المكتبات  يمكن ان ترتقي بادوراها في تحريك الابتكار والابداع والبحث العلمي والتحول الى مجتمع المعرفة.

 

ويظهر تقرير – أعده مركز Haas للأبحاث المبتكرة والحلول الذكية التابع لجامعة فلوريدا الأمريكية – أن العائد على الاستثمار(ROI) في المكتبات العامة في ولاية فلوريدا هو 10.18$ لكل دولار، وبأن عدد الوظائف التي أوجدتها هذه المكتبات هي 192.900 وظيفة، فيما بلغ الأثر الاقتصادي على كل الولاية 6.57 بليون دولاراً، وبلغت الزيادة على الدخل لكل دولار 28.42$، حيث تقدم المكتبات العامة في فلوريدا والولايات المتحدة الأمريكية خدمات تدعم الأعمال (Business)، والتعليم، وتشجع التعليم المستمر، كل ذلك من خلال مشاريع ريادية تدعم الابتكار وتشجع على تطوير التكنولوجيا وتوظيفها، وكذلك من خلال شراكات مع القطاعات المختلفة في الولاية.

 

لقد كانت الريادة أسلوباً ناجعاً في أمريكا وأوروبا وكندا واستراليا ساعد المكتبات على تجاوز محدودية موازناتها، ما دفع بها للبحث عن بدائل تساعدها على الاستمرار في تلبية احتياجات مجتمعاتها.

 

ونظرا  للدور الرئيسي الذي تضطلع به المكتبات في تطوير المجتمعات؛ فقد اتجهت نحو إنشاء مشاريع ريادية، وإنشاء أقسام خاصة بالبحث العلمي والتكنولوجي والريادة والابتكار فيها، وإيجاد الشراكات الباحثين والرياديين، والشراكات مع المؤسسات التي تدعم البحث العلمي والتكنولوجي والرقمي في المكتبات، ولا ننسى استمرارها في البحث عن التمويل لهذه الأنشطة.

 

وتدعم المكتبات في الكثير من دول العالم الرياديين بتوفير ما يحتاجونه من معرفة ومعلومات وبيانات عن البيئة التي ينشئون فيها مشاريهم، أو القوانين والأنظمة أو دراسات الجدوى وغيرها، وتدريبهم على الأنشطة التي قد يحتاجونها في مسيرتهم الريادية من تطوير الأفكار إلى البحث عن التمويل، وإدارة المشاريع، ومهارات البحث عن المعلومات، وغيرها من المهارات.

 

وأخذت الكثير من المكتبات العريقة في أمريكا مثل مكتبة جامعة “ستانفورد” على عاتقها إنشاء بالمشاريع التحويلية ذات المخاطرة العالية والتي من شانها ان تغير طبيعة المكتبات التقليدية، ومن اهم المشاريع التي تشارك فيها مشروعGoogle Books, Linked Data Professionals, Cultural Heritage Imaging. كما تقوم مكتبة جامعة كولومبيا بمشاريع Wikischolars, Public Knowledge Projects. وأنشأت جامعة أوهايو مشروع Knowledge Bank. أنتجت المشاريع التي قامت بها المكتبات الدخل للمكتبات، وقلصت عجز الميزانيات فيها، ووفرت الكثير من فرص العمل للمجتمع المحلي مما جعلها ذات مردود اقتصادي كبير.

 

وفي عصر تضخم البيانات والمعلومات (Big Data) يحتاج المجتمع بكل مكوناته من أفراد ومؤسسات وقطاع حكومي إلى الوسيط الذي يساعد في الوصول إلى هذه المعلومات، حيث تتوفر هذه البيانات والمعلومات متناثرة في أماكن مختلفة مما يصعب الوصول إليها من قبل من يحتاجها ، فيحتاج الكثيرون إلى من يساعدهم في إتاحة الوصول لهذه المعلومات من واجهة بحثية واحد لتسهيل استرجاعها والحصول عليها عند الحاجة، وهنا على المكتبات أن تلعب هذا الدور في تجميع هذه البيانات، والمعلومات، والمعرفة وتوفيرها لمن يحتاجها، وعقد اتفاقيات الشراكة اللازمة مع الجهات المختلفة لشراء حق الوصول لهذه البيانات والمعلومات، والمعرفة وإتاحتها لمن يحتاجها.

 

في عالمنا العربي لا تزال المكتبات تقليدية، بدائية في خدماتها، وهذا نلمسه فيما توفره من معلومات، وما تستخدمه من برمجيات لتنظيم المعلومات فيها، وآليات العمل فيها، وذلك يعود للكثير من الأسباب أهمها الميزانيات المحدودة جداً للمكتبات، والتكلفة العالية جدا لتوفير مصادر المعلومات، أو حق الوصول للمعرفة، وعدم وجود مصادر لإنتاج الدخل في المكتبات، كما يعود لعدم توفر المعرفة والمهارات التقنية والتكنولوجية لمدراء معظم المكتبات والعاملين فيها.

 

كما يعتبر تعليم علم المكتبات والمعلومات تقليدياً إلى درجة كبيرة في الوطن العربي؛ فيتبع قسم المكتبات والمعلومات إما لكليات التربية أو الآداب، في حين يجب تتبيعه لكليات تكنولوجيا المعلومات، أو علم الحاسوب، للعلاقة الوثيقة بين العلمين في الوقت الحاضر ولما لكل منهما للأثر الكبير في الآخر، كما أنه وللأسف يتم قبول الطلبة ذوي المعدلات المتدنية في تخصص علم المكتبات والمعلومات في معظم الجامعات العربية مما ينعكس على مستوى تحصيلهم وأدائهم الوظيفي فيما بعد.

 

كل ذلك ينعكس سلباً على مستوى العاملين في المكتبات، ويعزّز النظرة السلبية للعاملين على انهم أشخاص يعملون في وظائف لا تحتاج إلى الكثير من الخبرة ولا إلى المعرفة، كما ينظر إليهم على أنهم لا يحملون أي مهارات أو خبرات مهمة. كما انعكس على نظرة صانعي القرار في المؤسسات الأم التي تتبعها لها المكتبات بعدم منح مدراء المكتبات ما يكفي من الصلاحيات لاتخاذ القرارا ت المناسبة لتطوير المكتبات وتفعيل دورها في المجتمع.

 

وانعكس كذلك على مستوى البحث العلمي عربيا، فالكثير من الباحثين يشتركون اشتراكات فردية في مصادر المعلومات الإلكترونية، نتيجة عدم وعيهم بتوفر هذه المصادر في المكتبات المؤسسات الأم التي يعملون فيها نتيجة ضعف التسويق لخدمات هذه المكتبات، ونتيجة عدم وعي المؤسسات الأم بدور هذه المكتبات وأهميتها في تطوير البحث العلمي، كما يعاني الباحثون كثيرا في الحصول على البيانات الأولية اللازمة للقيام بأبحاثهم، نتيجة عدم تجميع هذه البيانات في مكتبة رقمية تسهل وصولهم إليها، فيضطرون للقيام بالكثير من الخطوات الفردية للحصول على البيانات التي يفترض بالمكتبات إتاحة الوصول لها، وتوفيرها، وتنظيمها، وتجميعها.

 

نعتقد بان على المكتبات العربية أن تعيد النظر في آليات عملها، وفي الأدوات التي تستخدمها للقيام بمهامها، وأن تضع نصب عينيها تلبية احتياجات المستفيدين منها، والتي عليها قياسها لمعرفتها بشكل دقيق، كما نرى بان عليها أن تبدأ بإنشاء المشاريع لتوفير الدخل اللازم لتلبية تلك الاحتياجات بالشكل المناسب، وعليها أن تركز بشكل كبير على تطوير مهارات العاملين فيها في كافة الجوانب التقنية والادارية.

 

# مسؤولة وحدة خدمات المستفيدين – مكتبة الحسن

جامعة الاميرة سمية للتكنولوجيا

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى