خاصمقالات

تكنولوجيا ما بعد الموت

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي – هيثم حسّان*

 الثورة الرقمية مجنونة، متهورة. وجنونها ليس له حدود، وتهورها المندفع لاتوقفه رهبة الموت أو مهابة البحث في شؤون “المرحومين.

وهذه الثورة من الفضول إلى درجة أنها لم تترك الموتى وشأنهم. فبعد أن اخترقت عوالم الأحياء، وكسرت عزلة المتوحدين مع ذاتهم، وخلوة المضربين عن اللقاء مع الآخرين، بذريعة أن العالم غدا قرية صغيرة، بل حارة متناهية الصغر، فكرت هذه المجنونة بخلوة الموتى قاصدة تبديدها وكسر وحدتهم، و”إقلاق راحتهم”!.

ولذلك، تناهى جنون الثورة الرقمية إلى أرشفة مرحلة ما بعد الموت رقميا، وتوفير الخرائط الرقمية لتلك المقابر، وتحديد عنوان وموقع الميت المقصود، والكشف عن سيرته الذاتية، وصوره الأرشيفية، كما توفر آليات لمسح المقابر، ومعرفة الأماكن الفارغة فيها لدفن الموتى الجدد.

كما بدأت شركات التكنولوجيا ببيع برامج للهواتف تسهل عملية اختيار كل ما يتعلق بمراسم الدفن؛ لحجز مكان العزاء والسيارة أو الموكب الجنائزي ومكان وشراء القبر، وأكاليل الزهور في ظل خيارات كثيرة، وفوق كل ذلك توفر هذه التقنيات خدمة البث المباشر لمراسم العزاء، للبعيدين والمغتربين من أهله وأصدقائه، كما تعد بعض الشركات مقاطع من الفيديو عن حياة المرحوم، وأصوله ومنابته وهجرة أو “جلوة” عائلته ومواقفه من الجيران والأصدقاء، وإن كان “نسونجيا” أو تقيا يزور دور العبادة، بمعنى أن رحلة الموت، وفق هذه التكنولوجيا تصبح سياحة، ويمكن ان نطلق عليها “سياحة الموت”.

بل إن جنون الثورة بلغ حد أنه يمكن زرع رقاقة إلكترونية صغيرة في أحد القبور، وعند تقريب الهاتف منه تنتقل المعلومات إلى الخلوي، ويمكن من خلالها قراءة نبذة تاريخية عن المرحوم ورؤية صورته وحفظ مكان دفنه.

وبالتالي، يمكن استبدال شواهد القبور التقليدية، التي يُكتب عليها بالعادة معلومات محدودة ومتواضعة لاتزيد عن اسم الميت وتاريخ وفاته، برقاقة إلكترونية تحتوي المعلومات كافة، كما توفر تلك الشركات موقعا على الفيسبوك أو جدارا إلكترونيا للمرحوم يقوم ذووه بالكتابة على حائطه ما يشاؤون من الذكريات والمراثي، ويتم تحديد شخص من الورثة لإدارة الحساب وتحميل الصور وقبول ورفض وحذف الصداقات والتعليقات، وإبداء الاعجابات بالنيابة عن “المغفور له”.

الثورة الرقمية لاحدود لجنونها وإبداعها، وربما توفر لنا في المستقبل فرصة الحوارات والمسامرات مع الموتى، كما فكر بذلك المفكر الساخر لوقيانوس الأنطاكي قبل نحو ألفي عام، وقد تمكّنا من الحوار أو اللقاء مع لوقيانوس شخصيا أو مع نحب بمجرد كبسة زر!!.

* باحث وصحافي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى