مقالات

مجتمع السياسة في واشنطن يفتقر إلى إبداع أهل التكنولوجيا

شارك هذا الموضوع:

إدوارد لوس

إذا كنت تعتقد أن التاريخ لم يأت بعد، فالولايات المتحدة لا تزال هي المكان المناسب لاعتقاد ذلك. فقط في أمريكا يمكنك أن تجد الأشخاص الذين يحاولون جعل السيارات تطير، وتغذية الروبوتات بالمشاعر. مع ذلك، السياسة الأمريكية لافتة للنظر من حيث مقاومتها للأفكار الجديدة. الفجوة بين ندرة الإبداع في واشنطن والنشاط المحموم من ورائها آخذة في الاتساع. كل أسبوع، تهدف بعض الشركات الناشئة الجريئة إلى استغلال الإمكانات التجارية للعلم. كثير منها يتسم بالحمق أو الشذوذ على نحو لا يؤهلها لتحقيق النجاح. وهناك عدد قليل يستحق أن يتحقق. كل أسبوع، كما يبدو، يتم شن حملة انتخابات رئاسية. بعض المرشحين لعام 2016 معادون بنشاط لمجال العلوم. لا يوجد أي شخص منهم، حتى الآن، ألمح إلى أن لديه مجموعة من الأفكار الأصلية لتحديد مشكلات أمريكا. وعلى كل سوف ينجح أحدهم بشكل غير مستحق.

جذر الانقطاع الفكري لأمريكا يعتبر أمرا ثقافيا. في وادي السيليكون شعار يقول “أفشل بشكل أكثر نشاطا”. وتاريخ الإفلاس يعتبر دليلا على أوراق اعتماد الأعمال. في واشنطن، يمكن لخطأ صغير أن يدمر حياتك المهنية. انتقال روث بورات الأسبوع الماضي من مورجان ستانلي، حيث كانت كبيرة الإداريين الماليين، إلى “جوجل” مقابل مبلغ رائع مقداره 70 مليون دولار تم تناوله كما لو كان علامة أخرى على ميزة وادي السيليكون المتزايدة على وول ستريت. حصة متزايدة من الخريجين الأمريكيين تبتعد عن مهنة في مجال الاستثمار المصرفي من أجل العمل لدى شركات البيانات الكبيرة. الأقل ملاحظة هو حقيقة أن بورات رفضت العام الماضي تولي منصب نائب وزير الخزانة في إدارة باراك أوباما. خشية من أن مصادقة مجلس الشيوخ يمكن أن تمزقها إلى أشلاء. وربما كانت محقة في ذلك.

والنتيجة هي نظام يقوم على أن الأشخاص العاديين غير المتميزين يقودون أشخاصا من أمثالهم. تستضيف واشنطن أكبر مجموعة من المؤسسات الفكرية في العالم. ومع ذلك يلاحظ عليها في الوقت الحالي الافتقار إلى التفكير الأصيل. نقص الأفكار ليس له علاقة بانخفاض معدل الذكاء. المناصب في أنحاء واشنطن تعكس أعلى تركيز من حملة الدكتوراه في أمريكا بخلاف وادي السيليكون. لكن إذا كنت تريد وظيفة في الإدارة الأمريكية في المستقبل، فإنك تخاطر بتعريض نفسك إلى هجوم لن تشفى منه أبدا. الطريق إلى النجاح تعتبر معبدة بحذر. يمكن لأحد التصريحات الطائشة قتل توقعاتك. العلم هو أساس الميزة المبتكرة في أمريكا. لكن احتضان العلم يمكن أن يكون أمرا يقضي على الحياة المهنية في السياسة. كثير من المرشحين الجمهوريين للرئاسة يرفضون فكرة أن ظاهرة الاحتباس الحراري من صنع الإنسان، في حين يعتقد بعضهم بأن لقاحات الأطفال تسبب المرض.

النفور من العلم ليس حكرا على المحافظين. فمن بين 19 ألف ورقة أنتجتها أكبر عشر مؤسسات فكرية في واشنطن في السنوات القليلة الماضية، كانت العلوم والتكنولوجيا في أدنى مرتبة بين المواضيع التي يتم تناولها، وفقا لمسح أجرته مجلة “السياسة الخارجية”. خلال الحرب الباردة كان من المتوقع لكبار المسؤولين الأمريكيين أن يجيدوا لغة التكنولوجيا النووية – فهمها كان أساس المنافسة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي. اليوم قلة هم من لديهم أدنى فكرة حول التهديد المتطور للحرب الإلكترونية. على النقيض من الأسلحة النووية، التي كانت مخاطر استخدامها كبيرة فوق الحد بالنظر إلى يقين الرد الانتقامي الساحق، الهجمات الإلكترونية تعتبر ذات مخاطر منخفضة. الردع لا يعمل على خصوم مجهولين. ومع ذلك يمكن القول إن الهجمات الإلكترونية تعتبر الخطر المستقبلي الأكبر على الأمن القومي الأمريكي.

يأمل بعضهم أن تثير رؤية وادي السيليكون المتنامية أفكارا جديدة في واشنطن. إذا كانت السياسة الأمريكية تعمل وتتحرك من خلال المال، فإن دولارات البيانات الكبيرة أفضل من وول ستريت. شركات التكنولوجيا اعتادت ازدراء العاصمة الأمريكية من خلال وجهة النظر القاصرة التي تقول إن نجاحها لم يكن له علاقة بالحكومة. اليوم، الضغط (اللوبي) الأسرع نموا يأتي من أمثال “جوجل” و”فيسبوك”. لكن أولوياتهم هي إصلاح الأضرار الناجمة عن تسريبات إدوارد سنودِن – تعزيز الخصوصية، بدلا من رفع ميزانيات البحث والتطوير، أو فتح نظام الهجرة في الولايات المتحدة. فهي تهدف للحد من عمليات التوغل التي تقوم بها وكالة الأمن القومي بدلا من إيصال التفكير الجريء إلى واشنطن.

هل يمكن لعام 2016 إنتاج نقاش حقيقي حول مستقبل أمريكا؟ من المغري أن نعتقد ذلك. لكن المنافسة تتشكل في صورة عراك تقليدي بين أولئك الذين يريدون أن تتقلص الحكومة الاتحادية وأولئك الذين يريدون الحفاظ عليها. في الأيام المقبلة، ستعلن هيلاري كلينتون ترشيحها رسميا. ومن المتوقع لها أن تبرر القرار الذي علقته كثيرا، بأنها مشغولة بالتفكير الحقيقي. في عام 2008 فازت بتصفيق حار لقولها إنها ولدت في منتصف القرن الماضي، في طبقة وسطى في وسط أمريكا. ولن يحفز ذلك بعد الآن الناخبين من ذوي الياقات الزرقاء (الطبقة العاملة). من المحتمل أن هيلاري أمضت بعض الوقت من أجل الخروج بأفكار جديدة لمعالجة أزمة الطبقة الوسطى في أمريكا – لكن ذلك غير مرجح. بحسب الوضع الراهن، سوف تكون رئاستها وعدا بكسر الحاجز بين الجنسين في البيت الأبيض. ولا ينبغي لنا أن نتوقع أن يعمل جيب بوش، أو منافسوه، على تعبئة الدولاب الفكري لواشنطن. فالجمود يناسب القاعدة المحافظة.

إذا كانت الولايات المتحدة تتعافى على الرغم من واشنطن، هل سيكون لدى المحافظين هدف؟ للأسف لا. كثير من الميزات المبتكرة في أمريكا تأتي من البحوث العامة. واشنطن تميل إلى الخروج بأفكار جديدة خلال حالات الطوارئ – على اعتبار أن الحاجة هي أم الاختراع. وتعود براعة وادي السيليكون إلى الاختراقات التي تحققت بفضل إنفاق البنتاجون خلال الحرب الباردة. حتى التكنولوجيا التي تقف وراء التكسير الهيدروليكي، التي ساعدت على مد الولايات المتحدة بالطاقة، تأتي من الاستثمار العام في أعقاب النقص في النفط في السبعينيات. الخلطة السرية للرأسمالية الأمريكية هي تاريخ من التعاون مع الحكومة الاتحادية. هناك الآن انقطاع متزايد بين الاثنتين. من أجل استعادة هذا التعاون، لا تنظر إلى الطامحين لدخول البيت الأبيض.

المصدر: Financial Times

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى