الرئيسيةريادة

المعتصم بالله يحول الإعاقة لطاقة ويخط روايتين بأنفه

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

“أكتب بأنفي.. أنا حاضر في المجتمع”، حقيقة آمن بها ونفذها الشاب المعتصم بالله أبو محفوظ (21 عاما) بإصداره أول كتابين عربيين يكتبان بالأنف، متحديا الصعاب كافة التي يواجهها ذوو الإعاقة بالإرادة والعزم.
المعتصم بالله طالب سنة ثانية في جامعة الزرقاء، يدرس هندسة البرمجيات، وهو كاتب وناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، ألف كتاب “نظرات ثاقبة” العام الماضي، ومؤخرا صدرت له رواية “عاشقة صاحب الكرسي”، اللتان كتبهما بأنفه على جهاز “الآيباد”.
أصيب المعتصم بالله بالشلل الدماغي في أول يوم من حياته في هذه الدنيا، وهو أول مولود لوالديه؛ إذ تعرض لنقص في الأكسجين أثناء الولادة، نجم عنه شلل دماغي أدى لإعاقة حركة أطرافه الأربعة وعضلات الفم.
بدأت رحلة العلاج للمعتصم بالله وهو في عمر ستة أشهر بمراجعة مراكز متخصصة لذوي الإعاقة الخاصة بتلقي العلاج الطبيعي والوظيفي والتدريبي.
وفي سن الخامسة، التحق المعتصم بالله بالمدرسة النموذجية للشلل الدماغي، وهي مدرسة مختصة في تعليم وتقديم العلاج الطبيعي والوظيفي والنطق للطلاب الذين يعانون الشلل الدماغي، أمضى بها وقتا مفيدا وجميلا، بحسب المعتصم بالله.
يعجز الجالس أمام المعتصم بالله عن وصف كم الإصرار والتحدي في كلماته وعباراته، الذي يحرص على صياغتها باللغة العربية الفصحى، رغم الجهد العضلي الكبير الذي يبذله في بثها وإيصالها للمصغي إليه.
وللتعرف أكثر على شخصية الكاتب المعتصم بالله، حاورته “الغد”، وقال: “كنت في طفولتي الطفل المدلل والمحبوب في العائلة، كانت الابتسامة لا تفارقني، كنت طفلا مميزا بشخصيتي المرحة والاجتماعية جدا، حتى يومنا هذا”.
والدة المعتصم بالله، تقول: “عندما قرر المعتصم قبل عامين الكتابة بأنفه، لا أنكر أنني ووالده عارضنا الأمر، واعتبرناه ضربا من الخيال، وسيصعب عليه تنفيذه، بل كنا نشجعه دائما على المحاولة من جديد بيديه، لكن بدون جدوى”.
وتتابع الأم “عزم المعتصم بالله على الكتابة بأنفه سرا، وبدأ يتدرب شيئا فشيئا، وكأن الكتابة بالأنف أصبحت هاجسه، ينقر بأنفه على الأحرف المرادة الموجودة على جهاز “الأيباد” ويشكل كلماته”.
فوجئت العائلة بتمكن ولدها المعتصم بالله من الكتابة بالأنف؛ حيث اتخذها وسيلة ليكتب كل ما يدور بخاطره وما يريد إيصاله للآخرين، ولم يكن منهم حينها سوى الاستجابة لرغبته، بل والإعجاب والثناء على همته وإرادته العاليتين.
تروي والدة المعتصم بالله مراحل دراسته، عندما وصل للصف العاشر وأخبرتهم إدارة المدرسة بضرورة نقله للدمج في المدارس الأخرى، سواء الحكومية أو الخاصة، وهنا بدأت مخاوفهم تدور حول نجاح الأمر أم صعوبة تحقيقه!
بعد عناء البحث، تمت الموافقة على المعتصم بالله بإحدى المدارس الخاصة، على أن يدفع ضعف القسط المدرسي، وكأن التعليم أصبح تجارة، وكان الخيار الوحيد للعائلة التي سجلته فيها.
يصف المعتصم هذه المرحلة، بقوله: “بدأ التحدي في هذه المدرسة وإثبات الذات بين أقراني من الطلبة، وبدأت أدرس وأضع كل قدراتي، والحمد لله كانت جميع علاماتي كاملة، مع أن باقي الطلاب كانت علاماتهم متدنية لحد ما”.
ويتابع: “كانت المدرسة قريبة من بيتنا، تقريبا تبعد حوالي 2 كم عن منزلي، كنت أذهب إلى المدرسة وحدي بالكرسي الكهربائي، وكان الناس يقولون لي هذا خطر عليك، ولكنني كنت عنيدا، وهدفي الأول أن أجعل العالم يرونني، لأوصل لهم رسالة في إبراز الزي المدرسي والحقيبة، ثم لأريهم نموذجا من الاعتماد على الذات”.
نجح المعتصم بالله في الثانوية العامة، ولا يستطيع وصف هذه الفرحة، فهي تختلف عن جميع أنواع الفرح، عندما تسمع كل من حولك يقول: “والله رفعت راسنا”.
مرحلة جديدة أقبل عليها المعتصم بالله هي التحاقه بالجامعة، ودراسة تخصص هندسة البرمجيات التي يرغبها ويفضلها، ويسمي هذه المرحلة بـ”الولادة الثانية”.
يقول عنها: “أول أيام الجامعة كانت أصعب، لأنني لا أعرف أحدا فيها، لا أحد يتكلم معي ولا أحد يحدثني، أما الآن فأنا أعرف ويعرفني أغلب الطلبة في الجامعة، ولدي صداقات عديدة”.
يتابع المعتصم بالله “تغيرت شخصيتي في الجامعة، أصبح هدفي الأساسي كيف أسعد من حولي، انتهيت من مرحلة فرض نفسي على المجتمع، لدي أهداف جديدة، أجتمع بأكبر عدد من الطلبة، أوصل أفكاري وأناقش وأشارك بأعمال تطوعية”.
أطلق المعتصم بالله مبادرة “طاقة لا إعاقة” الهدف منها تحويل الشخص ذي الإعاقة من إنسان مستهلك يعتمد على الآخرين إلى إنسان منتج؛ أي نحول إعاقة الأشخاص إلى طاقة يستفيد منها المجتمع.
أراد المعتصم بالله في رواية “عاشقة صاحب الكرسي” الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فلم تكن قصة قدر ما كانت اقتباسا من قصص وتجارب عدة لأشخاص من ذوي الإعاقة، وسعى المؤلف إلى تجسيدها من خلال هذه الرواية.
أما رواية “نظرات ثاقبة” فهي عبارة عن مذكرات شخصية للمؤلف، جسد بها جميع التجارب التي مر بها كشخص ذي إعاقة، والصعوبات التي واجهها سواء في المراحل الدراسية أو الثانوية العامة، أيضا المواقف التي يتعرض لها ذوو الإعاقة، ومنها النظرة المؤلمة التي يشعرون بها من قبل أفراد المجتمع الذين ينقصهم الوعي تجاه هذه الفئة والتعامل معها.
يصف المعتصم بالله حالته آنذاك، قائلا “كنت أشعر بألم وحزن كبيرين، ولذا أطلقت نظرات ثاقبة على الرواية، فنحن أشخاص لا نحتاج للشفقة، نحن أشخاص قادرون على الإنجاز والإبداع، قدراتنا العقلية جيدة، لماذا لا ننخرط وننجز؟”.
يطرح المعتصم بالله في كتابه “نظرات ثاقبة” الحقوق المسلوبة للأشخاص ذوي الإعاقة، من حق العمل في المهنة المناسبة، وحق الزواج، ويقول عنه: “نعم هذا الحق مرفوض كليا في مجتمعنا، حتى لو وافق الأهل يكون هناك بعض الشك، وكأن الشخص المعاق ليس بإنسان، والحق الثالث هو التسمية”، متسائلا، “لم هذه الأسماء؟ وما وظيفتها”.
تقول والدة المعتصم بالله: “يطمح ولدي بمؤلفاته إلى أن يكون سفيرا للأشخاص ذوي الإعاقة؛ حيث يرى بأن مؤلفاته وسيلة لإيصال رسالته ورسالة جميع الأشخاص ذوي الإعاقة”.
دلالات رعاية واحتضان الآباء للأبناء بالود والمحبة تظهر على المعتصم بالله؛ حيث وضع الوالدان على عاتقهما منذ الصغر علاجه وتربيته ودمجه بالمجتمع، ليتمكن من الاعتماد على نفسه وتحقيق الأهداف التي يسعى إلى الوصول إليها.
يقول المعتصم: “أسرتي في نظري تختلف عن كل الأسر، أبي الذي يعجز لساني عن وصفه، علمني أن أكون جديا ومرحا، كانت العلاقة ليست مجرد علاقة أب وابن، كنا كالأصدقاء تماما، أبي يطبق المثل الذي يقول: (إذا كبر ابنك خاويه)”.
وعن والدته، يصفها “كانت أمي اللبنة الأساسية في نجاحي، كانت تقول لي جملة أشعر فيها كأنني ملك: “يكفيني فخرا بأنك ولدي” ما أجمل تلك الجملة! أجمل ذكريات الإنسان في كنف أمه، فهي بالنسبة لي سر ابتسامتي، سر سعادتي، وسر كل شيء جميل في حياتي”.
يتوجه المعتصم بالله للشباب، بقوله: “هذه الحياة لن تعطينا ما نتمنى، فلنتعلم بأن كل شيء لا يأتي بسهولة، ستنجح تارة وستفشل تارة أخرى، وإذا سيطر علينا الفشل فسنفشل، وإذا تفاءلنا بالنجاح فحتما سننجح، لذلك احلم وضع أهدافك الآن، حتى إن كانت مستحيلة وتحتاج إلى المعجزات لتحقيقها، واعلم أن الله موجود فلا تتوان عن اللجوء إليه بالدعاء لتصبح أحلامك حقيقة”.
يطمح المعتصم بالله إلى أن يصبح روائيا عالميا، مؤكدا أن هذا الوطن يمتلئ بالشباب المبدعين بالمجالات كافة.

الغد – منى ابو صبح 

_

يمتلك مبيضين خبرة تقارب الـ 10 اعوام في مجال العمل الصحافي، ويعمل حاليا، سكرتير تحرير ميداني في صحيفة الغد اليومية، وصحافيا متخصصا في تغطية أخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الملكية الفكرية، الريادة، والمسؤولية الإجتماعية. ويحمل مبيضين شهادة البكالوريوس من جامعة مؤتة – تخصّص ” إدارة الأعمال”، كما يعمل في تقديم إستشارات إعلامية حول أحداث وأخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردني. Tel: +962 79 6542307

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى