تكنولوجيا

«أدوبي» تتخلى عن نهجها القديم وتندفع نحو خدمة السحابة

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

شركات التكنولوجيا الناجحة نادراً ما تنهار بسبب إخفاقها في توقُّع التحوّل التخريبي الكبير المقبل. بدلاً من ذلك، تنتظر فترة طويلة فوق الحد من أجل تغيير المسار، أو في أكثر الأحيان تكون مُقيّدة بالثقافات والإجراءات الداخلية التي تجعل من الصعب التصرّف.

بالنسبة لشانتانو ناراين، الرئيس التنفيذي لشركة أدوبي، إحدى أبرز شركات البرمجيات التي بُنيت في عصر سطح المكتب، ظهور خدمة الحوسبة السحابية والإنترنت عبر الهاتف الجوال كان من الممكن أن يكون واحدة من تلك اللحظات.

باعتباره مهندسا هنديا لديه ميل تحليلي قوي، لم يقلل ناراين من شأن الحاجة من أجل التغيير. في صناعة التكنولوجيا، كما يقول “إذا كانت استراتيجية أعمالك هي الحفاظ على الوضع الراهن، فهي ليست استراتيجية مقنعة للغاية”.

نقل أعمال “أدوبي” إلى خدمة السحابة كان يعني إلغاء نهجها القديم والتحوّل إلى بيع الاشتراكات من أجل إمكانية الوصول عبر الإنترنت إلى حزم برمجيات مثل الفوتوشوب وإليستريتور وإنديزاين “عندما فعلنا ذلك كنّا أول شركة تقول إننا لن نقوم بإصدار (…) حزم برمجيات، بل سنقوم بتقديم البرمجيات عبر خدمة السحابة”.

لكن اختيار اللحظة المناسبة ربما في النهاية كان الجزء الأسهل. الأمر الأكثر تحدّياً كان الجهد الكبير والطويل لإعادة صياغة الشركة المكونة من 12 ألف موظف، التي يُمكن تعقب أصولها للأيام الأولى من الحوسبة الشخصية.

يقول ناراين “كان الجزء الأصعب من هذه العملية في بعض الأحيان هو جعل الأشخاص الداخليين في الشركة يشهدون الرؤية” ـ لطالما كان هناك خطر أن ما سماه “الأجسام المُضادة” في النظام قد تنطلق.

كما كان هناك أيضاً الإدراك الذي يبعث على التواضع، وهو أن مجرد اتخاذ القرار الصحيح لم يكُن كافياً “إذا كان هناك شيء استهنت به، فهو مدى أهمية المشاركة والتواصل في هذا الأمر – مراراً وتكراراً. كونك من فريق الإدارة يمكنك أن تعتاد على الأمر وتقول، حسناً، لقد قررنا: سنحرق السفن والتوقف عن برمجيات سطح المكتب. وتفترض ببساطة أن الجميع سيتبعك”.

باعتباره أحد العاملين الذين قضوا فترة طويلة في الشركة وكان قد عمل جاهداً ليصل إلى المنصب الأعلى من خلال أدواره في وظائف الهندسة، وإدارة المنتجات، ورئاسة العمليات، كان ناراين يُدرك تماماً ما جعل شركة أدوبي تعمل بشكل جيد عندما حان الوقت لإصلاح الشركة الصانعة لبرامج فلاش وأكروبات.

مهمته الأولى عقب وقوع أزمة الائتمان، بعد عام من توليه المنصب، كانت تحقيق الاستقرار في الشركة. من نمو إيرادات سنوي يبلغ أكثر من 20 في المائة سنوياً، خاضت “أدوبي” انعكاساً حاداً، مع انخفاض بنسبة 18 في المائة في عام 2009، قبل الانتعاش. وبحلول عام 2011 كان الوقت قد حان للنظر في خطوة أكثر تطرفاً.

تشاك جيستشكي، الذي شارك في تأسيس الشركة في عام 1982 ولا يزال يُشارك في رئاسة مجلس الإدارة، يقول “كانت لدينا فكرة أن أعمالنا بدأت تدخل حالة من الركود. لم نكُن نتحدث إلى جمهور كبير بما فيه الكفاية. هذه الأسواق كانت قد أصبحت مُشبّعة”.

الأسواق، في حالة “أدوبي”، تتضمن بيع البرمجيات لمصممين وغيرهم من “المحترفين المُبدعين”. مثل برنامج أوفيس التابع لشركة مايكروسوفت، كانت حزمة التطبيقات، كرييتيف سويت، قد أصبحت أداة موحدة للاستخدام على أجهزة الحاسوب الشخصية وأجهزة ماكنتوش.

ووفقاً لناراين الذي تلقى أجرا بلغ 16 مليون دولار في العام المالي 2013، أهمية خدمة السحابة لم تنبُع ببساطة من فرصة تقديم المنتج نفسه إلى الزبائن أنفسهم بطريقة مختلفة.

ويضيف “العدسات التي تستخدمها للنظر إلى الفرص المتاحة أمامك لن تحدد كم ستكون طموحاً أو مدى طموحك. لقد كانت واحدة من تلك اللحظات لتقوم بكل ما يلزم لأقصى حد”.

الإمكانية التي رآها جاءت على مرحلتين. الأولى كانت في توسيع سوق “أدوبي”: ليس مجرد منح المصممين الأدوات اللازمة لاستحداث محتوى رقمي، لكن مساعدتهم على إدارة ذلك المحتوى، وجني الأموال منه، وقياس الطريقة التي يتم استخدامه بها – “مخطط عمل” بالكامل أدخل شركة أدوبي إلى مجالات جديدة مثل التسويق الرقمي، حيث واجهت شركات رائدة في أعمال البرمجيات البارزة، مثل آي بي إم.

مسعاه الثاني كان تحويل “أدوبي” إلى منصة عبر الإنترنت يمكن أن يُفكّر المبدعون في اللجوء إليها تقريباً من أجل أي شيء يرتبط بعملهم، من شراء المحتوى الرقمي (حصلت “أدوبي” أخيرا على سوق الصور، فوتوليا) إلى العثور على مكان للتباهي بمنصتهم الشخصية، أو البحث عن عمل جديد (وهو أمر قاد الشركة إلى إطلاق قسم مختص للبحث عن المواهب).

خطوات مثل هذه قد تبدو واضحة بصورة مجرّدة، لكن التغيير يعني إجبار العاملين على التعامل مع حالة عدم اليقين قبل أن يُصبح المُخطط واضحاً.

يقول ناراين “وظيفتي هي تحديد الأهداف حيث يقول الناس إنهم لم يتمكنوا بعد من ربط الأمور ببعضها، لأنه إذا قمت بذلك فلا تكن طموحا بما فيه الكفاية”. على الرغم من أنه يصف أسلوبه الإداري الطبيعي بأنه تعاوني، إلا أن الضغط على الآخرين للخروج من منطقتهم المريحة احتاج إلى جهد “لأُظهِر للآخرين أني أشعر دائماً أني غير سعيد بما يحدث”.

ناراين، المولود في الهند لعائلة من المهندسين، انتهج طريقاً شائعاً بالنسبة لجيله، حين أصبح مهتماً بمجال الحوسبة في الجامعة في الهند قبل أن يأتي إلى الولايات المتحدة للحصول على درجتين في الدراسات العُليا في علوم الحاسوب والأعمال. يقول عن وادي السليكون “هناك مجتمع هندي نابض بالحياة ومُزدهر. نحن نعزو الكثير من ذلك إلى أهمية التعليم التي نشأنا جميعاً معها”.

ويعزو أول تعرّض له للمهارات القيادية إلى تعليم ينتهج تقريباً النظام البريطاني للمدارس العامة (أي الخاصة) في حيدر أباد. لكن لديه أيضاً تقدير المهاجر لوطنه الذي تبنّاه – الفرصة الهائلة في وادي السليكون (حيث انتقل للعيش مع شقيق أكبر يعمل في صناعة الرقائق).

من أجل إقناع كل من مستثمري وول ستريت وموظفي “أدوبي” أنفسهم بأن التغيير كان ضرورياً ومرغوباً على حد سواء، احتاج إلى مجموعة جديدة بالكامل من المهارات الإدارية.

جزء كبير من العمل تضمن إعادة تشكيل التوقعات. كثير كان يعتمد على نتائج أحد اجتماعات التحليل الرئيسية في عام 2011، حيث تمت صياغة كل كلمة بعناية. “لقد كان من المهم فعلاً بالنسبة لنا أن يعلم المجتمع المالي إلى أين كنا سنمضي”.

على وجه الخصوص، التحوّل إلى خدمة السحابة كان يعني التحوّل من مبيعات البرمجيات المباشرة إلى استمرار الاشتراكات، وهو أمر كان من المضمون أن يُلحق الضرر بالإيرادات المُعلنة على المدى القصير.

في عام 2014، كانت إيرادات “أدوبي” السنوية لا تزال أقل مما كانت عليه في وقت اجتماع التحليل المحوري – لكن سعر سهمها ارتفع بنسبة 165 في المائة، مقارنة بارتفاع بنسبة 65 في المائة في أسعار الأسهم الأوسع. الرسملة السوقية للمجموعة الآن تبلغ نحو 40 مليار دولار.

لكن إقناع العاملين تطلب إجراءات أكثر حدّة. مثلا، إغلاق الأعمال التي لم تعُد تطابق استراتيجية شركة أدوبي كان له أثر مفيد. “هذا أطلق رسالة في الشركة أن التغيير كان على قدم وساق”.

كذلك عملت سلسلة من عمليات الاستحواذ على تغيير المجموعة أيضاً. يقول ناراين “إن إنجاح مثل هذه الصفقات يتلخص في الأفراد والرعاية” – من خلال جعل المسؤولين التنفيذيين مسؤولين شخصياً عن الصفقات التي يؤيدونها. مثلا، تحمّل رئيس قسم التسويق الرقمي في أدوبي كثيرا من العمل الشاق خلال عملية شراء شركة نيولين في عام 2013.

لذلك إعادة تشكيل الأهداف، داخلياً وخارجياً، كانت أمراً حاسماً”. بحسب تعبير ناراين “هل تقوم بالتفتيش في المكان الذي تعتقد أنك ذاهب إليه”؟

إلى جانب إبعاد نمو الإيرادات عن كونه مقياسا للأداء، هذا كان يعني إضافة مقاييس جديدة تبين رضا الزبائن، إلى جانب خطط الحوافز لجميع الموظفين، مثل حجم الوقت الذي تكون فيه أنظمة الشركة متاحة. وبعد ذلك كانت هناك المشاركة والتواصل. يقول “ما كان مطلوباً، بصراحة، هو حجم هائل من السفر. قد يمزح الأشخاص بشأن عدد المرات التي سمعوني فيها”.

رأي ثان

بالنسبة إلى ناراين، يعتبر جون دوناهو، الرئيس التنفيذي لشركة إي باي eBay، هو الشخص الذي يتم التناقش معه حول الاستراتيجية. يتحدث دوناهو عن أسلوب ناراين التشاوري و”صلابته” بمجرد اتخاذ قرار.

ويضيف “إنه شخص هادئ، إنه يقود بأفعاله وليس أقواله. إنه ليس رجلا لديه غرور ضخم، لكن لديه كثير من الفخر”.

تم اختبار عزيمة ناراين عندما انتقد ستيف جوبز تكنولوجيا فلاش من “أدوبي”. يقول دوناهو “إنه لا يشتت انتباهه أو يشعر بالترهيب”.

 

ريتشارد ووترز – فاينانشال تايمز

 

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى