اقتصادشبكات اجتماعيةمقالات

إعلام الإثارة وتزوير الحقيقة!

شارك هذا الموضوع:

علاء ابو زينة

كنتُ أتفقد موقعاً للتواصل الاجتماعي، وانتبهت إلى صورة هي واحدة فقط من مجرات من الصور المزورة على الإنترنت. تحت موضوع يتحدث مرسلوه عن جرائم شيعية في حق السنة، أرسل أحدهم صورة وكتب معها شتائم سمى فيها الشيعة وجمهور السنة المحايد بأسماء حيوانات. ولست في معرض مناقشة فكرة التأجيج الطائفي، وإنما سأصف التزوير المكشوف الذي استخدمه مرسل الصورة لخداع المشاهدين.
استعمل المرسل غير الأمين صورة لجنود واقفين غير معروفي الهوية، يرتدون زياً عسكرياً معقداً ومعدات حديثة. وجوههم غير واضحة، وربما لبعضهم لون بشرة أفريقي. وأمامهم، جثا اثنان منهم وهما يحملان علماً أسود. وعلى العلم، ظهرت عبارات في ثلاثة أسطر تسب عمر وعائشة وأبي بكر. ومن النظرة الأولى يكتشف الرائي -إذا لم يكن أعشى بطريقة غير قابلة للشفاء- أن العبارات كتبت على العلم بواسطة “فوتوشوب” أو برنامج معالجة صور مشابه، بطريقة غير محترفة: الخط لا يتموج مع تموجات القماش، ولا يتقوس معه، ولا فيه التدرج اللوني للخلفية، وإنما هو خط أبيض خام مستقيم كما صنعه الحاسوب مباشرة، وبخط “إيريال” القياسي لبرنامج النصوص “ميكروسوفت وورد”.
في حالة صاحبنا، كان التزوير ساذجاً ويمكن اكتشافه بسهولة. لكن الأمر يصبح مشكلة عندما يتولى التزوير محترفون، يعرفون تقنيات العبث بالصور وجعلها مقنعة و”حقيقية”. وما أكثر أمثال هذه الصور في الشبكة. تارة يعرضون لك صورة “ديناصور بحري”؟ بحجم قطار اصطادته شبكة صيادين، وتارة صورة عروس بحر في شكل امرأة حقيقية وجدوها على شاطئ، ومرة طبعة قدم “آدم” بحجم حفرة قنبلة كبيرة، و”فتحوا قبر فلان، فانظر ما وجدوا”، وهكذا. والغريب عدد الذين يعيدون بث هذه الصور ويشاركونها: هل إلى هذا الحد أصبحنا ساذجين؟ أم أن كثرة القصف الإعلامي بهذه الطريقة جعل الوعي هشاً أمام المعجزات؟ أم أن رداءة الواقع تجعل العقل المُنكِرَ مكشوفاً تماماً أمام الخرافة؟!
قد يمكن التسامح –ولا ينبغي التسامح- مع صورة عروس البحر الأسطورية. لكن الصور المزورة بقصد لئيم لإثارة المشاعر الضارة -الحقد، العنف، التأجيج الطائفي، الاستقطاب ومسح الدماغ وتشويه النفسية- جديرة بالمقاطعة والازدراء. وكأن المنطقة ناقصة ويلاً حتى تشارك مواقع “التواصل” في فض التواصل والتحريض على الانفصال والعداء. وقد شاهدنا استخدام “داعش” المسموم للصورة لتخريب عقل المنطقة وفيزيائها. ولعل الأدهى من مشاركة الأفراد في ترويج الأيديولوجيا الضارة والسخف، هو مشاركة ما يصف نفسه بالإعلام “المحترف” في هذا الهبل الرسمي!
كما نلاحظ، تشارك الكثير من المواقع الإخبارية “الرصينة” في حفلة التهريج وفي الصف الأول. إنها تنشر بلا رمشة عين صورة طبعة قدم “آدم” التي بحجم حارة، فتكسبها “مصداقية” بتبنيها لها. وهي تلتقط صورة صاحب العلم الذي يسبُّ السنة وتبثها. وهي التي تنشر الكثير من العناوين المثيرة التي يتبين أن لا علاقة لها بالمضمون –أو أن المضمون سخيف يستغفل القارئ. على سبيل المثال، قرأت عنواناً في موقع إخباري عن انكشاف السر أخيراً في تسمية “داعش” نفسها بهذا الاسم، كما زعم العنوان. ومع أنني أعرف أصل التسمية جيداً، وأن المجموعة لم تكن هي التي سمت نفسها كذلك، هيأت لي طريقة عرض العنوان أن هناك شيئاً لا أعرفه. وفي الداخل، قالوا أن السر الكبير هو أن “داعش” هو مختصر الأحرف الأولى من اسم التنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. يا له من سرّ!
ثمة المستوى المعقد من التزوير الإعلامي: عرض رؤية أحادية الجانب للخبر أو الفكرة، بحيث يعتمون علينا الجوانب الأخرى. التركيز على رسالة معينة وتكرارها بشتى الطرق على طريقة “كثرة الدقّ تفك اللحام”، حتى يجدها المرء عن يمين وعن شمال وحدها فقط –والكثير من الألاعيب. ووراء هذا الإعلام أموال ومؤسسات وأجندات تجعل مجابهتها صعبة. هذا، بالطبع، أعلى درجات التزوير وأكثرها سُماً. لكن من المحزن رؤية الإعلام الفقير، الذي يدعى والمعارضة ونشر الوعي ويديره أشخاص تحت يافطات شعبوية، وهو يكسب الرزق “بخفة اليد”، ويجتذب جمهوره عن طريق خداعهم والعبث بفضولهم. وما عجب حين يطلب المرء مصدر أخبار موثوقا، فيعجزه، أن يتسوّق الخزعبلات المتاحة، ويبيعها على غيره!

المصدر : صحيفة الغد الاردنية

_

يمتلك مبيضين خبرة تقارب الـ 10 اعوام في مجال العمل الصحافي، ويعمل حاليا، سكرتير تحرير ميداني في صحيفة الغد اليومية، وصحافيا متخصصا في تغطية أخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الملكية الفكرية، الريادة، والمسؤولية الإجتماعية. ويحمل مبيضين شهادة البكالوريوس من جامعة مؤتة – تخصّص ” إدارة الأعمال”، كما يعمل في تقديم إستشارات إعلامية حول أحداث وأخبار قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردني. Tel: +962 79 6542307

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى