مقالات

التعاطف المصطنع أسوأ ابتكارات «فيسبوك»

شارك هذا الموضوع:

لوسي كيلاوي

معظم شركات وادي السليكون يُديرها مهووسون بالتكنولوجيا. وأحد الجوانب السلبية لكون المرء مهووساً، هو أن التعامل مع غيره من البشر لا يميل ليكون من خصاله القوية.

وجد “فيسبوك” طريقة جديدة لمعالجة هذه المشكلة مع “فريق تعاطف” مُخصص، وظيفته التجوّل والشعور بألم وسعادة الآخرين ـ وترجمة التجربة لمصلحة مهندسيه.

النتيجة الأولى من اليقظة العاطفية هي أن مستخدمي “فيسبوك” لن يُطلق عليهم اسم “مستخدمين” بعد الآن. من الآن فصاعداً، سيُعرفون بأنهم “أشخاص”. في حديث الشهر الماضي، أوضحت مارجريت جولد ستيوارت، مديرة تصميم المنتجات، أن أولئك الذين كانوا يُعرفون سابقاً باسم مستخدمين “في الواقع لديهم حياة، مثلا، خارج تجربة استخدامهم منتجك. وبالتالي أول خطوة للتصميم بطريقة محورها الإنسان هي الاعتراف بأنهم بشر”. ونتيجة لذلك، كما قالت، اللوحات الداخلية في الشركة التي اعتادت أن تتبع “متوسط المستخدمين اليومي” أصبحت الآن تقيس “متوسط الأشخاص اليومي”.

هذا أمر سخيف. أنا سعيدة تماماً بأن يُطلق عليّ اسم مستخدم من قِبل “فيسبوك”. أنا لا أشعر بالإذلال بأدنى درجة من هذه التسمية، كذلك لا تجعلني أشك – كما اقترح جاك دورسي، المؤسس المشارك لموقع تويتر، أنها قد تفعل – إنهم يشبهونني بشخص يستخدم المخدرات غير المشروعة. الكلمة تعني أني أستخدم منتجه، وتُلخّص العلاقة بدقة رائعة. أنا لا أريد أن يقوم “فيسبوك” بالاهتمام بحياتي خارج تجربتي مع منتجه – لقد امتدت مخالبه فوق الحد في ذلك الاتجاه بالفعل. كذلك لا أفهم تماماً ماذا يعني أن يكون “محورها الإنسان”، لأني لم أكُن أبداً كائنا من الفضاء الخارجي. الحديث عن “متوسط الأشخاص اليومي” لا يبدو أمرا أخرق وغريبا فحسب، لكنه أيضاً إهانة غامضة، على اعتبار أنه يحمل المعنى الضمني أن كل من يستخدم “فيسبوك” هو شخص دون المتوسط إلى حد كبير.

فضلاً عن جعل الشركة محورها الإنسان أكثر، تم إرسال فريق التعاطف للتعاطف مع المُعلنين. مرة أخرى، هذا أمر عميق التفكير، مع أنه يجانب الصواب بمسافة بعيدة. لو كنت أحد المعلنين الذين احتجوا لكون تلك الإعلانات المُكلفة التي وضعوها على “فيسبوك” فشلت جميعها في التحوّل إلى مبيعات، فلن أتأثر على الإطلاق إذا حاول أحد الموظفين الشعور بألمي. ما يمكن أن أقدّره بدلاً من ذلك سيكون الاعتراف بوجود مشكلة، ومحاولة إصلاحها في أسرع وقت ممكن. عندما يتعلق الأمر بالمعاملات التجارية لا يوجد دور للتعاطف. إظهار التحسّر وعدم ضبط النفس من الجانب الآخر أمر في غير محله في هذه الحالة، ولا يدل على الاحتراف ـ وغير سار من النواحي كافة.

الدور المناسب الوحيد للتعاطف في العمل يكون في المكتب، وحتى عندها لا تدعو الحاجة إليه إلا في الظروف الاستثنائية. عندما يُصيبنا المرض، أو الحزن على فقدان شخص ما، أو الطلاق، أو نكون في فترات من الاضطراب العاطفي المتنوع، قد نحتاج إلى التعاطف من زملائنا. عندما كنت أذهب إلى العمل أحياناً وقد عصفت بي الحياة، فإن جرعة صغيرة من التعاطف من أحد زملاء العمل لا تجعلني فقط أشعر بتحسّن كبير، لكني أصبح مغرمة بصاحب عملي. في الأوقات التي لم أكن أتلقى فيها شيئاً من هذا القبيل، كنت أشعر بتعاسة أكبر بكثير – وتمرد أيضاً.

المشكلة هي أن معظم كبار رجال الأعمال، ليس فقط في وادي السليكون بل في كل مكان في العالم، سيئون بشكل يُثير الصدمة في أداء مثل هذه الخدمة. على الرغم من كل الدراسات التي تدّعي أن القادة “الحقيقيين” و”الأذكياء عاطفياً” – الذين يُفترض أنهم منابع التعاطف – يؤدون مثل هذه الخدمات بشكل أفضل، فإن التجربة تُشير إلى عكس ذلك.

أستطيع التفكير في رئيس تنفيذي واحد فقط أعرفه جيداً وكان متعاطفاً للغاية. كان يتولى وظيفة كبيرة جداً، بقي فيها لوقت قصيرة جداً. لأنه حزن على جميع الأشخاص الذين طردهم وخفض مناصبهم، فقد وجد من المستحيل تقريباً القيام بأشياء صعبة، وقد تم وصفه بالضعيف وغير الحاسم، وأصابه تقريباً انهيار عصبي، وفي نهاية المطاف تم إخراجه من وظيفته.

نظراً لضرورة الصلابة في المناصب العُليا، الشيء المعقول الذي يمكن أن يفعله القادة هو الاستعانة بأشخاص جيدين في التعاطف. لفترة من الوقت كانت هناك امرأة في منصب عال في “فاينانشيال تايمز” لديها علبة مناديل ورقية في مكتبها كانت قيد الاستعمال الدائم. قد تستمع إلى أي مشكلة معاناة تعرض عليها، وتبدو مهتمة بشكل ملائم، وبعد ذلك تتمكن تماماً من قول الكلام المناسب – الذي غالباً ما يكون قليلاً جداً.

ربما هذا ما يحاول “فيسبوك” فعله من خلال وجود فريق تعاطف خاص. لكنه ارتكب خطأً فادحاً آخر بإعطائه اسما. المغزى من التعاطف هو أنه يجب أن يكون عفوياً وطبيعياً. ومن المفترض أن يأتي من القلب. إذا كان ذلك جزءاً من المسمى الوظيفي الخاص بك، فإن الأمر بكامله يصبح عرضة للفساد.

إذا كنت أحد المُعلنين الغاضبين، فإني سأنظر إلى أي محاولة تعاطف بنظرة أكثر تشاؤماً بكثير لو جاءت من عضو متخصص من “فريق التعاطف”. التعاطف في أمر الشركات، لا يوجد أي نوع من التعاطف بشأنه. بل يتعلق بالابتكارات الأكثر عرضة للسخرية التي تم ابتكارها على الإطلاق.

المصدر: Financial Times

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى