*محمد عاكف الزعبي
أشهر قليلة تفصلنا عن اعداد واقرار قانون الموازنة العامة للعام 2018 ومن المتوقع أن يضم القانون في ثناياه حزمة من الإجراءات قد تصل قيمتها إلى 450 مليون دينار سوف يتم تحصيلها من جيوب الناس.
تمرير حزمة بهذا الحجم يتطلب صياغة خطاب إعلامي قوي ومتماسك يضع المقدمات أمام الإجراءات المزمعة ويقدم المسوغات لها ويهيئ الشارع لمرحلة اقتصادية صعبة.
لكن الواقع هو على النقيض من ذلك؛ صمت حكومي مطبق وفراغ إعلامي كبير يولدان حالة من الترقب وعدم اليقين ويفتحان الباب أمام الإشاعات والاقاويل.
ففي الوقت الذي يجب أن تخرج فيه الحكومة إلى الناس للحديث معهم حول ماهية الإجراءات المزمعة والاسباب الموجبة لها والاهداف المرجوة منها وعواقب تأجيلها أو عدم الالتزام بها، تؤثر الحكومة السكوت وتلتزم الصمت تماما كما لو كان الظرف اعتياديا ليس فيه اي شيء استثنائي.
وفي الوقت الذي ينبغي فيه على الحكومة ان تأتي بكل الادلة والبراهين لاقناع المواطن بصحة سياساتها ونجاعة إجراءاتها وضرورة الالتزام بتوصيات صندوق النقد الدولي لاعادة التوازن للاقتصاد الوطني ولتجنب الوقوع في المحظور، تتوارى الحكومة عن المشهد الاعلامي حتى نكاد لا نشعر بوجودها.
هنا اسأل: اين هو وزير المالية؟ وما هو سر غيابه عن المشهد الإعلامي؟ وأين هو رئيس الحكومة ليملأ هذا الفراغ كما ملأه رؤساء سبقوه؟ إلا إذا كان غير قادر على الدفاع عن سياسات حكومته، تماما مثلما بدا حائرا أمام ذلك المواطن البسيط الذي اشتكى اليه ارتفاع الأسعار في الفيديو الذي شاهدناه جميعا.
المهم أن اداء الإعلام الحكومي، الاقتصادي على وجه التخصيص، هزيل جدا ولا يرقى الى مستوى الظرف. لذا فان الرئيس مطالب بالخروج الى الناس والحديث معهم عبر الوسائل المختلفة، وان يخاطبهم بلغة الارقام والحقائق التي تليق بهم وتبعث فيهم الشعور باحترام الحكومة لهم، وان يضعهم في صورة الخيارات قيد الدراسة وان لا يدخر وسيلة في سبيل اقناع المواطن بضرورة الإصلاحات التي تقوم بها حكومته.
وحبذا لو تستغل الحكومة وسائل التواصل الاجتماعي للوصول الى فئة الشباب، على غرار ما تقوم به الهيئة المستقلة للانتخابات بقيادة د. خالد الكلالدة، الذي يبدو انه يدرك جيدا أهمية هذا الفضاء وخطورة البقاء خارجه وتركه لشباب محبط فقد ثقته بالحكومة والاجهزة الرسمية.
ان بقاء ماكينة الإعلام الاقتصادي راكدة وغير فعالة مؤشر خطير؛ فهو اما استخفاف بالناس وعدم اكتراث لمشاعرهم، واما انحسار في المكون السياسي داخل الحكومة على حساب مكون التكنوقراط يجعل الحكومة تظهر بمظهر العاجز عن الدفاع عن نفسه، او انه عدم اقتناع من الحكومة بسياساتها، او هو استمراء لاسلوب الصدمة الذي اتبعته الحكومة لتمرير الوجبة الاولى من الاصلاحات المالية.
وفي كل الأحوال، وايا كان السبب فان صمت الحكومة يضفي مزيدا من الضبابية على المشهد الاقتصادي ويرفع من منسوب عدم اليقين.
وليس هنالك شيء طارد للاستثمار، التي تستميت الحكومة لحفزه، أكثر من عدم اليقين. فهنالك من المستثمرين من هو مستعد لتحمل المخاطر المرتفعة، بل ان هنالك من يبحث عنها، اما عدم اليقين فشر مطلق لا يرغبه أحد.
*الغد




