ريادة

«فوتوشوب».. نموذج للنجاح وسط تغيرات تقنية متلاحقة

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي

يزخر تاريخ التكنولوجيا الرقمية بالعديد من الابتكارات التي لاقت الكثير من الإشادة والثناء لتغييرها جانباً مهماً في العالم، وهو ما ينطبق على حاسوب «ماك»، ونظام تشغيل «ويندوز» من «مايكروسوفت»، ومتصفح الإنترنت «نتسكيب»، ومشغل الموسيقى «آي بود»، وغيرها الكثير.

كما شهدت مسيرة التكنولوجيا عدداً من المنتجات المبتكرة التي أثرت عميقاً في مجالها، ثم تفوقت عليها أخرى أحدث وربما أفضل، وهو ما ينطبق أيضاً على «ماك» و«ويندوز» و«نتسكيب» و«آي بود». ولكن يظل من النادرمواصلة المنتجات المبتكرة نجاحها وسط التغييرات التقنية المتلاحقة، وهو ما يتطلب إدخال تعديلات ذكية ومرنة تُكسبها جمهوراً جديداً في كل مرة.

واعتبر الكاتب فرهاد مانغو في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» برنامج تحرير الصور «فوتوشوب»، الذي حلت الأسبوع الماضي الذكرى 25 لإطلاقه، نموذجاً للمرونة والقدرة على مواكبة التطورات التقنية والاستفادة منها.

وبدأ «فوتوشوب» في عصر ساد فيه التصوير بالكاميرات التقليدية وإنتاج الصور المطبوعة، وشهد ظهور «الويب» وانتشارها، وانخفاض معدلات النشر المطبوع، وتنامي الإقبال على الطباعة المنزلية ثم تراجعه، وصولاً إلى الانتعاش الحالي للتصوير الرقمي. وطوال هذه الفترة لم ينجح «فوتوشوب» في مجرد الحفاظ على وجوده، بل ازدهر مستفيداً من كل تحول رئيس في التقنية.

وسار «فوتوشوب» على نهج منتجات جعل منها نجاحها الاستثنائي دلالةً على الفعل نفسه، وليس مجرد علامة تجارية، على غرار «زيروكس» في الطباعة و«غوغل» في البحث على الإنترنت. وفي الوقت ذاته، نال البرنامج الكثير من اللوم والانتقادات في قضايا معقدة تتجاوز دوره، وبات جزءاً من جدل أوسع يُثار حول تحويل صور نساء إلى رموز غير طبيعية على أغلفة المجلات، واستخدامه في تزييف صور الدعاية، وحتى استعانة البعض به لتعديل صورهم في العطلات أمام أصدقائهم في الشبكات الاجتماعية على الإنترنت.

وحالياً، على الرغم من نجاح «فوتوشوب» ورصيده الثقافي، يُواجه البرنامج خطر التراجع في سوقٍ أكبر حجماً تمتلئ بالمتحمسين لالتقاط الصور، ولاسيما دون تخطيط مُسبق، مستعنين بهواتفهم الذكية. وخلال السنوات الماضية، اتجه كثيرون وبصرف النظر عن النتيجة، إلى تحرير صورهم بواسطة «فوتوشوب»، بينما نجد الآن كثير من الصور في طريقها للنشر في «إنستغرام» و«سناب شات»، ويبدو كل شخص هو المحرر الخاص لصوره، دون أن يحتاج أو حتى يرغب في اقتناء برنامج عالي الجودة يُقدم ميزات عديدة مثل «فوتوشوب».

وقال المدير التنفيذي في شركة «أدوبي» المسؤول عن «حزمة أدوبي الإبداعية»، ديفيد وادواني، «حين توليت المسؤولية في عام 2010، أدركت أن نمو عملنا لا يتناسب مع ما يجري في كل مكان حولنا»، وأضاف مُشيراً إلى تنامي الإقبال على التعبير البصري «كان عملنا قوياً، لكن لم يكن ينمو بالمعدل الذي شعرنا بأنه ينبغي أن يكون عليه».

ودفع ذلك «أدوبي» إلى تقبل المخاطرة، وإعادة تقديم «فوتوشوب». وبدأت التغيير فعلياً في عام 2011، وتحولت عن بيع نسخ مرخصة من البرنامج وغيره من التطبيقات غالية الثمن إلى توفيرها باشتراكات شهرية. وبينما كان المعتاد بيع نسخة «فوتوشوب» مُقابل 700 دولار، أتاحت «أدوبي» استخدامه الشهري مقابل 10 دولارات فقط.

وفي بداية الأمر، لم يرحب المستخدمون المخلصون لمنتجات «أدوبي» بالتغيير، ولم يحبذوا فكرة الاستئجار بديلاً لشراء البرامج. كما كان للاتجاه الجديد تأثير سلبي ظهر في النتائج المالية للشركة، ونظراً لتوفير الاشتراكات عائداتها بمضي الوقت، سجل الدخل السنوي الصافي لشركة «أدوبي» تراجعاً بنسبة 65% في عام 2013، كما انخفض بنسبة 13% خلال العام الماضي.

لكن «أدوبي» ترى في التراجع ثمناً على المدى القصير لخطة طويلة الأجل. وتأمل الشركة من خلال تخفيض سعر استخدام «فوتوشوب» في توفيره على نطاق أوسع، وكسب مستخدمين جدد لم يتمكنوا في السابق من دفع 700 دولار نظير شراء نسخة من البرنامج.

وحتى الآن، يُحقق اتجاه «أدوبي» نتائج واعدة، ونجحت الشركة في جذب 3.5 ملايين مشترك في حزمتها الإبداعية من التطبيقات التي تتضمن «فوتوشوب»، وتتوقع وصول عدد المشتركين إلى ستة ملايين بحلول نهاية العام الجاري، واقتراب العائدات السنوية للاشتراكات من ثلاثة مليارات دولار، وبذلك تكون «أدوبي» في سبيلها للتفوق على عائدات بيعها لنسخ البرمجيات في عام 2011، وبلغت حينها 3.4 مليارات دولار.

وتتطلع «أدوبي» إلى تنفيذ خطط أكبر تتضمن تقسيم «فوتوشوب» إلى عدد من التطبيقات المنفصلة، تتولى تطوير بعضها، وتفتح المجال لمطورين خارجيين بالوصول إلى نظم «أدوبي» لمعالجة الصور على الإنترنت. كما ستتوافر بعض هذه التطبيقات مجاناً. وأشار وادواني إلى أن الهدف من التحول يكمن في توسيع نطاق الانتفاع من التكنولوجيا ضمن «فوتوشوب» من عشرات الملايين من الأشخاص إلى مئات الملايين من الأشخاص على مدار السنوات.

ونالت خطوات «أدوبي» إعجاب المتفائلين في سوق الأوراق المالية، كما ظهر في ارتفاع سعر أسهمها، ويُمكن فهم سبب ذلك بالرجوع إلى بداية «فوتوشوب». وبدأ تطوير البرنامج كوسيلة لتأجيل العمل في أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، وفي نهاية الثمانينات من القرن الـ20، اتجه توماس كنول، الذي كان يدرس الرؤية الحاسوبية في «جامعة ميشيغان»، إلى تطوير مجموعة أدوات لمعالجة الصور لشقيقه الأصغر جون الذي عمل حينها في التأثيرات الرقمية في شركة «إندستريال لايت آند ماجيك» للتأثيرات البصرية والرسوم المتحركة.

وأطلق الشقيقان على البرنامج اسم «ديسبلاي» Display. وواصل المنتج الوليد نموه، ولاحقاً استخدمه العديد من أصدقاء جون في شركة «إندستريال لايت آند ماجيك». وفي عام 1988 وافقت «أدوبي» على شراء «ديسبلاي» دون أن تُعلق عليه آمالاً كبيرة.

ولم تُقدم «أدوبي» للشقيقين أية موارد إضافية لاستكمال البرنامج، كما لم تطلب منهما الانتقال إلى وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا الأميركية للعمل على تطويره. وواصل جون عمله في «إندستريال لايت آند ماجيك» مع تفكيره في ميزات جديدة للبرنامج، وبقي توماس في مدينة آن أربور في ولاية ميشيغان، وكتب بنفسه كل سطر من التعليمات البرمجية للإصدار الأول من «فوتوشوب».

وقال توماس كنول: «كانت النتيجة النهائية أني لم أنتهِ أبداً من إعداد الدكتوراه»، لكن بعد نحو عامين استكمل كنول برنامج «فوتوشوب»، وبدأت «أدوبي» بيع أول إصداراته في 19 من فبراير عام 1990. وحقق البرنامج نجاحاً فورياً، وخلال العقد التالي، باعت منه أكثر من ثلاثة ملايين نسخة.

وفي الأصل، طُورت بعض مزايا «فوتوشوب» لتُضاهي التقنيات التي طالما استخدمها المصورون الفوتوغرافيون في غرف التحميض، إلا أن ما ميزه عن برامج تحرير الصور المنافسة هو تفوقه على نتائج غرف التحميض. ومثّل «فوتوشوب» بالنسبة لمستخدميه الأوائل تجربةً رائعة.

المصدر: الامارات اليوم

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى