هاشتاق عربي – إبراهيم المبيضين
في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانيها الأردنيون من شرائح مختلفة؛ خصوصا ذوي الدخل المحدود، ومع استمرار التأثيرات السلبية لظاهرتي البطالة والفقر على المجتمع، تظهر جلياً أهمية برامج المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص التي تنفذها منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام، خصوصاً أن هذا المفهوم نشأ أصلاً لملامسة وتغطية احتياجات المجتمعات المحلية، ومشاركة الشركات لهموم الناس ومشاكلهم.
وعلى الشركات أن لا تتبنّى برامج المسؤولية الاجتماعية للمجتمع وكأنها عبء عليها، بل يجب أن تنظر إليها كواجب يمليه عليها واجبها في المساهمة في التنمية الاقتصادية وكشكل من أشكال ردّ الجميل للمجتمع الذي أسهم في تطور أعمالها وتشكيل أرباحها.
ومن جهة أخرى، يجب أن تركّز شركات القطاع الخاص بمختلف أطيافها على المبادرات والمشاريع التي تحدث تأثيراً طويل المدى في المجتمع أو حياة الفرد الاجتماعية والاقتصادية، فليس أفضل من أن تمس برامج المسؤولية الاجتماعية قضايا البطالة والفقر والمساعدة على تحويل المشاريع الريادية الى إنتاجية، فضلاً عن أهميتها في دخولها قطاعات التعليم والصحة وتوفير المسكن.
“الغد” تحاول في هذه الزاوية أن تتناول حالات لبرامج، أو تعد تقارير إخبارية ومقابلات تتضمن المفاهيم الحقيقية للمسؤولية الاجتماعية لشركات من قطاعات اقتصادية مختلفة تعمل في السوق المحلية.
لدى سؤاله ذات مرة عن سر الإبداعات التي تخرج بها دائما شركة “أبل” صاحبة الـ”ايفون”، أجاب المؤسس الشريك والرئيس التنفيذي السابق للشركة العالمية ستيف جوبز، قائلا “إن من يعمل في الشركة ليسوا فقط مبرمجين، بل رسامون وشعراء ومهندسون ينظرون للمنتج من زوايا مختلفة لينتجوا في النهاية ما ترونه أمام أعينكم”.
ان إجابة جوبز -وهو مفجّر ثورة الهواتف الذكية حول العالم- تحمل الكثير من المعاني في طياتها: فهو يربط بشكل غير مباشر بين الفن والإبداع، كما أنه يريد القول إن الفن يمتلك القدرة على التفكير خارج الصندوق وإبداع كل ما هو جديد.
وتؤكّد إجابة جوبز أن من يبدع يمتلك بالضرورة حس الفنان، وتشير كلماته بشكل غير مباشر الى أهمية “التعليم من خلال الفن” في فتح خيالات وإبداعات المتعلّم ودفعه للتفكير خارج الصندوق بعيدا عن القيود التي يفرضها التعليم التقليدي والتلقين على المتلقي؛ حيث تتعاظم أهمية التعليم من خلال الفن اذا كان موجها لشريحة الأطفال والصغار لتهيئتهم من سن صغيرة للإبداع والابتكار في المستقبل.
ويعد “التعليم من خلال الفنون” من التوجهات والمدارس الحديثة في التعليم لما يمكن أن يخرجه من إبداعات وتطوير للمهارات؛ حيث بدأت دول عديدة بتبني هذا التوجّه في التعليم: مثل اليابان وأميركا وكندا وأوروبا، على ما يؤكّد المتخصص في الشأن التربوي الدكتور محمد سعود.
ويقول الدكتور سعود -صاحب خبرة لأكثر من 25 سنة- إن مفاهيم التعليم عن طريق اللعب أو عن طريق الفنون هي أساليب ذات فاعلية كبيرة تطورت بتطور التكنولوجيا ووسائل الاتصالات الحديثة تتميز بكونها “غير تقليدية” وتبتعد عن التلقين، واستخدامها مع شريحة الأطفال والصغار يجعلهم أكثر نشاطا متحفزين للتفكير والابتكار والمساهمة في حل المشاكل، وهو الأمر الذي يخلق جيلا مبدعا في المستقبل اذا ما تم تعميم مثل هذه الأساليب من التعليم.
وعن التعليم من خلال الفن، يؤكد سعود أن الفنون بمختلف أنواعها وأشكالها هي أسلوب حياة وأسلوب للتفكير، ويقول “ما أجمل النتائج التي نحصل عليها من خلال التعليم بالغناء والتمثيل والرسوم، هي أمور ونشاطات قريبة من الطفل تجعله أكثر تفكيرا وعمقا، وتجعل المعلومة أو المهارة التي يكتسبها عبر هذا النوع من التعليم أكثر بقاء واستدامة معه في حياته”.
ضمن هذه المفاهيم، ومنذ بداية العام الحالي، ابتكر مركز هيا الثقافي -وهي مؤسسة غير ربحية- وطرح برنامجا جديدا يحمل اسم “منح الفن للجميع” ليضيفه الى قائمة برامجه التي تركز على إتاحة العديد من الفرص الحقيقية والعملية أمام أطفالنا للتفاعل مع البيئة المحيطة بهم والتعلم والاكتشاف.
ويهدف البرنامج -وفقا للمدير العام للمركز ديالا الخمرة- الى الوصول الى 130 طفلا على مدار العام من أبناء الجمعيات المحلية للالتحاق بمجموعة من الدورات الفنية مثل صناعة الدمى وصناعة الأفلام ودورات الخزف ودورات الفنون والتشكيل ودورات الطهي التي تهدف الى تنمية مواهبهم في هذه المجالات وصولا لتعلم مهارة معينة تفتح لهم المجال وآفاقا مستقبلية واعدة؛ حيث سيختتم البرنامج بعمل معرض للأعمال التي أنتجها الأطفال خلال الدورات التي التحقوا بها.
ويدعم “البنك العربي” هذا البرنامج بدوراته المختلفة، لتعليم 130 طفلا من سن 6 سنوات الى 14 سنة على الفنون المختلفة، حيث وقعت اتفاقية رعاية البرنامج بداية العام الحالي.
وعن هذا الدعم، تقول الخمرة: “لم يتوانَ البنك العربي بأن يكون جزءا من مهمتنا ورسالتنا التي تسعى بأن يكون مركز هيا الثقافي حاضنا للمواهب الفنية والثقافية واستثمار هذه المواهب على أفضل وجه؛ اذ نسعى دائما الى أن يكون المركز منبراً لتشجيع المعرفة وتجميعها ونشرها وتطويرها لتعزيز التعلم الإبداعي عند الأطفال”.
ومنذ العام 2009، يدعم “العربي” عبر مؤسسة عبدالحميد شومان مشروع المكتبة المتنقلة التابعة لمركز هيا الثقافي، وتزويدها بالعديد من كتب وقصص الأطفال.
ويقول “العربي” عن دعمه برنامج “منح الفن للجميع”: “إنّ تعاوننا مع مركز هيا الثقافي يأتي كجزء من التزامنا بدعم البرامج والأنشطة التي تسهم في تطوير وتعزيز القدرات التعليمية والإبداعية لدى فئة الأطفال؛ حيث يعد مركز هيا الثقافي إحدى المؤسسات التي لها دور مهم في تنمية قدرات ومهارات الأطفال من الناحيتين الفنية والثقافية وفي صقل مواهبهم واستثمار قدراتهم وتحفيزها. كما يقدم المركز العديد من البرامج المتنوعة التي تحفز حرية الاختيار لدى الأطفال وتمنحهم الفرصة الكافية لتحديد ميولهم الأكاديمية والفنية”.
وينظر “العربي” بعين الأهمية لمثل هذا البرنامج، ويؤكد قائلا: “يعد تعلم الفن والحرف اليدوية من المهارات الأساسية التي من الواجب تنميتها لدى الأطفال لما لها من أهمية كبيرة في اكتشاف وصقل مهاراتهم وتوسيع مداركهم. فتطوير الملكات والقدرات الفنية لدى الأطفال هو جزء رئيس من العملية التعليمية وأحد مكوناتها الأساسية، لذلك فمن الضروري إيجاد وتوفير مختلف الوسائل والطرق التي تعمل على نشر الثقافة والفن بين أطفالنا لتحفيز الابتكار والإبداع والإمكانات التعبيرية لديهم وتنمية مهارات التواصل الاجتماعي فيما بينهم”.
ويعلّق نائب رئيس أول- مدير إدارة البراندنج في البنك العربي، طارق الحاج حسن، على هذا التعاون مع مركز هيا الثقافي، ويقول: “تأتي رعاية البنك العربي لهذا البرنامج ودعمه المتواصل لمبادرات وبرامج مركز هيا الثقافي ضمن مظلة برنامج البنك للمسؤولية الاجتماعية “معاً”، بحيث يؤمن البنك بأهمية دعم المواهب اليافعة وتحفيز الإبداع لدى شريحة الأطفال”.
ويضيف الحاج حسن: “يمثل برنامج (منح الفن للجميع) إحدى الوسائل التي من شأنها خلق أثر إيجابي ومستدام في تعزيز تنمية مهارات الأطفال الفكرية والفنية والثقافية، وإثراء العملية التعليمية بحيث تحفّز من خلالها الفكر الإبداعي لدى الطلبة بشكل ينمي قدراتهم التعلُّمية ويسهم في صقل مهاراتهم”.
وتوضح الخمرة أن البرنامج استقبل خلال الأشهر الثلاثة الماضية 35 طفلا، مشيرة الى أن البرنامج يهدف الى هدفين أساسيين هما: تعليم الأطفال فنونا مختلفة مثل الرسم والطبخ وصناعة الدمى وصناعة الأفلام والخزف، ولكن الهدف الأهم هو تعليم مهارات حياتية على قدر كبير من الأهمية عبر هذه الفنون مثل: الاكتشاف، الثقة بالنفس، روح الفريق، التواصل، التفكير الإبداعي، مهارات القيادة وغيرها من المهارات.
وتتضمن كل دورة في البرنامج 8 حصص -مدة الحصة ساعتين- على مدار شهر “أربعة أسابيع”.
ومن وجهة نظر خبير في المجال الإبداعي، يقول رسام الكاريكاتير الأردني عمر العبداللات: “بالنسبة لي التعليم من خلال الفن هو الأفضل، وأنا أرى أن الفن هو أفضل وسيلة للتواصل وإيصال الرسائل الإيجابية بدون تكرار أو ملل، ويسهم بزيادة الوعي وتعزيز القيم والأخلاق والريادة القيادة والثقة بالنفس ومحاربة السلوكيات والأفكار الخاطئة في المجتمع”.
ويضرب العبداللات مثالا على تأثير التعليم من خلال الفن، ويقول: “في إحدى ورشات الرسم مع أطفال تحدثت عن قدسية العمل وبأن الإنسان الذي يعمل أفضل بكثير من الإنسان دائم الشكوى، وقلت لهم إنه لا يوجد عمل مهم وآخر غير مهم، وإن هدف العمل هو خدمة وبناء المجتمع، في نهاية الورشة رسم أحد الأطفال رسما يعبر عن احترامه لمهنة النجار ويفتخر بأن والده نجار… لا أعتقد أن هذا الطفل سينسى هذا العمل أبدا، وأنا كذلك لن أنساه”.
ويضيف العبداللات: “الفن وتعلمه منذ الصغر يعزز الجانب الإبداعي عند الطفل، ويعزز جانب الخيال أيضا، وهو مهم لأن الأفكار العظيمة والمهمة بدأت كفكرة في الخيال كأن تتخيل أن تسافر الى القمر أو تهبط على المريخ أو أن يطير الإنسان من مكان لآخر…”.
الى ذلك، تبيّن الخمرة أن البرنامج يشمل دورات الفنون؛ حيث يتعلم الأطفال أساسيات الرسم مع مدرسين مختصين وتقنيات الرسم التي يرسم بها أشهر الفنانين، فنون المطبخ والتي تتيح المجال للأطفال تعلم أساليب إعداد الأكل الصحي ومهارات الطهي. وتشمل دورات البرنامج -بحسب الخمرة- صناعة الدمى التي تعزز خيال الأطفال وتنمي بعض المهارات اليدوية لديهم، وصناعة الأفلام، واستخدام الكاميرات إضافة لإنشاء القصص، وتشكيل الخزف بدءا من الأساسيات ووصولا للتقنيات المتقدمة.




