مقالات

«لا» في مكان تعني «نعم» في آخر

شارك هذا الموضوع:

تيم هارفورد

يبدو أن كل عام لديّ القرار نفسه: أن أقول “لا” أكثر من قبل. على الرغم من أني أحمل الحزام الأسود في كونج فو الاقتصاد، إلا أنه تحد لا نهاية له. لكن الاقتصاد يخبرنا القليل حول لماذا قول “لا” صعب إلى هذه الدرجة، ولماذا تعتبر مهمة جدا – وكيف تصبح أفضل في قولها. دعونا نبدأ مع السبب صعوبة أن نقول “لا”. أحد الأسباب هو شيء نسميه نحن الاقتصاديون، مع حبنا لاستخدام لغة بسيطة وبدهية، “الحسم المبالغ فيه”. ما يعنيه هذا هو أن اللحظة الراهنة تتعرض للمبالغة في أفكارنا. عندما يسأل شخص ما: هل ستتطوع لتكون مدير المدرسة؟ فمن غير المريح رفض ذلك في حينها، حتى لو كان ذلك يوفر عليك متاعب لا تحصى في وقت لاحق. أن قول “نعم” يدفئ أنفسنا في وهج وجيز من الامتنان الفوري، بحيث نكون غافلين عما سيكلفنا ذلك في وقت لاحق.

التكتيك النفسي للالتفاف على هذه المشكلة هو محاولة الشعور بالألم من قول “نعم” على الفور، بدلا من أن يتم تحديد ذلك في مرحلة ما في وقت لاحق. لو فقط كان بإمكاننا أن نشعر على الفور وبشكل عميق بانزعاجنا النهائي من الحاجة إلى الوفاء بوعودنا، فربما نقدم وعودا حمقاء أقل في المقام الأول.

إحدى الحيل هي أن نسأل: إذا كان يتعين علي اتخاذ قرار بذلك اليوم، فهل كنت سأوافق عليه؟ إنها ليست قاعدة عامة سيئة، لأن أي التزام في المستقبل، مهما كان بعده عن الزمن الحالي، سوف يصبح في نهاية المطاف مشكلة وشيكة.

إليكم نسخة أكثر تطرفا من المبدأ نفسه. أن تتبنى القاعدة التي تقول لا يمكن تأجيل أي مهمة جديدة. إذا قبلت بها، فإن هذه المهمة يجب أن تكون الأولوية الجديدة. آخر ما يأتي من المهمات ينجز أولا. والنتيجة المباشرة هي أنه لا يمكنك أن تتولى مهام أي مشروع ما لم يكن يستحق التخلي عن كل شيء حتى تتفرغ للعمل عليه.

هذا، بطبيعة الحال، أمر سخيف. ومع ذلك هناك قليل من العبقرية الجنونية في ذلك، حتى لو كنتُ أنا من يقول ذلك. أي شخص يتمسك بقاعدة “آخر ما يأتي ينجز أولا” سيجد قائمة المهمات مختصرة ومركزة بشكل متجدد.

هناك مبدأ اقتصادي أوسع بكثير يحكم الاستخدام الحكيم لكلمة “لا”. إنها فكرة أن كل شيء له تكلفة الفرصة البديلة. تكلفة الفرصة البديلة لكل شيء هي أي شيء تضطر إلى التخلي عنه من أجل الحصول على الفرصة. تكلفة الفرصة البديلة واحدة من تلك المفاهيم في الاقتصاد التي تبدو بسيطة ولكن مربكة للجميع، بما في ذلك للمختصين في الاقتصاد.

انظر في اللغز التالي، وهو صورة مختلفة قليلا عن اللغز الذي وضعه بول جي فيرارو ولورا أو تايلور للمختصين الاقتصاديين في مؤتمر أكاديمي كبير في عام 2005. تخيل أن لديك تذكرة مجانية (لا يمكن بيعها) لرؤية أداء راديوهيد. لكن من خلال مصادفة مذهلة يمكنك أيضا أن تذهب لترى ليدي جاجا – هناك تذاكر بمبلغ 40 جنيها. ستكون على استعداد لدفع 50 جنيها لرؤية ليدي جاجا في أية ليلة معينة، وحفلها هو أفضل بديل لمشاهدة راديوهيد. وافترض أنه لا توجد أية تكاليف أخرى لرؤية أي من الحفلتين. ما هي تكلفة فرصة مشاهدة راديوهيد؟ (أ) 0 جنيه (ب) 10 جنيهات، (ج) 40 جنيها، أو (د) 50 جنيها.

إذا كنت غير متأكد من إجابتك، لا تخف أبدا: الإجابة الصحيحة (أدناه)، كانت أيضا الإجابة الأقل تفضيلا من قبل الاقتصاديين.

مهما كانت فكرة تكلفة الفرصة البديلة مثيرة للدوار، إلا أنها شيء يجب علينا أن نلتف برؤوسنا حوله. هل سأكتب مراجعة لكتاب؟ هل سألقي محاضرة لبعض الطلاب؟ في حد ذاتهما هذان طلبان معقولان، لكن النظر إليهما بمعزل عن غيرهما يعتبر خطأ: عندما ينظر إليهما فقط من خلال عدسة تكلفة الفرصة البديلة تصبح المخاطر أكثر وضوحا.

هل سأكتب مراجعة لكتاب ما وبالتالي لن أكتب فصلا من كتابي الذي أعمل على تأليفه؟ هل ألقي محاضرة على بعض الطلاب، وبالتالي لن أقرأ قصة قبل النوم لابني؟ هل أشارك في حلقة نقاش بدلا من تناول وجبة العشاء مع زوجتي؟

الفكرة العميقة هنا هي أنه في كل مرة نقول “نعم” لطلب ما، نقول أيضا “لا” لأي شيء آخر يمكن أن ننجزه في ذلك الوقت. إن الأمر يستحق منا أن نتوقف لحظة للتفكير في ما يمكن أن تكون هذه الأشياء.

قول “لا” لا يزال أمرا محرجا ويحتاج إلى بعض العزم. لا أحد يريد أن يرفض طلبات يقدم فيها المساعدة. لكن هناك خدعة واحدة أخيرة يمكن أن يجربها أولئك الأشخاص الذين لديهم التزامات عائلية مثلنا. جميع هذه الدروس عن تكلفة الفرصة البديلة علمتني أن كل “لا” لطلب من أحد المعارف هو أيضا “نعم” لعائلتي. نعم، سأكون في المنزل وقت النوم. نعم، سأغلق جهاز الكمبيوتر الخاص بي في نهاية الأسبوع.

وهكذا من وقت لآخر، وأنا أكتب اعتذاري “آسف، لا” لأبعثه للشخص المعني من بريدي الإلكتروني، أضع عنوان البريد الإلكتروني الخاص بزوجتي في حقل “نسخة إلى”. وبهذه الطريقة، البريد الإلكتروني المحرج لشخص غريب هو أيضا رسالة حب صغيرة للغاية لزوجتي.

الإجابة هي (ب). الذهاب لمشاهدة ليدي جاجا يكلف 40 جنيها، لكنك على استعداد لأن تدفع 50 جنيها لمشاهدتها في أي وقت. بالتالي صافي المنفعة من مشاهدة ليدي جاجا هو عشرة جنيهات. إذا استخدمتَ تذكرتك بدلا من ذلك لمشاهدة ريديوهيد، فإنك في هذه الحالة تتخلى عن هذه المنفعة، بالتالي تكلفة الفرصة المترتبة على مشاهدة ريديوهيد هي عشرة جنيهات.

المصدر: FINANCIAL TIMES

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى