مقالات

معالجات أزمة 2008 تترك العالم عالقا في فخ الديون

شارك هذا الموضوع:

رالف أتكينز

بينما يستعد البنك المركزي الأوروبي لتمديد عصر التسهيل الكمي، كان قرار الأسواق بشأن سياسات مكافحة الأزمة التي تنتهجها البنوك المركزية هو أنها تخفق في رفع معدل التضخم وتحقيق النمو. لقد فشلت جهود التنمية الممولة صينيا في أن تفيد جميع السكان، بينما بقيت التوترات الطائفية. والتركيز على “رأسمالية المحاسيب” أحبط محاولة ماهيندا راجاباكسا للفوز بولاية ثالثة في سريلانكا.

وإذا أراد ماريو دراجي الاطمئنان على أنه لا تزال لديه تلك اللمسة السحرية، عليه ألا ينظر إلى ما هو أبعد من أسواق الأسهم في أوروبا. إن الاندفاع الحاد في الأسهم الأوروبية -التي ارتفعت نحو 20 في المائة منذ منتصف تشرين الأول (أكتوبر)، أي ضعف ما وصل إليه مؤشر ستاندرد آند بورز الأمريكي- يتناسب مع قصة التسهيل الكمي، الذي أطلقه البنك المركزي الأوروبي الأسبوع الماضي، الذي يعزز الاقتصادات وأرباح الشركات.

مرة أخرى، قام رئيس أحد البنوك المركزية على ما يبدو بإنقاذ الاقتصاد العالمي وهذه المرة من حالة ركود انكماشي خطير في منطقة اليورو، على غرار ما تشهده اليابان. وحتى الآن، المخاوف بشأن خطط الحكومة اليونانية الجديدة لإعادة التفاوض بشأن عملية إنقاذ البلاد البالغ تكلفتها 240 مليار يورو لم تؤثر سلبا في المزاج العام المبتهج، على الرغم من ارتفاع تكاليف الاقتراض في أثينا إلى مستويات عالية.

لكن لو كانت لدى رئيس البنك المركزي الأوروبي لحظات شك، لكان بإمكانه أخذ قصة مختلفة وأكثر كآبة من الأسواق المالية، لاسيما سوق السندات الحكومية. إن إجراءات مكافحة الأزمة التي اتخذتها البنوك المركزية لم تتسبب فقط في هبوط أرباح السندات الحكومية إلى مستويات دنيا لم يشهدها العصر الحديث من قبل، وإنما كان كثير منها سلبيا أيضا. وعبر أوروبا، يدفع المستثمرون المال فعليا مقابل امتياز إقراض الأموال للحكومات في بعض الحالات.

يقول كلوديو بوريو، رئيس الدائرة النقدية والاقتصادية لدى بنك التسويات الدولية في بازل، التي تعمل كمركز فكري لمسؤولي البنوك المركزية: “لقد تم بناء النسيج الاقتصادي لمجتمعنا بناء على فرضية أسعار الفائدة الاسمية الإيجابية. أسعار الفائدة السلبية تجربة لم يسبق لها مثيل”. ويضيف: “إذا لم تكن مؤقتة، ستكون هناك آثار كبيرة”.

والعائدات المتراجعة ناتجة جزئيا عن أن البنوك المركزية أصبحت من كبار المشتريين للسندات: برنامج التسهيل الكمي لبنك اليابان منطلق بأقصى طاقته، وبرنامج البنك المركزي الأوروبي يبدأ في آذار (مارس) المقبل.

لكن عوائد السندات المنخفضة والسلبية تحمل في ثناياها أيضا قصة استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض التضخم، حتى بعد التعديل لاحتساب الانخفاضات الحادة الأخيرة في أسعار النفط، التي تعني أن أسواق السندات تعتقد أن البنوك المركزية ستفشل في دفع التضخم في أي وقت قريب – تماما عكس ما يفترض أن تحققه خطط بنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي.

علاوة على ذلك، يشير اندفاع المستثمرين نحو شراء الأصول الآمنة، مثل سندات الخزانة الأمريكية والألمانية، إلى مخاوف بشأن الاستقرار المالي – وهو ما تشير إليه أيضا أسعار الذهب المرتفعة.

والأسوأ من ذلك، أن البنوك المركزية ربما تجد نفسها محصورة في “سباق نحو القاع” مزعزع للاستقرار، تؤدي التحركات فيه لخفض أسعار الفائدة أو توسيع برامج شراء الأصول إلى استثارة ردود فعل انتقامية من الآخرين. وقد أصبحت سويسرا بالفعل ضحية للمشادات حول تخفيف السياسة النقدية، وتعامل اقتصادها مع صدمة شديدة هذا الشهر عندما قفز الفرنك السويسري 39 في المائة مقابل اليورو بعد تخلي البنك المركزي عن محاولاته لتغطية القيمة الخاصة به في مواجهة خطط التسهيل الكمي للبنك المركزي الأوروبي.

ويجادل بعض المحللين بأنه على الرغم من الآثار الجانبية، إلا أن البنك المركزي الأوروبي كان محقا في اتخاذه تدابير لمنع دوامة انكماشية كان من الممكن أن تلحق الضرر باقتصاد منطقة اليورو. ويقول جيل مويك، كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى بنك أوف أمريكا ميريل لينتش: “إذا كنت حذرا فوق الحد وتسمح للانكماش بأن ينشب أظفاره، سيكون من الصعب جدا السيطرة على الوضع”.

ولأن التضخم انخفض بشكل كبير جدا، كما يقول مويك، فإن تكاليف الاقتراض “الحقيقية” أو – المعدلة حسب التضخم – سترتفع إذا لم يحافظ البنك المركزي الأوروبي على الحق في دفع العائدات الاسمية نحو منطقة سلبية. وهذا قد يؤذي الاقتصاد أيضا.

لكن ظهرت مخاطر مختلفة أمام فرص النمو طويل الأجل للاقتصادات، ولأداء النظام المالي. فالولايات المتحدة ليست في مأمن، لأن توقعات التضخم على المدى الطويل هي الآن أدنى من مستواها الذي كانت عليه عندما أطلق الاحتياطي الفيدرالي برامجه للتسهيل الكمي. وتعتبر عوائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاما، البالغة 2.3 في المائة، هي الأدنى منذ أن بدأ الإصدار العادي لوزارة الخزانة الأمريكية في السبعينيات وتظهر كيف تؤثر الحوافز التي تطبقها البنوك المركزية الأخرى في أسواق السندات.

يقول مات كينج، استراتيجي الائتمان لدى سيتي جروب: “يغلب على الناس التفكير في هذا على أنه مسألة أوروبية ويابانية، لكن الهبوط في العائدات يعد اتجاها عالميا، وهذا يزيد من قلقك بأن الاقتصادات لا تستجيب لكل تلك الحوافز”.

إن سرعة توسع “الكون السلبي” أمر لافت للنظر. فنحو 1.5 تريليون يورو من السندات الحكومية لمنطقة اليورو التي تزيد فترة استحقاقها على عام واحد – تقريبا ربع المجموع الكلي – حققت عوائد أقل من الصفر، وفقا لحسابات بنك جيه بي مورجان. وتعد العوائد سلبية أيضا بالنسبة للسندات السويسرية واليابانية.

وعلى الرغم من الوزن الكبير الذي منحته الأسواق المالية للاحتياطي الفيدرالي، إلا أن البنك المركزي الأوروبي قدم أكثر من نظيره الأمريكي في دفع تكاليف الاقتراض إلى الأدنى. فقد فرض أسعار فائدة سلبية على أموال المصارف المودعة لديه لليلة واحدة. وهذا كان له تأثير في دفع الحد الأدنى – الذي لن تهبط أسعار الفائدة السوقية قصيرة الأجل إلى ما دونه – إلى منطقة سلبية. ومع اقتراب التسهيل الكمي، انتشرت أسعار الفائدة السلبية إلى الأصول طويلة الأجل.

وللعائدات السلبية آثار فورية على الأصول المالية الأخرى، التي تستخدم سندات حكومية يفترض أنها خالية من المخاطر على أنها نقطة مرجعية. فإذا زاد سعر السندات الحكومية، سيزيد سعر كل شيء تقريبا.

يقول ألان راسكين، وهو استراتيجي لدى دويتشه بنك: “مضى أقل من عام على الوقت الذي كانت أسعار الفائدة السلبية لا تزال إلى حد كبير نقطة على هامش كتاب تاريخ السياسة النقدية السويسرية في السبعينيات. إما أن سعر السندات غير سليم وينتظر المستثمرون خسائر كبيرة، وإما أن لدينا مشكلة كبيرة”.

إن تكاليف الاقتراض الهابطة إلى ما دون الصفر توجد أيضا مخاطر يمكنها الانتشار خارج القطاع المالي، وأن تسبب صدمات حقيقية للاقتصاد. والعائدات التي هي حتى الآن ما دون المعايير التاريخية تثير المخاوف حول فقاعات الأسعار عبر فئات الأصول التي يمكن أن تهدد الاستقرار المالي وتمتحن متانة التغييرات التنظيمية الكاسحة التي تهدف إلى جعل النظام أكثر أمانا. يقول نيكولاس بانيجيرتزوجلو، وهو استراتيجي في بنك جيه بي مورجان: “كلما انخفضت عوائد الأصول إلى مستوى أدنى، زاد احتمال التصحيح وزاد الضغط، وزاد حجم التصحيح”. ويضيف: “إذا حصلنا على التضخم فعلا، قد يكون شرسا ومرذولا إلى حد كبير”.

زاك باندل، وهو مدير محفظة أول في شركة كولمبيا للإدارة، يقول إنه سؤال مفتوح ما إذا كان انخفاض أسعار الفائدة طويل الأجل دلالة على التشاؤم بشأن اقتصاد منطقة اليورو. ويضيف: “الهدف من برنامج التسهيل الكمي هو تخفيض أسعار الفائدة. هذا هو هدف السياسة”.

ويتابع: “تؤثر البنوك المركزية في أسعار السندات عبر منحنى العائد وستتوقف بمجرد ألا تعود هناك حاجة إلى تلك السياسة”.

اتجاه أسعار الفائدة المنخفضة تاريخياً قد يكون نتيجة تراجع ثقة الأسواق في قدرة البنوك المركزية على تعزيز الاقتصادات من خلال وصفة السياسة التقليدية القائمة على تخفيض أسعار الفائدة. الأمر الذي أثار قلق البنوك المركزية على جانبي المحيط الأطلسي هو الانخفاضات الحادة في معدلات التضخم على المدى الطويل، التي يتم احتسابها في الأسواق.

يقول وليام أودونيل، خبير الاستراتيجية في آر بي إس للأوراق المالية: “الناس يفقدون الثقة في قدرة البنوك المركزية على رفع معدلات التضخم. هناك اختبار حاسم يلوح في الأفق بالنسبة لمحافظي البنوك المركزية الذين يؤمنون بمنحنى فيليبس، أو فكرة أن انخفاض معدل البطالة يؤدي إلى تضخم الأجور”.

أيّا كانت القصة الأكثر دقة عن فاعلية السياسة النقدية، فستكون لها آثار بعيدة المدى. البنوك المركزية ربما تكون قد تجنّبت كارثة اقتصادية منذ بداية الأزمة المالية العالمية في عام 2007، لكن التحدّيات الصعبة تبقى ماثلة. وعليها أن تُثبت للأسواق المالية أن بإمكانها وضع الاقتصادات على مسارات النمو المُستدام طويل الأجل.

يقول كينج، من سيتي جروب: “الألمان يؤكدون أن برنامج التسهيل الكمي لا يعمل سوى على تأجيل الإصلاحات الضرورية. أنا متعاطف جداً مع هذا الرأي. نحن في فترة ينبغي أن يكون فيها الاستثمار مرتفعاً. وينبغي أن يقول الناس: أستطيع أن أفعل شيئاً مفيداً بكل الأموال الرخيصة واستثمارها في الاقتصاد الحقيقي. لكن معدلات الاستثمار التي نشهدها مخيبة للآمال جداً. وفي قطاع الطاقة، يتم تخفيضها في الواقع”.

ويخشى بعضهم من “التحيّز إلى التسهيل” بين البنوك المركزية. ولأنها لم تتصرف لمنع ازدهار الإقراض في الماضي، سمحت هذه البنوك لمستويات الديون بأن تتوسع، الأمر الذي يجعل رفع تكلفة الاقتراض الآن أمراً محفوفاً بالمخاطر أكثر.

ويُحذّر بوريو، من بنك التسويات الدولية، من أن مستويات الديون المرتفعة عبر الاقتصادات أوجدت “فخ ديون” يجعل من الصعب على البنوك المركزية زيادة أسعار الفائدة بدون إلحاق الضرر بالاقتصاد الحقيقي.

ويقول: “إذا لم تتصرف بشكل كاف فيما يتعلق بالاختلالات، يمكنك مع مرور الوقت إحداث التحيّز للتسهيل، الذي قد ينتهي إلى ترسيخ عدم الاستقرار المالي والضعف المُزمن”.

ويتابع: “في مرحلة ما، إلى المدى الذي لن تنخفض فيه مستويات الديون بما فيه الكفاية، قد يُصبح من الصعب جداً رفع أسعار الفائدة بدون إيجاد المشكلات ذاتها التي كنت تحاول تجنّبها”. وهذا يثير خطر “حرب تسهيل” مُكثّفة بين البنوك المركزية. وهذه الصراعات تبرز آثارها في أسواق العملات، مع ارتفاع قيمة الدولار مقابل مجموعة من العملات، إذ ارتفع 18 في المائة على أساس الوزن التجاري النسبي منذ تموز (يوليو) الماضي. والتوتر بين سياسات البنوك المركزية ليس بالأمر الجديد، لكن يمكن القول إنه أصبح أسوأ مع ضخ السلطات النقدية مزيدا من المال في النظام المالي، ومع توسع أسواق رأس المال عالمياً. ومع انخفاض أسعار الفائدة في البلدان والمناطق التي ضربتها الأزمة، تدفقت أموال المساهمين إلى اقتصادات أخرى، بما فيها الأسواق الناشئة، ما أدى إلى رفع قيمة العملات والتهديد بخنق النشاط الاقتصادي.

وفي الفترة التي سبقت إعلان البنك المركزي الأوروبي عن إطلاق برنامج التسهيل الكمي، خفض البنكان المركزيان في كل من كندا والهند أسعار الفائدة. وعلى مسافة أقرب إلى منطقة اليورو، خفض البنك المركزي في الدنمارك تكاليف الاقتراض مرتين الأسبوع الماضي، الأمر الذي أضاف شعورا بالذعر من السياسة النقدية في كل أنحاء أوروبا، وهو ذعر أثارته خطوة سويسرا.

يقول سايمون ديريك، كبير خبراء استراتيجية العملة في بنك بي إن واي ميلون: “هناك شعور داخل أوروبا أن البنوك المركزية لا تُسيطر تماماً على الوضع”.

وإذا كانت المخاوف بشأن “فخ الديون” مبرّرة، فإن الآثار على الأسواق المالية يُحتمل أن تكون كبيرة. وقد أوضحت سويسرا ماذا يمكن أن يحدث بشكل خاطئ إذا حاولت البنوك المركزية رفع التدابير الاستثنائية لمكافحة الأزمة ومحاولة العودة إلى سياسات أكثر طبيعية.

ففي أعقاب قرار البنك المركزي السويسري رفع الحد الأقصى المفروض على الفرنك، انتشر التقلّب في كل أنحاء أسواق العملات الأجنبية. ومع تحقيق السندات السويسرية لأجل عشرة أعوام عائدا سالبا يبلغ 0.30 في المائة، انهارت العلاقة المعتادة بين المخاطر والمكافأة.

وفي الوقت الذي يبدأ فيه البنك المركزي الأوروبي توسيع عهد التجريب مع السياسة النقدية، فإن حقيقة أن كثيرا من المستثمرين يشترون السندات ذات العوائد السلبية تُشير إلى أن صنّاع السياسة لديهم كثير من القلق بشأنه.

ويتساءل أودونيل: “ما الذي سيفعله برنامج التسهيل الكمي ولم تفعله أسعار الفائدة السلبية في ألمانيا؟ يجب أن تشعر البنوك المركزية بالانزعاج الشديد من أن المستثمرين يحصلون على أسعار فائدة سلبية”.

المصدر: Financial Times

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى