مقالات

مدونون يتعقبون الجهاديين عن بعد

شارك هذا الموضوع:

إيما جيكوبس

عشية رأس السنة الجديدة، كان بيتر فان أوستاين يحتفل مع عائلة شقيقه قبل أن يقرر عدم حضور احتفالات منتصف الليل والذهاب إلى المنزل للعمل.

هذا السعي – الذي يقوم به في الليل وفي أيام العُطل – ليس امتدادا لعمله اليومي مهندسا معماريا ومحلل أعمال. لكنه شغف استحواذي يستخدم فيه “تويتر” و”فيسبوك” في الأساس لتعقب المتطرفين البلجيكيين الذين يقاتلون من أجل تنظيم داعش وجبهة النُصرة في سورية.

وفي الوقت الذي يستخدم فيه الجهاديون وسائل الإعلام الاجتماعية لإيجاد مجنّدين جُدد ونشر نشاطاتهم، كذلك يتمكن أصحاب المدونات من تتبع نشاطهم عن بعد. بعضهم يفعل ذلك باعتباره جزءا من عمله، لكن آخرين مثل فان أوستاين، الذي لا يتلقى أجرا، يأمل يوماً ما أن يكون مُجدياً مادياً.

بعد الهجومين الآخيرين في باريس على مكاتب مجلة “تشارلي إبدو” وسوبرماركت للأطعمة اليهودية، أخذ أوستاين الذي يعيش في ميكلين، بلجيكا، ينقب في المواضيع التي تنشر على وسائل الإعلام الاجتماعية، محاولاً الكشف عن معلومات مهمة بشأن التهديد من المقاتلين البلجيكيين. ووسط المنشورات كان هناك، كما يقول، مقاتل بلجيكي ينتمي إلى “داعش” في العراق يدعو الناس في بلجيكا لأن يحذوا حذوه.

يقول فان أوستاين “إن مشاعره عن المهاجمين تلخّصت في منشور على إحدى المدونات من قِبل كلينت واتس، وهو زميل أول في معهد أبحاث السياسة الخارجية “كثير من الجهاديين الغربيين، إن لم يكُن معظم، هم نفوس مضطربة بعمق، وفي بعض الأحيان يكونون أكثر ارتباكاً بشأن نواياهم ودوافعهم مما نحن عليه”.

وتوجد، كما يقول، كمية كبيرة من المعلومات التي يُمكن العثور عليها عن المتطرفين المحليين وأولئك الذين يذهبون إلى سورية والعراق للقتال. وبعض الأبحاث كانت واضحة نسبياً – مثلا، أنشأ فان أوستاين ذات مرة هوية مزورة لمقاتل أجنبي خيالي. حيث التقط صورة لرجل، بوجه مخفي، يلوّح بعلم “داعش” على جبل. وسرعان ما حصل على 1400 “صديق” من كافة أنحاء أوروبا.

يقول فان أوستاين “سورية هي الحرب ذات الوسائط الاجتماعية الأكثر على الإطلاق. فوسائل الإعلام الاجتماعية قناة دعائية”.

وقد جاء هذا في الوقت الذي أصبح فيه الصحافيون أهدافاً للحصول على غنيمة، الظاهرة بشكل واضح من خلال إقدام “داعش” على قطع رأس الصحافيين الأمريكيين جيمس فولي وستيفين سوتلوف. ووفقاً للجنة حماية الصحافيين، 79 صحافيا قُتلوا في سورية منذ عام 1992، وفي العراق بلغ عدد القتلى 166.

وتعمل السُلالة الجديدة من الباحثين على تحليل المقاتلين عن بعد وليس في منطقة الصراع. فان أوستاين، الذي يعكف حالياً على إعداد كتاب عن الشرق الأوسط منذ الحروب الصليبية حتى اليوم، يرى في إليوت هيجينز، الذي أصبح معروفاً باسمه على المدونات “براون موسى”، مُغيّرا لقواعد اللعبة، بحيث يمكن للعمل أن يصبح موردا للدخل.

هيجينز، المتحمس لألعاب الفيديو والأب القابع في البيت، الذي كان يعمل سابقاً في إدارة التمويل، أصبح مختصا في الذخائر، من خلال تتبع الحرب السورية من منزله في لايستر في المملكة المتحدة. ويقول فان أوستاين “العمل الذي أنجزه (عن الأسلحة السورية وإسقاط الطائرة MH17) كان رائداً. فهو مثال جيد لشخص مستقل، يكتب ما يُريد”.

دخل فان أوستاين هذا المجال من العمل من خلال اهتمامه بالتاريخ والثقافة العربية، التي درسها في الجامعة. وعندما بدأت الانتفاضة الشعبية في سورية عام 2011 – وهو بلد سبق أن زاره – تكثّف عمله.

ويقول “لقد حاولت جعل الأشخاص في الغرب يفهمون ما كان يجري. وجدت من العار أن أحدا لم يفعل أي شيء”. ويضيف أوستاين المختص في المقاتلين الأجانب “وسائل الإعلام الاجتماعية هي مصدري الرئيسي للمعلومات. حجم المعلومات الكبير الموجود هناك لا يُصدّق”.

وتوجد أيضاً مجموعة واسعة من المواد المزورة. وللتحوّل من هاو إلى محترف، يجب أن يكون من مستخدمي المدونات الدقيقين.

يقول هيجينز الذي يلقي الآن كلمات ومحاضرات أمام الصحافيين، “إن السمعة هي كل شيء. إنها كل ما تملك. لذلك يجب أن تكون حذرا جداً. لاحظ أن إنتاج مواد موثوقة يتطلب كثيرا من العمل”.

والهوس هو سمة يبحث عنها هيجينز في المتعاونين، على الرغم من أنه حذر من ألا تكون الأيديولوجية هي ما يُغذّي شغفهم.

وأحد المخاطر المرتبطة بالعمل تكمن في مشاهدة أعمال مروعة من العنف. ويقول فان أوستاين “خلال أول عملية قطع رأس شاهدتها، شعرت بالرغبة في أن أتقيأ – لكن الآن لا أشعر بشيء”. وينشر الباحثون المختصون استراتيجياتهم الخاصة. جى إم بيرجر، مؤلف كتاب “جهاد جو: الأمريكيون الذين يذهبون إلى الحرب باسم الإسلام”، بدأ حياته صحافيا وهو يجمع بين أساليب إعداد التقارير التقليدية وتحليل وسائل الإعلام الاجتماعية. وقد تعلّم إجراء تقييم سريع وفعّال للعنف في أشرطة الفيديو. وفي اللحظات المهمة يكتم الصوت. ويقول “الأمر الأكثر أهمية هو التواصل باستمرار مع الحياة خارج العمل والتذكّر أنه حتى عندما تكون الحركات المتطرفة أكثر نجاحاً، فإنها تبقى تمثل (قسما) صغيرا فقط من الناس”.

فيليب سميث، الباحث في جامعة ماريلاند الذي يكتب المدونة “موكب حزب الله”، التي تركّز على الإسلاميين الشيعة المتشددين في الشرق الأوسط، يُلاحظ أن بعض المجموعات تريد من المحللين إعادة إنتاج محتواهم من أجل إضفاء الشرعية عليه ونشره. ويقول بيرجر، الذي سيركز كتابه المقبل على “داعش”، “في حالات نادرة للغاية أنا أفصح عن وسائل الإعلام الاجتماعية التي أتابعها”. ويضيف، “لا أعيد نشر دعايتهم على الملأ”.

ويعتقد بيرجر أن معظم الناس لا يحتاجون إلى مشاهدة هذه المواد. ويقول “هذه المواد العنيفة تهدف إلى دفع المشاهدين واستثارة استجابات عاطفية تخدم مصالح المتطرفين”. لكن يجدر بصناع السياسة والباحثين أن يشاهدوا بعض هذه المواد من أجل فهم عقيدة العنف التي تبثها “داعش” بشكل خاص. ويعتبر فان أوستاين أن مشاهدة مقاطع الفيديو التي من هذا القبيل هي مصادر سيتم استخدامها من قبل المؤرخين ومراقبي حقوق الإنسان وربما من ممثلي النائب العام عن جرائم الحرب في المستقبل. ومن رأيه أن هذا العمل مهم. ويقول “أريد أن يكون الناس على وعي بالسبب الذي يجعل الناس يذهبون للقتال في سورية”. مع ذلك هناك ثمن يدفعه هذا الرجل البالغ من العمر 38 عاما. والجهد المكثف الذي يبذله في عمله خارج الوظيفة الرسمية يعني أنه يقدر اتصالاته ومعارفه في المجتمع. ويقول “هذه ليست حياة. أنا أعيش وحدي مع قطة”.

المصدر: Financial Times

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى