مقالات

الكهرباء: هدر وسرقة.. وأشياء أخرى

شارك هذا الموضوع:

جمانة غنيمات

إلى اليوم، لم تُعلَن أرقام نهائية، إجمالية وتفصيلية، توضح مبررات الحكومة لزيادة أسعار الكهرباء. فما تزال الأرقام متباينة، وبالتالي مربكة للمراقبين والمتابعين لهذا الملف الذي صار يمثل، بدوره، أزمة حكومية-نيابية، لم تهدأ إلا بسبب التطورات الدراماتيكية في قضية الطيار معاذ الكساسبة.
مجددا، تقول الحكومة إن كلف دعم الكهرباء عند سعر 60 دولارا لبرميل النفط، تزيد على 600 مليون دينار. وهو الرقم الذي يعدّ محل تشكيك من قبل الخبراء.
والحقيقة أن كلام الحكومة قد يكون صحيحاً، إنما لأسباب لا تتعلق بالكلف الفعلية لإنتاج الكهرباء وأسعار النفط، بل لأسباب ترتبط بقصور رسمي في إدارة القطاع وتطويره، والكوارث التي تسببت بها الحكومات المتعاقبة، خلال سنوات طويلة مضت، في هذا المجال.
فعلى صعيد إدارة القطاع، ثمة قضايا مسكوت عنها، حتى الحكومة تنأى بنفسها عن الحديث فيها، رغم مسؤولياتها المباشرة عن معالجتها، ورغم الدور الكبير لهذه القضايا في زيادة كلف الكهرباء، مع أنها لا ترتبط بدعم مالي حقيقي تدفعه الحكومة عن المستهلكين؛ أفرادا وقطاعات.
القضية الأولى تتعلق بخصخصة قطاع الكهرباء وتنظيمه، وضمن ذلك تقسيمه إلى ثلاث فئات: التوليد، والتوزيع، والنقل. إذ ساهم اتساع حلقات العملية في زيادة الكلف على المستهلك النهائي، لاسيما أن جميع الشركات “الخاصة” تحقق أرباحا مع نهاية كل عام. يضاف إلى ذلك اتفاقيات الامتياز الموقعة مع بعض شركات التوزيع؛ وهي الاتفاقيات التي يبدو بعض بنودها منحازا للشركات، خصوصا تلك المتعلقة بمعادلة احتساب صافي الربح. إذ يعتقد مختصون أن هامش الربح المرتفع للشركات يعد سبباً رئيساً في زيادة قيمة الفاتورة على المستهلك.
أما القضية الثانية، فتتعلق بحجم استثمار شركات الكهرباء في تطوير تكنولوجيا الإنتاج والتوليد، بما يؤدي إلى زيادة الفعالية والكفاءة بشأنهما. إذ ما تزال بعض المحطات تعمل بتكنولوجيا قديمة، من دون مساعٍ لتطويرها.
وضعف الاستثمار في تطوير الشبكات، يرفع فاتورة الكهرباء أيضا. ويقدر خبراء كلف الفاقد من الكهرباء خلال عمليات نقلها بمئات ملايين الدنانير سنويا، تسدد قيمتها من جيب المستهلك، فيما تتخلى الحكومة عن مسؤولياتها بمراقبة الشركات في هذا الاتجاه، كما ضرورة أن تتحمل الشركات مسؤولية الفاقد، لا المستهلك.
المشكلة الأخرى تتمثل، وبشكل واضح ومباشر، في سرقة الكهرباء. وهو السلوك غير القانوني الذي لم تتخذ الحكومة أي خطوات جادة لضبطه. فرغم التأكيد على منح موظف الكهرباء صفة الضابطة العدلية، إلا أن القرار لم يُتبع بتفاصيل وأخبار عن محاولات تقليل نسبة المسروق من الكهرباء، بخلاف ما يحدث في قطاع المياه، حيث لا تتوقف أنباء ضبط المخالفين وتحويلهم إلى القضاء وحتى سجن بعضهم، بينهم متنفذون؛ في مسلك ضروري يصون المال العام، وأهم من ذلك أنه يعيد هيبة الدولة ويؤكد قدرتها على بسط يد القانون على الجميع بعدالة.
بالمحصلة، يظل المستهلك الملتزم هو من يسدد الفاتورة، فيما يبقى الحديث عن ضبط سرقات الكهرباء محض مزاودة؛ من دون إحداث فرق.
على الحكومة -طالما أن الباب مفتوح لمراجعة استراتيجية شركة الكهرباء الوطنية وتسديد مديونيتها في ظل القرار المرتقب برفع تعرفة الكهرباء- توفير المعلومات الحقيقية حول القضايا السابقة، ووضع خطط لمعالجة الاختلالات والتشوهات، مع الإصرار على تنفيذ هذه الخطط بذات درجة الإصرار على زيادة أسعار الكهرباء، بغض النظرعن الأسباب الحقيقية لارتفاع قيمة الفاتورة.
حتى اليوم، يبقى المستهلك الضحية الأولى لقصور السياسات، وأخطاء الحكومات وتجاوزاتها.

المصدر: صحيفة الغد

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى