الذكاء الاصطناعيالرئيسية

“المتعلم الرقمي” و”الجاهل الرقمي”

الذكاء الاصطناعي يعطي معنى جديدا للجهالة الرقمية

هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان

أصبحت الكتابات التي نقرأها هنا وهناك تحمل بصمة الذكاء الاصطناعي. مقالات، تقارير، رسائل، أبحاث، تحليلات، وحتى تعليقات قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي. لم يعد السؤال هل نستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف نستخدمه، ومن المسؤول عما ينتجه لنا.

منذ سنوات قليلة، عندما كنا نبحث عن معلومة، كنا نقول “اسأل جوجل. نكتب كلمات في محرك البحث، ثم ننتقل بين المواقع ونقرأ ونقارن ونختار. اليوم تغير المشهد. لم نعد نطلب من التقنية أن تجد لنا المعلومة فقط. أصبحنا نطلب منها أن تفكر معنا، وأن تلخص وتكتب وتحلل وتقارن وتقترح، وأحياناً أن تتخذ خطوات نيابة عنا.

وهذه ليست المرة الأولى التي تقلقنا فيها تقنية جديدة.

قاوم البعض الآلة الحاسبة لأنهم اعتقدوا أنها ستضعف القدرة على الحساب. ثم جاء الحاسوب وأثار مخاوف مشابهة. وجاء الإنترنت ومحركات البحث والهواتف الذكية. وفي كل مرة تبدأ المقاومة، ثم تدخل التقنية حياتنا شيئاً فشيئاً، حتى تصبح جزءاً من الممارسة اليومية.

المشهد يتكرر مع الذكاء الاصطناعي

لكن هناك فرقاً يستحق الانتباه. الآلة الحاسبة تحسب ما نطلبه منها. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيكتب ويتحدث ويحلل بطريقة تجعله يبدو وكأنه يعرف ما يقول. وهنا تكمن المشكلة.

فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج نص مقنع وهو مخطئ. وقد يقدم مرجعاً غير موجود، أو رقماً غير صحيح، أو تفسيراً ناقصاً، أو معلومة قديمة. وقد يجيب بثقة لغوية تجعل المستخدم يطمئن إلى الإجابة قبل أن يتحقق منها.

من هنا أرى أن علينا إعادة التفكير في معنى “المتعلم الرقمي” ومعنى “الجاهل الرقمي”.

الجاهل الرقمي

فالجاهل الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة الشخص الذي لا يعرف استخدام ChatGPT أو غيره من أدوات الذكاء الاصطناعي. قد يكون ماهراً في كتابة الأوامر، ويستخدم أحدث التطبيقات، وينتج عشرات الصفحات خلال ساعات.

ومع ذلك قد يكون جاهلاً رقمياً.

حين يصبح الذكاء الاصطناعي خدمة جامعية

يصبح كذلك عندما ينسخ ما تنتجه الآلة وينشره باسمه دون أن يقرأه قراءة نقدية، أو يتحقق من معلوماته، أو يراجع مصادره، أو يفهم منطقه، أو يتحمل المسؤولية عن النتيجة.

أما المتعلم الرقمي فلا يقاس بقدرته على الحصول على إجابة من الذكاء الاصطناعي. يقاس بما يفعله بعد الحصول عليها.

يسأل. هل هذه المعلومة صحيحة؟ ما مصدرها؟ هل المصدر موجود فعلاً؟ هل هناك معلومات ناقصة؟ هل قدم الذكاء الاصطناعي حقيقة أم استنتاجاً؟ هل توجد وجهة نظر أخرى؟ وهل أستطيع الدفاع عن هذا الناتج إذا وضعته باسمي؟

هنا يصبح الإنسان جزءاً أساسياً من العملية.

يستخدم المتعلم الرقمي الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يسلمه عقله. يستفيد من سرعته وقدرته على معالجة المعلومات، ثم يمارس حكمه البشري على الناتج. يدقق ويقارن ويرفض ويعدل، ويعود إلى المصادر عند الحاجة. وفي النهاية يقول “هذا ناتجي وأنا مسؤول عنه”.

أما الجاهل الرقمي فيتعامل مع إجابة الذكاء الاصطناعي باعتبارها المنتج النهائي. ينسخ ويلصق وينشر.

وقد يبدو للوهلة الأولى أكثر إنتاجاً من المتعلم الرقمي. يستطيع أن ينتج مقالات وتقارير وعروضاً خلال دقائق. لكن كمية الإنتاج لا تعني جودة المعرفة. وكلما ازداد اعتماده على الآلة دون تحقق، ازدادت احتمالات أن ينشر خطأ لا يعرف أنه خطأ.

وهنا تظهر مفارقة عصر الذكاء الاصطناعي.

قد يصبح الشخص أكثر قدرة على إنتاج المحتوى، وفي الوقت نفسه أقل قدرة على تقييمه.

وهذا يغير مفهوم محو الأمية الرقمية نفسه. لم يعد كافياً أن نعلم الإنسان كيف يستخدم الحاسوب أو يبحث في الإنترنت أو يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي. علينا أن نعرف هل يستطيع تقييم ما تنتجه هذه الأدوات، وهل يعرف متى يثق بها ومتى يشك فيها، وهل يستطيع التدخل عندما تخطئ، وهل يحتفظ بسلطته على القرار، وهل يتحمل مسؤولية ما يعتمد عليه أو ينشره.

الفرق بين المتعلم الرقمي والجاهل الرقمي

الفرق ليس وجود الذكاء الاصطناعي في عملهما. فكلاهما قد يستخدم الأداة نفسها.

الفرق هو السلوك.

الأول يستخدم الذكاء الاصطناعي ثم يتحقق.

والثاني يستخدمه ثم ينسخ.

الأول يرى الناتج مادة تحتاج إلى حكم بشري.

والثاني يراه إجابة جاهزة.

الأول يحتفظ بالمسؤولية.

والثاني ينقل المسؤولية إلى الآلة، حتى وإن وضع اسمه على ما أنتجته.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نسأله في الجامعات والمدارس والمؤسسات لم يعد “هل استخدم الذكاء الاصطناعي؟”

السؤال الأهم هو “ماذا فعل الإنسان بما أعطاه الذكاء الاصطناعي؟”

ففي عصر يستطيع فيه الجميع تقريباً الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، لن يكون التميز لمن يعرف كيف يسأل الآلة فقط، بل لمن يعرف كيف يحكم على إجابتها.

وهنا يبدأ المعنى الجديد للتعلم الرقمي.

أ.د أحمد غندور القرعان

أ.د أحمد غندور القرعان، أستاذ الأعمال الإلكترونية وباحث في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. حاصل على درجة الدكتوراه في علم المعلومات من جامعة أوتاغو في نيوزيلندا، ودرجة البكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من جامعة باث في المملكة المتحدة. يمتلك خبرة أكاديمية وتدريسية دولية في نيوزيلندا والإمارات والأردن. يعمل حالياً على تطوير “الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (IDDL)”، وهو إطار قائم على السلوك لتقييم وترخيص الكفاءة الرقمية في بيئات الذكاء الاصطناعي. تركز أبحاثه على محو الأمية الرقمية، الحوكمة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل. له العديد من الأبحاث والمقالات في مجالات التحول الرقمي، الأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، ويساهم بانتظام في النقاشات الفكرية حول مستقبل المواطنة الرقمية وبناء مجتمعات رقمية آمنة ومنتجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى