هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
لم يعد السؤال في الجامعات اليوم هو ما إذا كان الطلبة سيستخدمون الذكاء الاصطناعي أم لا. هذا السؤال بدأ يفقد أهميته مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى البيئة الجامعية نفسها. السؤال الأهم أصبح كيف سيستخدم الطلبة هذه الأدوات، وكيف تستطيع الجامعة التأكد من أنهم قادرون على استخدامها بكفاءة وأمان ومسؤولية.
المحتويات
يظهر هذا التحول مع ChatGPT Edu، النسخة التي طورتها OpenAI للجامعات والمؤسسات التعليمية. فهي توفر بيئة مؤسسية يستطيع من خلالها الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية استخدام الذكاء الاصطناعي في التعلم والتدريس والبحث وتحليل المعلومات وغيرها من الأنشطة الجامعية.
وبدأت جامعات بالفعل في الانتقال من التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة خارجية يستخدمها الطالب بصورة فردية، إلى توفيره ضمن بنيتها الرقمية الرسمية.
في أستراليا، أعلنت جامعة سيدني في سبتمبر 2026 عن توفير ChatGPT Edu على نطاق جامعي، مع بدء وصول الموظفين وتجربة طلابية في أكتوبر، وصولاً إلى إتاحته للطلبة على نطاق أوسع في الفصل الأول من عام 2027. كما أعلنت جامعة نيو ساوث ويلز UNSW عن شراكة مع OpenAI ضمن توجهها لتوفير أدوات الذكاء الاصطناعي لمجتمع جامعي يضم أكثر من 80 ألف طالب وموظف.
تطورات تطرح سؤالاً يستحق المتابعة
هل سيصبح الذكاء الاصطناعي خدمة جامعية أساسية مثل البريد الإلكتروني ونظام إدارة التعلم والمكتبة الرقمية؟
من المبكر الجزم بذلك. لكن الاتجاه واضح بما يكفي لكي تبدأ الجامعات في التفكير في تبعاته. فعندما توفر الجامعة أداة ذكاء اصطناعي لجميع طلبتها، تنتقل القضية من سؤال “هل نسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي؟” إلى سؤال أكثر أهمية وهو “كيف نضمن استخدامه بطريقة تحقق التعلم وتحافظ على دور الإنسان؟”
لكن هناك مشكلة أخرى.
إتاحة الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاك القدرة على استخدامه.
قد يعرف الطالب كيف يكتب أمراً جيداً لـChatGPT، لكنه لا يتحقق من صحة الإجابة.
وقد يعرف قواعد النزاهة الأكاديمية، ثم يعتمد على مرجع أنشأه النموذج دون التأكد من وجوده.
وقد يكون قد تعلم مبادئ خصوصية البيانات، لكنه يضع معلومات حساسة في نظام ذكاء اصطناعي عندما يواجه مهمة حقيقية.
وقد يحصل على تحليل مقنع، لكنه لا ينتبه إلى نقص البيانات أو ضعف الأدلة التي يستند إليها الاستنتاج.
لهذا يجب أن نفرق بين الوصول إلى التكنولوجيا، والتعلم عنها، والقدرة على استخدامها.
الوصول يوفر الأداة.
التعليم يبني المعرفة والمهارات.
أما القدرة فتحتاج إلى دليل يظهر في السلوك والممارسة.
وسيصبح هذا التمييز أكثر أهمية مع الانتقال من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي Agentic AI. فالمستخدم لن يطلب من النظام فقط كتابة نص أو تلخيص وثيقة أو تحليل بيانات. قد يفوض وكيلاً ذكياً لتنفيذ سلسلة من المهام والإجراءات نيابة عنه.
عندها ستتغير طبيعة الكفاءة المطلوبة.
هل يستطيع المستخدم تحديد ما يسمح للوكيل الذكي بفعله؟
هل يعرف متى يجب أن يتدخل؟
هل يكتشف عندما يتجاوز النظام حدود المهمة؟
هل يتحقق من الأدلة قبل الاعتماد على توصية النظام؟
وهل يحتفظ الإنسان بسلطة القرار عندما تكون للقرار نتائج حقيقية؟
ليست مهارات تقنية فقط
فهي تتعلق بالحكم البشري والمسؤولية والقدرة على الاحتفاظ بالسيطرة في بيئة يعمل فيها الإنسان والذكاء الاصطناعي معاً.
وهنا تظهر مشكلة أخرى أمام التعليم العالي وهي التقييم.
إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة المقال، وتحليل البيانات، وإنتاج البرمجيات، وإعداد العرض، واقتراح الحلول، فما الذي يقيسه المنتج النهائي الذي يقدمه الطالب؟
قد يكون العمل ممتازاً، لكن هل يمثل جودة المنتج دليلاً على قدرة الطالب؟
ليس بالضرورة.
لهذا بدأت بعض الجامعات في إعادة التفكير في التقييم. جامعة سيدني، على سبيل المثال، تتبنى نموذجاً يسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي في بعض التقييمات المفتوحة، إلى جانب تقييمات خاضعة للإشراف تهدف إلى التحقق مما يستطيع الطالب إظهاره بصورة مستقلة.
لكننا قد نحتاج إلى الذهاب أبعد من ذلك.
بدلاً من التركيز فقط على سؤال “هل استخدم الطالب الذكاء الاصطناعي؟”، يمكن أن نسأل سؤالاً مختلفاً.
الخريج الجامعي في زمن الذكاء الاصطناعي: عندما لا تعود الإجابة الصحيحة دليلاً على الكفاءة
ماذا أثبت الطالب أثناء استخدامه للذكاء الاصطناعي؟
هل تحقق من المعلومات؟
هل راجع المصادر؟
هل اكتشف الخطأ؟
هل حمى البيانات؟
هل تعرف إلى حدود النظام؟
هل عدّل طلبه عندما كانت النتيجة غير كافية؟
هل رفض توصية لم تدعمها الأدلة؟
وهل يستطيع تفسير سبب قبوله لمخرجات الذكاء الاصطناعي أو تعديلها أو رفضها؟
هذا هو الفرق بين معرفة ما ينبغي فعله وإثبات القدرة على فعله.
ومن هذا المنطلق جاء العمل الذي أقوم به على الرخصة الدولية للقيادة الرقمية IDDL. فهي تتعامل مع القدرة الرقمية من خلال ثلاثة مجالات مترابطة هي المهارات الرقمية، والوعي بالأمن السيبراني، وكفاءة الذكاء الاصطناعي.
ويقوم التقييم فيها على نموذج المعرفة والقدرة والتفكير التأملي Knowledge–Capability–Reflection.
ماذا يعرف الشخص؟
ماذا فعل فعلياً عندما واجه موقفاً رقمياً؟
ولماذا اتخذ ذلك القرار؟
الهدف هنا ليس قياس معرفة الشخص بالذكاء الاصطناعي فقط، بل البحث عن دليل على قدرته على التصرف عندما يكون الذكاء الاصطناعي جزءاً من المهمة.
وهذا التمييز أصبح ضرورياً لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة شخص محدود القدرة على إنتاج نتيجة تبدو متقدمة. لذلك لم يعد المنتج النهائي وحده دليلاً كافياً على امتلاك صاحبه للقدرة التي يفترض أن يقيسها التقييم.
وهنا تكمن المفارقة التي ستواجه الجامعات خلال السنوات المقبلة.
كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على إنتاج الإجابة، أصبح التقييم مطالباً بأن يكون أكثر قدرة على قياس الإنسان.
قد يصبح ChatGPT Edu وغيره من أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً طبيعياً من البنية التحتية للجامعة. وقد يساعد توفيرها المؤسسي في تقليل الفجوة بين الطلبة الذين يستطيعون دفع تكلفة أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والطلبة الذين لا يستطيعون ذلك.
توفير الأداة ليس نهاية المهمة
إنه بداية مرحلة جديدة.
فالجامعة التي تمنح كل طالب إمكانية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي ستواجه سؤالاً أصعب من سؤال الإتاحة.
كيف تعرف أن هذا الطالب يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي بكفاءة وأمان ومسؤولية، وأن القرار الذي يتخذه في النهاية ما زال قراراً بشرياً واعياً؟
قد يكون هذا أحد أهم أسئلة التعليم العالي في عصر الذكاء الاصطناعي.



