الذكاء الاصطناعيالرئيسيةمحليمقالات

فرح.. عندما يصبح الذكاء الاصطناعي ناطقاً باسم الحكومة

هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان

أطلقت الحكومة الأردنية في الثالث من أيلول 2026 «فرح»، وهي شخصية افتراضية مطورة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتكون ناطقاً رقمياً وإحدى أدوات الاتصال الحكومي. ووفق الإعلان الرسمي، تهدف التجربة إلى إيصال المعلومات الحكومية للمواطنين، وشرح القرارات والسياسات، وتسهيل الوصول إلى المعلومات الرسمية.

قد تبدو «فرح» للوهلة الأولى شخصية رقمية جديدة تقدم الأخبار الحكومية أمام الكاميرا. لكن التجربة تستحق قراءة أوسع. نحن أمام تحول في العلاقة بين المواطن والحكومة، ينتقل فيه الذكاء الاصطناعي من العمل خلف الأنظمة الحكومية إلى الظهور أمام المواطن ممثلاً لواجهة المؤسسة العامة.

وهنا تبدأ الفرص، وتبدأ معها أسئلة الثقة والمسؤولية والمصداقية ودور الإنسان.

ماذا تستطيع «فرح» أن تقدم؟

الميزة الأولى هي السرعة.

تنتج الحكومات يومياً كميات كبيرة من القرارات والتعليمات والمبادرات والتقارير. ولا يملك المواطن دائماً الوقت أو الخلفية اللازمة لقراءة الوثائق الرسمية الطويلة. يستطيع الذكاء الاصطناعي تحويل هذه المواد إلى محتوى أقصر وأوضح وتقديمه بالصورة التي تناسب قنوات الاتصال الرقمية.

الميزة الثانية هي الاستمرارية.

الناطق الرقمي لا يرتبط بساعات العمل. ومع تطوير النظام ليصبح تفاعلياً، يمكن أن ينتقل من نشر المعلومات إلى الإجابة عن استفسارات المواطنين على مدار الساعة. والحكومة أعلنت بالفعل أن حساب «فرح» يستهدف التعامل مع الأسئلة والاستفسارات المتعلقة بالقضايا التي تهم الجمهور.

الميزة الثالثة هي تعدد اللغات.

أعلنت الحكومة عن نسخة باللغة الإنجليزية لخدمة وسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية، مع إمكانية إضافة لغات أخرى لاحقاً. كما يمكن استخدام «فرح» في المحتوى المرتبط بالمؤتمرات الاستثمارية الدولية.

أما الفرصة الأكبر فتظهر في تخصيص المعلومة.

البيان الحكومي التقليدي يقدم الرسالة نفسها للجميع تقريباً. أما النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي فيستطيع، من الناحية التقنية، شرح القرار نفسه للطالب والمستثمر والمتقاعد وصاحب المنشأة والصحفي بصيغ مختلفة، مع الحفاظ على المصدر الرسمي نفسه.

لكن كلما ازدادت قدرة النظام على تفسير المعلومات وتخصيصها، ازدادت الحاجة إلى الحوكمة والمراجعة البشرية.

هل تجربة «فرح» فريدة عالمياً؟

وصفت الحكومة التجربة عند إطلاقها بأنها الأولى من نوعها في المنطقة والعالم. لكن المقارنة الدولية تشير إلى ضرورة التعامل مع مفهوم «الأولى» بدقة.

فكرة استخدام شخصية رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي في الاتصال الحكومي ظهرت في تجارب أخرى.

في أيار 2024، أطلقت وزارة الخارجية الأوكرانية «Victoria Shi»، وهي شخصية رقمية لتقديم معلومات وتصريحات رسمية تتعلق بالشؤون القنصلية. النص والموقف الرسمي يأتيان من الوزارة بينما تتولى الشخصية الرقمية تقديمهما.

وفي الإمارات ظهرت تجارب أخرى، من بينها «سعيد» في بلدية دبي، الذي يقدم الأخبار والمشروعات والخدمات، إلى جانب «زايد»، الناطق المدعوم بالذكاء الاصطناعي لمكتب الشؤون الدولية في ديوان الرئاسة.

لكن التجربة التي دفعت الفكرة إلى مستوى مختلف جاءت من ألبانيا.

من «فرح» الأردنية إلى «ديلا» الألبانية

بدأت «ديلا» Diella في كانون الثاني 2025 كمساعد افتراضي على منصة e-Albania لمساعدة المواطنين في الوصول إلى الخدمات العامة. وبحلول أيلول من العام نفسه سجلت، وفق الحكومة الألبانية، 972 ألف تفاعل، وحملت 36 ألف وثيقة صادرة حديثاً من المنصة ختمها الرقمي. ثم انتقلت إلى مستوى مختلف عندما قدمتها الحكومة بوصفها وزيرة دولة للذكاء الاصطناعي.

ولم يقتصر دورها المعلن على الاتصال الحكومي.

ربط رئيس الوزراء الألباني إيدي راما «ديلا» بالمشتريات والمناقصات العامة، وطرح استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة لزيادة الشفافية والحد من الفساد والتدخل البشري في عمليات التعاقد الحكومي. لكن ذلك يبقى هدفاً حكومياً معلناً، وليس دليلاً حتى الآن على أن الذكاء الاصطناعي ألغى الفساد في المشتريات العامة.

وهذا فرق جوهري.

«فرح» تمثل، في صورتها الحالية، الذكاء الاصطناعي الذي يتحدث باسم المؤسسة.

أما «ديلا» فتقدم تجربة تتجه نحو الذكاء الاصطناعي الذي يشارك في عمل المؤسسة.

حتى الملابس واللهجة تحملان رسالة

هناك جانب آخر في المقارنة بين «فرح» و«ديلا» يستحق الانتباه، وهو الطريقة التي اختارت بها كل دولة أن تمنح الشخصية الرقمية هوية.

تظهر «ديلا» باللباس الألباني التقليدي. وعندما ظهرت أمام البرلمان الألباني ظهرت كامرأة ترتدي زياً شعبياً ألبانياً، بما يربط الشخصية الرقمية بصرياً بالتراث والهوية الوطنية.

أما «فرح» فقد اتخذت اتجاهاً مختلفاً.

فهي لا تظهر بالثوب الأردني التقليدي أو بملابس تراثية. مظهرها أقرب إلى صورة المرأة المهنية المعاصرة في عمّان، أو ما يمكن وصفه اجتماعياً بلباس «عمّان الغربية». وفي الجانب اللغوي، تتحدث بأسلوب أردني عامي مبسط بدلاً من اللغة الرسمية الثقيلة، وهو ما يتفق مع هدف الحكومة المعلن في تقديم المعلومات بصورة مباشرة وسهلة. وتذكر تقارير أردنية أن المحتوى صُمم باللهجة الأردنية العامية المبسطة.

هنا تظهر فلسفتان مختلفتان في تصميم الهوية الرقمية.

«ديلا» تستدعي الماضي والتراث لتمنح التكنولوجيا هوية وطنية.

«فرح» تستدعي الحاضر الحضري الأردني لتجعل الشخصية أقرب إلى الاتصال اليومي المعاصر.

لكن هذا يفتح سؤالاً يستحق النقاش.

ما الشكل الذي ينبغي أن يتخذه «الوجه الرقمي» لدولة كاملة؟

هل ينبغي أن يمثل التراث؟

أم الشباب؟

أم المجتمع الحضري الحديث؟

أم يجب تصميم الشخصية بحيث تتجنب الارتباط بصورة اجتماعية أو جغرافية محددة؟

والسؤال نفسه ينطبق على اللهجة. فاللهجة الأردنية ليست صوتاً واحداً. هناك تنوع لغوي وجغرافي واجتماعي داخل المملكة. لذلك فإن اختيار ما يمكن تسميته «لهجة أردنية محايدة» قد يساعد على الوصول إلى جمهور واسع، لكنه يظل قراراً تصميمياً يحمل دلالات ثقافية واجتماعية.

وهذا يكشف نقطة مهمة في تصميم الشخصيات الحكومية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

نحن لا نصمم صوتاً وصورة فقط.

نحن نصمم تمثيلاً رقمياً للدولة.

من وزيرة واحدة إلى 83 مساعداً رقمياً

تطور المشروع الألباني أكثر عندما تحدث رئيس الوزراء إيدي راما عن أن «ديلا حامل بـ83 طفلاً».

المقصود لم يكن بالطبع حملاً حقيقياً، بل استخدم راما التعبير لوصف مشروع يقوم على إنشاء 83 مساعداً رقمياً لأعضاء البرلمان.

الفكرة هي أن يكون لكل عضو مساعد ذكاء اصطناعي يستطيع متابعة العمل البرلماني وتوفير المعلومات ومساعدة النائب في متابعة ما فاته من جلسات وتشريعات.

وهنا تتحول التجربة من شخصية رقمية واحدة إلى شبكة من المساعدين الرقميين داخل المؤسسة التشريعية.

ثلاث مراحل مختلفة

عند وضع هذه التجارب إلى جانب بعضها تظهر صورة أهم من السؤال حول من كان الأول.

يمكن النظر إليها بوصفها درجات متصاعدة من تفويض العمل للذكاء الاصطناعي.

الدرجة الأولى هي «الذكاء الاصطناعي الذي يقدم المعلومة».

وهذا ما نجده في الشخصيات الرقمية التي تعرض محتوى أعدته المؤسسة وراجعته مسبقاً.

الدرجة الثانية هي «الذكاء الاصطناعي الذي يتفاعل».

هنا لا يقرأ النظام بياناً فقط. يستقبل سؤال المواطن، ويبحث عن المعلومة المناسبة، ويصيغ الإجابة.

أما الدرجة الثالثة فهي «الذكاء الاصطناعي الذي يشارك في العمل الحكومي».

التجربة الألبانية تقترب من هذه المرحلة. فحين يدخل النظام في المشتريات العامة، أو يساعد النواب في تحليل الجلسات والتشريعات، فإن القضية لم تعد مجرد اتصال حكومي.

لقد بدأنا نتحدث عن تفويض وظائف للذكاء الاصطناعي.

وهنا يصبح السؤال أصعب

إذا أخطأت شخصية رقمية في قراءة بيان، يمكن تصحيح البيان.

لكن ماذا لو أخطأ نظام ذكاء اصطناعي في تفسير قرار حكومي؟

وماذا لو قدم للمواطن معلومات غير صحيحة عن حق أو التزام؟

وماذا لو أوصى باستبعاد شركة من مناقصة حكومية؟

وماذا لو قدم لمشرع تحليلاً غير دقيق لمشروع قانون؟

كل خطوة إضافية في التفويض تزيد الحاجة إلى المساءلة البشرية.

وهنا تظهر مفارقة مهمة.

كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على العمل باستقلالية، أصبح الحفاظ على دور الإنسان أكثر أهمية، وليس أقل.

المصداقية قد تكون التحدي الأكبر أمام «فرح»

هناك مشكلة أخرى مرتبطة بطبيعة الشخصية الرقمية نفسها.

التقنية التي تستطيع إنتاج «فرح» تستطيع أيضاً إنتاج نسخة مزيفة منها.

قد يظهر مقطع فيديو يبدو فيه الناطق الرقمي وكأنه يعلن قراراً حكومياً لم يصدر أصلاً.

وهنا لا يكفي أن نقول للمواطن «تابع الحساب الرسمي».

يجب أن تصبح إمكانية التحقق من مصدر كل رسالة جزءاً من تصميم النظام نفسه.

ومع انتشار التزييف العميق ستصبح عبارة «هل هذه فرح الحقيقية؟» سؤالاً أمنياً ومعلوماتياً، وليس مجرد سؤال عن وسائل التواصل الاجتماعي.

وجود الإنسان في الحلقة لا يكفي

الحل المعتاد لهذه المشكلات هو القول إن الإنسان سيبقى مسؤولاً عن المراجعة.

لكن وجود موظف بشري في العملية لا يعني بالضرورة وجود رقابة بشرية حقيقية.

تخيل أن الذكاء الاصطناعي أنتج إجابة عن قرار حكومي. قرأها الموظف بسرعة. بدت منطقية. ضغط «موافق».

كان الإنسان موجوداً.

لكن هل مارس حكماً بشرياً فعلياً؟

السؤال الصحيح هو ماذا فعل الإنسان؟

هل تحقق من المصدر؟

هل قارن الادعاء بالنص الرسمي؟

هل وضع حدوداً لما يسمح للنظام بفعله؟

هل تدخل عندما وجد خطأ؟

هل يستطيع رفض النشر؟

وهل يستطيع تفسير سبب قبوله للمعلومة؟

هذه الأسئلة ستصبح أكثر أهمية مع انتقال الحكومات من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي Agentic AI، الذي يستطيع تنفيذ سلسلة من المهام بدرجة أكبر من الاستقلالية.

الخصوصية تحد آخر

عندما تصبح «فرح» تفاعلية، سيبدأ المواطنون في التعامل معها كما يتعاملون مع أي مساعد ذكي.

وقد يكتب أحدهم اسمه ورقمه الوطني ومعلوماته المالية أو الصحية أو الأسرية داخل السؤال.

هنا يجب أن تكون الحدود واضحة.

ليس كل ما يستطيع النظام استقباله ينبغي السماح له باستقباله.

وليس كل سؤال يستطيع الذكاء الاصطناعي صياغة إجابة عنه ينبغي أن يجيب عنه.

يجب أن يعرف المواطن متى يتعامل مع نظام معلومات عام، ومتى يحتاج إلى الانتقال إلى قناة حكومية آمنة أو إلى موظف بشري.

الفرصة الأردنية

لهذا لا أعتقد أن القيمة الأساسية لتجربة «فرح» تكمن في إثبات أنها الأولى في العالم.

السؤال الأكثر أهمية هو ما النموذج الذي سيبنيه الأردن حولها.

يمكن أن تبقى «فرح» شخصية رقمية تقدم الأخبار.

ويمكن أن تصبح منصة اتصال حكومي ذكية تشرح القرارات، وتجيب عن الأسئلة العامة، وتعمل بلغات متعددة، وتربط كل إجابة بمصدرها، وتساعد الصحفي والمواطن والمستثمر في الوصول إلى المعلومة الحكومية.

وقد تتطور مستقبلاً إلى وكيل حكومي رقمي يؤدي بعض المهام.

لكن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يجب ألا تحدده القدرة التقنية وحدها.

يجب أن تحدده أيضاً قدرة الحكومة على ضمان الدقة والخصوصية والأمن والشفافية والمساءلة البشرية.

وهنا تقدم المقارنة بين الأردن وألبانيا وأوكرانيا والإمارات درساً مهماً.

السؤال لم يعد هل تستطيع الحكومات استخدام الذكاء الاصطناعي؟

فهي تستخدمه بالفعل.

ولم يعد السؤال هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتحدث باسم مؤسسة حكومية؟

فهذا يحدث أيضاً.

السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة هو مقدار السلطة التي يمكن أن نفوضها إلى الذكاء الاصطناعي، ومن يتحمل المسؤولية عندما يستخدم هذه السلطة.

«فرح» تفتح هذا النقاش في الأردن.

و«ديلا» تكشف إلى أين يمكن أن يصل.

لكن هناك سؤالاً يسبق الاثنين معاً.

عندما نصنع شخصية رقمية تتحدث باسم الدولة، من الذي نريد أن يراه المواطن ويسمعه فيها؟

فالمظهر واللهجة والصوت ليست مجرد تفاصيل تقنية.

إنها جزء من الطريقة التي تختار بها الدولة أن تقدم نفسها رقمياً لمواطنيها وللعالم.

أ.د أحمد غندور القرعان

أ.د أحمد غندور القرعان، أستاذ الأعمال الإلكترونية وباحث في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. حاصل على درجة الدكتوراه في علم المعلومات من جامعة أوتاغو في نيوزيلندا، ودرجة البكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من جامعة باث في المملكة المتحدة. يمتلك خبرة أكاديمية وتدريسية دولية في نيوزيلندا والإمارات والأردن. يعمل حالياً على تطوير “الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (IDDL)”، وهو إطار قائم على السلوك لتقييم وترخيص الكفاءة الرقمية في بيئات الذكاء الاصطناعي. تركز أبحاثه على محو الأمية الرقمية، الحوكمة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل. له العديد من الأبحاث والمقالات في مجالات التحول الرقمي، الأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، ويساهم بانتظام في النقاشات الفكرية حول مستقبل المواطنة الرقمية وبناء مجتمعات رقمية آمنة ومنتجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى