الذكاء الاصطناعيالرئيسيةخاصمقالات

اقتصاد الذكاء الاصطناعي.. من دعم الصناعة إلى التمكين

فخ "شركات الذكاء الاصطناعي": هل يجب أن ندعم الشركات المطورة أم ندعم الشركات المستخدمة؟

هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان

في السنوات القليلة الماضية، أصبح دعم الذكاء الاصطناعي بنداً ثابتاً في كثير من الاستراتيجيات الاقتصادية. نسمع عن صناديق لتمويل شركات الذكاء الاصطناعي، وحاضنات متخصصة، ومسرعات أعمال، ومناطق تكنولوجية تسعى إلى جذب الشركات التي تعمل في هذا المجال.

لكن ربما نطرح السؤال بطريقة غير صحيحة.

هل نحتاج فعلاً إلى دعم المزيد من “شركات الذكاء الاصطناعي”؟ أم أن الأثر الاقتصادي الأكبر سيأتي عندما نساعد كل شركة على أن تصبح شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي؟

الفرق بين السؤالين كبير

اقتصاد الذكاء الاصطناعي
اقتصاد الذكاء الاصطناعي
اقتصاد الذكاء الاصطناعي
اقتصاد الذكاء الاصطناعي

عندما نقول “شركة ذكاء اصطناعي”، نتخيل شركة تطور نموذجاً لغوياً، أو منصة تعلم آلي، أو نظام رؤية حاسوبية، أو تطبيقاً قائماً على الذكاء الاصطناعي. وهذه الشركات مهمة لأنها تبني جزءاً من البنية التكنولوجية للاقتصاد الجديد.

لكن الاقتصاد لا يتكون من شركات التكنولوجيا وحدها.

هناك بنك يريد تحسين تقييم المخاطر. ومستشفى يريد تقليل الوقت الذي يقضيه الأطباء في الأعمال الإدارية. وجامعة تريد تطوير التعليم والتقييم. ومصنع يريد التنبؤ بأعطال المعدات. وشركة اتصالات تريد تحسين تجربة العملاء. ومتجر صغير يريد إدارة مخزونه بصورة أفضل. وشركة لوجستية تريد تحسين مسارات التوصيل.

هذه المؤسسات لا تحتاج بالضرورة إلى أن تصبح “شركات ذكاء اصطناعي”.

تحتاج إلى أن تصبح شركات تعرف كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي.

وهنا تتغير فلسفة الدعم الاقتصادي.

بدلاً من أن نسأل رائد الأعمال “هل مشروعك في الذكاء الاصطناعي؟”، يمكن أن نسأله “كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع إنتاجية مشروعك؟”

وبدلاً من إنشاء مسرعة أعمال مخصصة فقط للشركات التي تطور منتجات AI، يمكن إنشاء برامج تساعد الشركات القائمة على إعادة تصميم عملياتها باستخدام AI.

وبدلاً من قياس نجاح السياسة بعدد شركات الذكاء الاصطناعي التي أُنشئت، يمكن قياسها بنسبة المؤسسات التي تبنت الذكاء الاصطناعي وحققت من خلاله تحسناً قابلاً للقياس في الإنتاجية أو التكلفة أو الجودة أو الابتكار.

هذه ليست مسألة تقنية فقط. إنها مسألة تتعلق بنموذج التنمية الاقتصادية نفسه.

مررنا بشيء مشابه مع الإنترنت

في بداية الاقتصاد الرقمي كان هناك حديث واسع عن “شركات الإنترنت. ثم فقد المصطلح كثيراً من معناه. البنك أصبح شركة رقمية. وشركة الطيران أصبحت شركة رقمية. والجامعة أصبحت مؤسسة رقمية. والمتجر أصبح منصة تجارة إلكترونية. لم يعد الإنترنت قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل أصبح جزءاً من طريقة عمل الاقتصاد.

قد يسلك الذكاء الاصطناعي المسار نفسه.

بعد سنوات، ربما يبدو تعبير “شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي” غريباً، لأن استخدامه سيصبح جزءاً طبيعياً من العمل، مثل استخدام الإنترنت والحوسبة السحابية والهواتف الذكية اليوم.

وهنا تظهر قضية مهمة للدول العربية.

إذا ركزنا معظم الموارد على محاولة إنشاء شركات تنافس OpenAI أو Google أو Anthropic أو غيرها في بناء النماذج الأساسية، فإننا ندخل سباقاً يحتاج إلى رأس مال ضخم، وقدرات حوسبية، وبيانات، ومواهب متخصصة، وبنية تحتية يصعب على معظم الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة منافستها.

لكن توجد فرصة أخرى أوسع.

يمكن للأردن، والإمارات، والسعودية، ودول المنطقة أن تسأل كيف نجعل شركات السياحة أكثر ذكاءً؟ كيف نرفع إنتاجية الشركات الصغيرة والمتوسطة؟ كيف تستخدم المصانع الذكاء الاصطناعي؟ كيف نطوره داخل البنوك والجامعات والمستشفيات والقطاع الحكومي؟ وكيف نبني حلولاً باللغة العربية تراعي احتياجات مجتمعاتنا وأسواقنا؟

عندها تنتقل المنافسة من سؤال “من يملك أكبر نموذج؟” إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالاقتصاد “من يستطيع تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة؟”

في سباق الذكاء الاصطناعي.. الكهرباء أهم من الخوارزمية

المال وحده لن يحقق ذلك

يمكنك أن تمنح شركة صغيرة اشتراكاً في أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن هذا لا يعني أنها أصبحت قادرة على استخدامها. تحتاج المؤسسة إلى موظفين يعرفون متى يستخدمون AI، وكيف يكتبون التعليمات المناسبة، وكيف يتحققون من المخرجات، وكيف يتعاملون مع البيانات، وكيف يكتشفون الأخطاء والتحيز، وكيف يحمون المعلومات، ومتى يرفضون توصية النظام.

لهذا ترتبط سياسة الذكاء الاصطناعي بسياسة تنمية رأس المال البشري.

نحن لا نحتاج فقط إلى مبرمجين يبنون الذكاء الاصطناعي. نحتاج إلى محاسبين يستخدمونه، ومدرسين يستخدمونه، وأطباء يستخدمونه، ومهندسين يستخدمونه، ومديرين يفهمون قدراته وحدوده، وموظفين يستطيعون العمل معه دون التخلي عن الحكم البشري والمسؤولية.

ومن هنا يمكن إعادة التفكير في برامج الدعم الحكومي وحاضنات الأعمال وصناديق الاستثمار.

يمكن أن يعمل الدعم على مسارين متكاملين.

المسار الأول يدعم الشركات التي تبني تقنيات ومنتجات وحلول الذكاء الاصطناعي.

أما المسار الثاني، وربما يكون الأوسع أثراً، فيدعم الشركات والمؤسسات في مختلف القطاعات لتبني الذكاء الاصطناعي بصورة منتجة ومسؤولة.

شركة زراعية تستخدم AI لتقليل استهلاك المياه تستحق الاهتمام. مصنع يستخدمه لتقليل الهدر يستحق الدعم. شركة صغيرة تستخدمه للوصول إلى أسواق جديدة تستحق الدعم. جامعة تعيد تصميم التعليم والتقييم حول التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي تستحق الاستثمار.

لأن القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي لن تأتي فقط ممن يصنعه.

ستأتي أيضاً، وربما بصورة أكبر، ممن يعرف كيف يستخدمه.

لذلك قد يكون السؤال الذي يجب أن يشغل واضعي السياسات الاقتصادية ليس “كم شركة ذكاء اصطناعي لدينا؟”

بل “كم شركة في اقتصادنا أصبحت أفضل بسبب الذكاء الاصطناعي؟”

والفرق بين السؤالين قد يحدد من سيستهلك ثورة الذكاء الاصطناعي، ومن سيحوّلها إلى إنتاجية وقدرة تنافسية ونمو اقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى