هاشتاق عربي – وصفي الصفدي
لم تعد نتائج التقييم الدولي للطلبة لعام 2025 مجرد أرقام جديدة تضاف إلى سجل الأردن التعليمي، بل أصبحت نقطة مناسبة لإعادة فتح واحد من أكثر الأسئلة إلحاحاً في مستقبل المملكة: هل نظامنا التعليمي يجهز أبناءنا للعالم الذي يعيشون فيه اليوم، أم للعالم الذي كان موجوداً عندما صُممت كثير من أساليبه ومناهجه؟
المحتويات
النتائج الجديدة تحمل خبراً إيجابياً لا ينبغي التقليل من أهميته.
فقد تحسن أداء الأردن مقارنة بنتائج عام 2022 في المجالات الثلاثة الأساسية؛ إذ ارتفع متوسط العلوم من 375 إلى 407 نقاط، والقراءة من 342 إلى 363 نقطة، والرياضيات من 361 إلى 388 نقطة. كما حقق الأردن 408 نقاط في مجال حل المشكلات في البيئة الرقمية. ورافق ذلك انخفاض في نسبة الطلبة ذوي الأداء المنخفض في المجالات الثلاثة.
لكن قراءة هذه الأرقام باعتبارها نهاية المشكلة ستكون خطأ.
فالتحسن مهم، لكنه لا يعني أن الفجوة أغلقت.
بل ربما يكون أكثر ما تكشفه نتائج 2025 هو أن الأردن نجح في تحسين بعض مخرجات النظام، لكنه يحتاج الآن إلى الانتقال من مرحلة تحسين التعليم إلى مرحلة إعادة تعريف التعليم نفسه.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
نقطة الانطلاق: التحسن ليس الهدف النهائي
أول ما يجب فعله هو الاعتراف بما تحقق.
التحسن في نتائج الأردن عام 2025 واسع نسبياً، وشمل العلوم والقراءة والرياضيات. كما أن نسبة الطلبة الذين وصلوا إلى المستوى الثاني أو أعلى بلغت 48% في العلوم، و31% في الرياضيات، و26% في القراءة.
لكن المقارنة مع متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تكشف حجم التحدي المتبقي؛ إذ بلغت النسب المقابلة نحو 74% في العلوم، و65% في الرياضيات، و69% في القراءة. كما أن نسبة الطلبة الأردنيين أصحاب الأداء المرتفع جداً ما تزال محدودة للغاية.
إذن نحن أمام صورتين في الوقت نفسه:
صورة أولى تقول إن التحسن ممكن.
وصورة ثانية تقول إن مستوى الطموح يجب أن يكون أكبر بكثير.
وهذا يقودنا إلى أول تحول في طريقة التفكير:
لا ينبغي أن يكون هدف السياسة التعليمية مجرد رفع متوسط الدرجات، بل بناء نظام قادر على رفع الحد الأدنى، وصناعة التميز في الوقت نفسه.
المرحلة الأولى من التحول: من علاج الفجوة إلى فهمها
خلال السنوات الماضية، انشغل النقاش التعليمي في الأردن كثيراً بسؤال الفجوة: فجوة بين المدرسة والجامعة، وفجوة بين التعليم وسوق العمل، وفجوة رقمية، وفجوة في المهارات.
لكن الفجوة اليوم لم تعد فجوة واحدة.
إنها شبكة من الفجوات المتداخلة:
- فجوة في القراءة والفهم.
- فجوة في الرياضيات والتفكير التحليلي.
- فجوة في العلوم.
- فجوة في المهارات الرقمية.
- فجوة بين التعليم وسوق العمل.
- فجوة بين سرعة التكنولوجيا وسرعة تحديث المناهج.
- فجوة بين امتلاك الأدوات الرقمية والقدرة على استخدامها بذكاء.
- وفجوة جديدة بدأت تظهر بين الإنسان الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي والإنسان الذي يعرف كيف يوجه الذكاء الاصطناعي ويقيّم مخرجاته ويعمل معه.
وهذه النقطة الأخيرة مهمة جداً.
فالعالم لم يعد ينتقل فقط من التعليم التقليدي إلى التعليم الرقمي.
بل ينتقل من التعلم باستخدام التكنولوجيا إلى التعلم والعمل بالشراكة مع أنظمة ذكية.
وهنا يصبح إصلاح الفجوة القديمة شرطاً للانتقال إلى المرحلة الجديدة.
من الفجوة الرقمية إلى إعادة تصور التعليم
في عام 2024، طرحت في مقال «سد الفجوة: إعادة تصور التعليم من خلال العوالم الرقمية» سؤالاً يتجاوز شكل المدرسة وأدواتها: هل ما يتعلمه الطفل اليوم يرتبط فعلاً بما يريد أن يصبح عليه غداً؟
وكانت الفكرة الأساسية أن التعليم لم يعد قادراً على الاكتفاء بالنموذج الموحد الذي يقدم المحتوى نفسه، بالطريقة نفسها، لجميع الطلبة، ثم يقيس قدرتهم على استرجاعه.
اليوم، وبعد نتائج 2025، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.
فالمدرسة المستقبلية لا ينبغي أن تكون مجرد مكان أفضل لتقديم المنهج القديم.
بل يجب أن تكون منظومة لاكتشاف قدرات الطالب، وبناء مهاراته، وتوجيه اهتماماته، وتعليمه كيف يتعلم، وكيف يفكر، وكيف يحل المشكلات، وكيف يعمل مع الآخرين ومع التكنولوجيا.
وقد أشرت في ذلك المقال إلى إمكانات الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز، وإنترنت الأشياء، والتعلم الشخصي، والبيئات التعليمية الغامرة.
لم تكن الفكرة أن التكنولوجيا هي الحل.
بل أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة لإعادة تصميم الحل نفسه.
وهنا نصل إلى المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية من التحول: من «ماذا نُدرّس؟» إلى «ماذا نريد أن يستطيع الطالب أن يفعل؟»
هذه ربما تكون أهم نقطة في إعادة بناء التعليم.
المنهج التقليدي يسأل:
ماذا يجب أن يعرف الطالب؟
أما التعليم الذي يحتاجه المستقبل فيجب أن يسأل:
ماذا يجب أن يستطيع الطالب أن يفعل بهذه المعرفة؟
الفرق بين السؤالين جوهري.
فالمعرفة ستظل مهمة، بل ستصبح أكثر أهمية، لكنها لم تعد كافية.
الطالب يحتاج إلى أن يعرف، ويفهم، ويحلل، ويشكك، ويجرب، ويستنتج، ويتعاون، ويبتكر، ويتعامل مع البيانات، ويستخدم التكنولوجيا، ويعرف متى يثق بالمعلومة ومتى يشك فيها.
وهنا تكتسب نتائج القراءة والرياضيات والعلوم معنى أعمق.
فالقراءة ليست مادة مدرسية فقط؛ إنها القدرة على فهم العالم.
والرياضيات ليست مجموعة عمليات حسابية؛ إنها أساس التفكير المنطقي وتحليل البيانات.
والعلوم ليست معلومات عن الطبيعة؛ إنها طريقة لفهم الظواهر واختبار الفرضيات وبناء الأدلة.
لذلك فإن تحسين هذه المجالات الثلاثة ليس هدفاً مدرسياً ضيقاً.
إنه استثمار في القدرة العقلية للمجتمع بأكمله.
المرحلة الثالثة من التحول: من المهارات الرقمية إلى الذكاء الرقمي
لسنوات طويلة كان الحديث عن المهارات الرقمية يعني قدرة الطالب أو الموظف على استخدام الحاسوب والبرامج والمنصات.
لكن هذا التعريف أصبح قديماً.
الجيل الجديد يحتاج إلى مستوى مختلف من الثقافة الرقمية.
يحتاج إلى أن يعرف:
- كيف يبحث عن المعلومات.
- كيف يتحقق من صحتها.
- كيف يحمي خصوصيته.
- كيف يتعامل مع البيانات.
- كيف يفهم الخوارزميات.
- كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي.
- كيف يكتشف الأخطاء والانحيازات في مخرجاته.
- وكيف يحافظ على قدرته على التفكير المستقل في عالم تستطيع فيه الآلة إنتاج إجابة خلال ثوانٍ.
وقد تناولت جانباً من هذه القضية في مقال «السفاهة الرقمية وثقافة الترند»، عندما ناقشت كيف غيرت البيئة الرقمية طريقة انتشار المعلومات، وكيف أصبح التفكير النقدي والتحقق من المعلومات ضرورة اجتماعية وتعليمية، وليس مجرد مهارة إضافية.
وهنا تظهر مسؤولية المدرسة من جديد.
فلا يكفي أن نعطي الطالب جهازاً.
علينا أن نعلمه كيف يفكر عندما يستخدم الجهاز.
المرحلة الرابعة من التحول: من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى التعلم معه
نتائج 2025 تكشف أن الذكاء الاصطناعي دخل بالفعل إلى حياة الطلبة.
فنحو 41% من الطلبة الأردنيين أفادوا باستخدام روبوتات المحادثة الذكية مرة واحدة على الأقل أسبوعياً للمساعدة في التعلم، وهي نسبة قريبة من المتوسط في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وهذه الحقيقة تفرض علينا التخلي عن سؤال:
هل نسمح للطلبة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
والانتقال إلى سؤال أكثر نضجاً:
كيف نعلم الطلبة استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تجعلهم أكثر قدرة، لا أقل قدرة؟
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب ويختصر ويشرح ويترجم ويحلل ويقترح.
لكن الطالب يجب أن يتعلم كيف:
يسأل، ويتحقق، ويقارن، وينقد، ويعيد الصياغة، ويستنتج، ويتحمل مسؤولية النتيجة.
وقد بدأت هذه الفكرة في سلسلة من المقالات التي تناولت فيها التحول من التكنولوجيا كأداة إلى التكنولوجيا كشريك في العمل.
ففي مقال «إلى أين يقودنا الذكاء الاصطناعي؟» عام 2023، تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي في التعليم والتدريب والوظائف، ومخاطر الاعتماد المفرط عليه، وأهمية تنظيم استخدامه.
واليوم، لم يعد هذا النقاش مستقبلياً.
لقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى الفصل الدراسي بالفعل.
المرحلة الخامسة من التحول: من الطالب المستخدم إلى الطالب القادر على العمل مع الآلة
هذا هو التحول الأكثر أهمية في رأيي.
الوظائف القادمة لن تكون ببساطة وظائف «تقنية» وأخرى «غير تقنية».
التكنولوجيا ستدخل تقريباً في معظم المهن.
الطبيب سيعمل مع أنظمة ذكية.
المهندس سيعمل مع أدوات تصميم وتحليل متقدمة.
المحاسب سيعمل مع أنظمة تحليل وتنبؤ.
المحامي سيعمل مع أنظمة بحث وتحليل نصوص.
المعلم سيعمل مع أنظمة تعليم شخصية.
المزارع سيعمل مع أنظمة استشعار وتحليل.
والمدير سيعمل مع أنظمة تساعده في اتخاذ القرار.
لذلك فإن التخصصات المستقبلية لن تعتمد فقط على ماذا تعرف، بل على كيف تستخدم المعرفة والتكنولوجيا معاً لإنتاج قيمة جديدة.
المرحلة السادسة من التحول: إعادة رسم خريطة التخصصات
إذا أردنا فعلاً إعادة تصور التعليم، فلا بد أن نعيد النظر أيضاً في مفهوم «التخصص الجامعي».
العالم يتجه إلى نمو الطلب على مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني والطاقة المتجددة والهندسة البيئية والبرمجيات والأنظمة الذكية، إلى جانب مجالات إنسانية وصحية وتعليمية ستظل ضرورية ولكنها ستتغير طريقة ممارستها.
وتشير تقارير سوق العمل العالمية إلى تغير سريع في المهارات المطلوبة، مع توقع تغير نسبة كبيرة من المهارات المستخدمة في الوظائف بحلول عام 2030، وارتفاع الطلب على الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني، إلى جانب التفكير الإبداعي والمرونة والتعاون والقيادة.
لكن الخطأ سيكون في تحويل ذلك إلى سباق لإنتاج أكبر عدد ممكن من خريجي التخصصات التقنية.
المطلوب ليس أن يصبح الجميع مبرمجين.
المطلوب أن يصبح كل إنسان قادراً على العمل في اقتصاد تستخدم فيه البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي في معظم القطاعات.
وهذا فرق جوهري.
المرحلة السابعة من التحول: من «تخصص» إلى «قدرات مركبة»
التخصصات المستقبلية ستحتاج إلى مزيج من القدرات.
قد نحتاج إلى طبيب يفهم تحليل البيانات.
ومهندس يفهم الاقتصاد والاستدامة.
ومختص أعمال يفهم الذكاء الاصطناعي.
ومعلم يفهم علم البيانات والتعلم الشخصي.
ومختص أمن سيبراني يفهم القانون والأخلاقيات.
وهنا يجب أن تنتقل الجامعات من نموذج الأقسام المنفصلة إلى نموذج أكثر مرونة يسمح للطالب ببناء مسار معرفي مركب.
التخصص وحده لم يعد كافياً.
المستقبل ينتمي إلى من يستطيع الربط بين تخصصات متعددة.
المرحلة الثامنة من التحول: إعادة تعريف دور المعلم
إذا كانت التكنولوجيا تتغير، فإن أهم عنصر في النظام التعليمي سيظل الإنسان.
لكن دور المعلم يجب أن يتغير.
المعلم لم يعد المصدر الوحيد للمعلومة.
ولن يستطيع منافسة محركات البحث أو أدوات الذكاء الاصطناعي في سرعة الوصول إلى المعلومات.
لكن هذه ليست خسارة.
بل فرصة لإعادة تعريف دوره.
المعلم المستقبلي سيكون:
- مصمماً لتجربة التعلم.
- موجهاً للطالب.
- مدرباً على التفكير.
- مقيّماً لجودة المعرفة.
- مكتشفاً للمواهب.
- داعماً للتعلم الاجتماعي والعاطفي.
- ومشرفاً على الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
وتعطي نتائج الأردن في 2025 إشارة إيجابية هنا؛ إذ أفاد 85% من الطلبة بأن المعلم يظهر اهتماماً بتعلم كل طالب، وقال 86% إن المعلم يستمر حتى يفهم الطلبة، فيما قال 87% إن المعلم يقدم مساعدة إضافية عند الحاجة. وهذه النسب أعلى من متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
هذه نقطة قوة يجب البناء عليها، لا تجاوزها.
المرحلة التاسعة من التحول: المدرسة كبيئة تعلم لا كمبنى
إذا كانت التكنولوجيا تستطيع توفير المعرفة في أي مكان، فإن قيمة المدرسة ستنتقل إلى شيء آخر.
المدرسة ستكون المكان الذي يتعلم فيه الطالب:
كيف يفكر مع الآخرين.
كيف يحل مشكلة حقيقية.
كيف يقود مشروعاً.
كيف يختلف باحترام.
كيف يفشل ويتعلم.
كيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يصبح تابعاً لها.
وهذا يعني أن البيئة المدرسية نفسها يجب أن تتغير.
نتائج 2025 تشير إلى أن المناخ الصفي ما يزال تحدياً؛ إذ أفاد 32% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيداً في معظم الدروس أو كلها، كما أشار 40% إلى أن الضوضاء والفوضى تؤثر في معظم دروس العلوم أو جميعها.
إذن لا يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي والتعليم المستقبلي بينما ما زلنا نواجه مشكلات أساسية في البيئة التي يحدث فيها التعلم.
التحول الرقمي لا يمكن أن يعوض ضعف البيئة التعليمية.
بل يجب أن يبدأ بإصلاحها.
المرحلة العاشرة من التحول: من التعليم الرقمي إلى التعليم الذكي
هنا نصل إلى الصورة الأكبر.
التعليم الرقمي يعني استخدام التكنولوجيا في التعليم.
أما التعليم الذكي فيعني إعادة تصميم النظام نفسه بحيث تصبح البيانات والتقنيات الذكية جزءاً من طريقة اكتشاف احتياجات الطالب، وتصميم المحتوى، وتقييم التقدم، وتوجيه المعلم، واتخاذ القرار.
وهذا هو الفارق بين:
رقمنة النظام القديم و إعادة بناء النظام ليعمل بطريقة جديدة.
وقد ناقشت هذا النوع من التحول في سلسلة مقالاتي الأخيرة حول الذكاء الاصطناعي والمؤسسات.
في مقال «ماذا تحتاج المؤسسات من الذكاء الاصطناعي؟» أكدت أن المؤسسات لا تحتاج ببساطة إلى شراء المزيد من الأدوات، بل إلى بناء البيانات والحوكمة والثقافة والقدرات البشرية التي تجعل التكنولوجيا ذات قيمة.
والفكرة نفسها تنطبق على التعليم.
المدرسة لا تحتاج إلى المزيد من الأجهزة فقط.
إنها تحتاج إلى بناء القدرة المؤسسية على استخدام التكنولوجيا لتحسين التعلم.
المرحلة الحادية عشرة من التحول: من المدرسة الذكية إلى الإنسان الذكي
هنا يجب أن نكون حذرين.
قد يكون من السهل أن ننخدع بمظهر التعليم المستقبلي:
شاشات، أجهزة، روبوتات، واقع افتراضي، منصات، ذكاء اصطناعي.
لكن كل ذلك لا يعني بالضرورة تعليماً أفضل.
السؤال الحقيقي هو:
هل أصبح الإنسان أفضل قدرة على التفكير؟
هل أصبح أكثر فضولاً؟
هل أصبح أكثر قدرة على التحقق؟
هل يستطيع التعامل مع مشكلة لم يواجهها من قبل؟
هل يستطيع العمل مع شخص مختلف عنه؟
هل يستطيع استخدام التكنولوجيا دون أن يفقد استقلاله الفكري؟
هذه الأسئلة أهم من عدد الأجهزة الموجودة في المدرسة.
المرحلة الثانية عشرة من التحول: من التعليم إلى استراتيجية وطنية لرأس المال البشري
عند هذه النقطة، يصبح من الخطأ النظر إلى التعليم باعتباره ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد.
إذا كانت الوظائف تتغير، فإن التعليم يجب أن يتغير.
وإذا كانت الصناعة تتغير، فإن التعليم يجب أن يتغير.
وإذا كانت الدولة تتجه نحو الاقتصاد الرقمي، فإن التعليم يجب أن يكون جزءاً من هذه الاستراتيجية.
ولهذا يجب أن تصبح العلاقة بين:
المدرسة ← التعليم المهني ← الجامعة ← التدريب المستمر ← سوق العمل
مساراً متصلاً، وليس مجموعة جزر منفصلة.
فالشاب يجب ألا يضطر إلى الانتظار حتى يتخرج من الجامعة ليكتشف أن المهارات التي يحتاجها سوق العمل مختلفة عما تعلمه.
والجامعة يجب ألا تعمل بمعزل عن احتياجات الاقتصاد.
والتعليم المهني يجب ألا ينظر إليه باعتباره مساراً أدنى.
والتعلم لا ينبغي أن يتوقف عند سن معينة.
المرحلة الثالثة عشرة من التحول: التعلم مدى الحياة
ربما يكون هذا هو التغيير الأكبر الذي يفرضه المستقبل.
في الماضي كان يمكن أن يتعلم الإنسان تخصصاً، ويتخرج، ويعمل به لعقود.
أما اليوم، فإن المهارات نفسها تتغير بسرعة.
لذلك يجب أن ننتقل من مفهوم:
«التعليم حتى التخرج» إلى «التعلم طوال الحياة».
وهذا يعني أن الجامعات والمدارس ومؤسسات التدريب والشركات يجب أن تصبح أجزاء من منظومة تعليمية واحدة.
ويجب أن يتمكن الفرد من العودة إلى التعلم، وتحديث مهاراته، والانتقال بين المهن، واكتساب مهارات جديدة دون أن يبدأ حياته التعليمية من الصفر كل مرة.
المرحلة الرابعة عشرة من التحول: الإنسان أولاً في عصر الوكلاء الأذكياء
المشهد القادم أكثر تعقيداً.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تجيب عن الأسئلة.
نحن ندخل مرحلة الأنظمة التي تستطيع تنفيذ المهام، وتحليل المعلومات، والتخطيط، والتفاعل مع الأنظمة الأخرى، والعمل بدرجة متزايدة من الاستقلالية.
وقد ناقشت هذا التحول في مقال «عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي والاستقلال الذاتي» عن الانتقال من الآلة كأداة إلى الأنظمة الذكية كشريك فاعل، وعن ضرورة إبقاء الإنسان في موقع الإشراف والتوجيه والمساءلة.
وهذه القضية يجب أن تبدأ في المدرسة.
فإذا كان الطالب سيتعامل مستقبلاً مع أنظمة ذكية قادرة على التفكير والتحليل والتنفيذ، فلا يكفي أن نعلمه كيف يستخدمها.
علينا أن نعلمه كيف يقودها.
الخريج الجامعي في زمن الذكاء الاصطناعي: عندما لا تعود الإجابة الصحيحة دليلاً على الكفاءة
المرحلة الخامسة عشرة من التحول: من قيادة التكنولوجيا إلى السيادة عليها
ومع اتساع الاعتماد على البيانات والمنصات والأنظمة الذكية، يظهر سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الدولة نفسها:
من يمتلك البيانات؟
من يملك البنية التحتية؟
من يمتلك المعرفة؟
من يستطيع تطوير الأنظمة؟
ومن يستطيع فهمها ومراجعتها والسيطرة عليها؟
ناقشت هذه القضية في مقال «السيادة الرقمية: المعركة الجديدة في عصر الذكاء الاصطناعي» باعتبار أن القدرات البشرية هي الأساس، وأن بناء المؤسسات الذكية يجب أن يتبعه بناء قدرة وطنية على التحكم في البنية الرقمية والتكنولوجية.
وهنا يعود التعليم إلى قلب المسألة.
لا يمكن لدولة أن تحقق سيادة رقمية إذا لم تمتلك جيلاً قادراً على فهم التكنولوجيا وبنائها وإدارتها.
إذن، كيف يجب أن يبدو خط سير التحول الأردني؟
إذا أردنا اختصار كل ما سبق في مسار عملي، فإن التحول المطلوب لا ينبغي أن يكون مجموعة مشاريع منفصلة.
بل خط سير متكامل:
البداية: تثبيت الأساس
رفع مستويات القراءة والرياضيات والعلوم، ومعالجة ضعف الأداء الأساسي.
ثم: بناء الطالب المتعلم
الانتقال من حفظ المعرفة إلى الفهم والتحليل وحل المشكلات والتفكير النقدي.
ثم: بناء الإنسان الرقمي
تعليم الثقافة الرقمية، وأمن المعلومات، والتحقق من المعلومات، والتعامل المسؤول مع التكنولوجيا.
ثم: إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التعلم
ليس باعتباره بديلاً عن الطالب أو المعلم، بل باعتباره أداة للتعلم الشخصي والتجريب والتحليل، مع تعليم الطلبة كيفية تقييم مخرجاته.
ثم: إعادة تصميم المناهج
تقليل التركيز على تراكم المحتوى، وزيادة التركيز على المهارات والقدرات والمشروعات والتطبيق.
ثم: إعادة تعريف دور المعلم
من ناقل للمعلومة إلى مصمم للتعلم، وموجه، ومدرب على التفكير، ومكتشف للمواهب.
ثم: ربط التعليم بالاقتصاد
إنشاء مسارات حقيقية بين المدرسة والجامعة والتعليم المهني والقطاعات الاقتصادية.
ثم: بناء تخصصات مركبة
الجمع بين المعرفة التخصصية والبيانات والذكاء الاصطناعي والمهارات الإنسانية.
ثم: الانتقال إلى التعلم مدى الحياة
إتاحة إعادة التأهيل والتدريب المستمر والانتقال بين المهن.
والغاية النهائية:
إنسان أردني قادر على التعلم والتكيف والعمل مع التكنولوجيا، وقادر في الوقت نفسه على قيادتها وتوجيهها وتحمل مسؤولية استخدامها.
هذا هو خط السير.
وليس مجرد قائمة إصلاحات.
ماذا نحتاج أن نفعل الآن؟
يمكن تحويل هذا التصور إلى خمس أولويات وطنية مباشرة:
أولاً: بناء خط أساس وطني للمهارات
لا يكفي قياس التحصيل الدراسي.
يجب أن نقيس أيضاً القراءة الوظيفية، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والثقافة الرقمية، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي، والمهارات الاجتماعية.
ثانياً: إعادة تصميم المناهج حول القدرات
يجب أن يصبح السؤال المركزي في كل مادة:
ما القدرة التي نريد بناءها لدى الطالب؟
وليس فقط:
ما المحتوى الذي يجب أن ينهيه؟
ثالثاً: تحويل المعلم إلى محور التحول
أي إصلاح تعليمي لا يبدأ بالمعلم سينتهي إلى نتائج محدودة.
لذلك يجب الاستثمار في التدريب المستمر، وتخفيف الأعباء غير التعليمية، وتوفير أدوات التحليل والتعلم الشخصي، وبناء مجتمعات تعلم مهنية للمعلمين.
رابعاً: إنشاء مسارات مرنة بين التعليم وسوق العمل
يجب أن يتمكن الطالب من الانتقال بين التعليم الأكاديمي والمهني والتقني، واكتساب شهادات ومهارات متخصصة دون أن تكون الخيارات التعليمية مغلقة أمامه منذ سن مبكرة.
خامساً: بناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي في التعليم
ليس المطلوب شراء منصة واحدة.
بل بناء منظومة تشمل:
البيانات، والخصوصية، والحوكمة، وتدريب المعلمين، والمحتوى، والتقييم، والأدوات الذكية، وأمن المعلومات، ومهارات الطلبة.
من سد الفجوة إلى إعادة تعريف التعليم
عندما ننظر إلى سلسلة الأفكار التي تناولتها في مقالات سابقة، يمكن أن نرى أن السؤال نفسه كان يتحرك تدريجياً.
بدأنا من الفجوة التعليمية والرقمية.
ثم انتقلنا إلى الذكاء الاصطناعي وتأثيره في التعليم والعمل.
ثم إلى الثقافة الرقمية والتفكير النقدي.
ثم إلى الإنسان والآلة والوكلاء الأذكياء.
ثم إلى المؤسسات الذكية.
ثم إلى السيادة الرقمية.
والآن تعود كل هذه الأسئلة إلى نقطة واحدة:
كيف نُعد الإنسان؟
فالتكنولوجيا تتغير.
والوظائف تتغير.
والمؤسسات تتغير.
وحتى طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة تتغير.
لكن الإنسان سيظل نقطة البداية.
ولهذا فإن نتائج التقييم الدولي للطلبة لعام 2025 يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها شهادة على تحسن أو تراجع في درجات الطلبة.
يجب أن تُقرأ باعتبارها مرآة للنظام الذي نبنيه اليوم، وإشارة إلى النظام الذي يجب أن نبنيه غداً.
الأردن حقق تحسناً يستحق التقدير.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ الآن.
لأننا إذا اكتفينا بتحسين النموذج القديم، فقد نصل إلى تعليم أفضل للماضي.
أما إذا أعدنا تصميم التعليم حول الإنسان، والمهارات، والتفكير، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والتعلم المستمر، فقد نبني تعليماً قادراً على مواجهة المستقبل.
وهنا يكمن الفرق بين إصلاح التعليم وإعادة تعريف التعليم.
الأول يجعل النظام الحالي أفضل.
أما الثاني فيسأل:
هل النظام الذي نحاول تحسينه هو أصلاً النظام الذي نحتاجه للمستقبل؟
ربما تكون نتائج 2025 هي اللحظة المناسبة لطرح هذا السؤال بكل وضوح.
فالهدف في النهاية ليس أن ننتج طالباً يعرف الإجابة الصحيحة في الاختبار.
بل أن ننتج إنساناً يعرف كيف يتعلم، وكيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يميز الحقيقة، وكيف يحل المشكلة، وكيف يتعامل مع الآلة، وكيف يصنع قيمة في عالم لا يمكننا اليوم أن نتنبأ بكل ملامحه.
وهذا، في رأيي، هو التعليم الذي يستحقه الأردن.



