الذكاء الاصطناعيالرئيسيةخاصمحلي

في سباق الذكاء الاصطناعي.. الكهرباء أهم من الخوارزمية

امتلاك جزء من البنية التحتية التي يقوم عليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي يخلق قيمة اقتصادية مختلفة

هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان

عندما نتحدث عن سباق الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار عادة إلى الخوارزميات والنماذج والشركات التي تطورها. نسأل من يمتلك النموذج الأقوى، ومن يطور النموذج العربي، ومن سينافس ChatGPT وGemini وغيرهما. لكن خلف هذه المنافسة التقنية تجري منافسة أخرى قد تكون أكثر أهمية خلال السنوات القادمة، وهي المنافسة على الكهرباء والحوسبة ومراكز البيانات.

الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ. كل سؤال نوجهه إلى نموذج ذكاء اصطناعي، وكل صورة أو فيديو يتم توليده، وكل نموذج يتم تدريبه، يحتاج إلى مراكز بيانات ومعالجات متخصصة وشبكات واتصالات وأنظمة تبريد، وقبل ذلك كله يحتاج إلى الكهرباء.

وهنا تبدأ القصة الاقتصادية الحقيقية.
تشير تقديرات PwC المنشورة في سبتمبر 2026 إلى أن الإنفاق الرأسمالي التراكمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عالمياً قد يصل إلى 31.6 تريليون دولار حتى عام 2050. كما تتوقع أن يرتفع الإنفاق الرأسمالي السنوي على مراكز البيانات من نحو 800 مليار دولار في 2026 إلى نحو 1.8 تريليون دولار بحلول 2050.

هذه الأرقام تعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد صناعة برمجيات فقط. لقد أصبح صناعة بنية تحتية.

تحول يغير قواعد المنافسة

خلال العقود الماضية كان الموقع الجغرافي لشركة البرمجيات أقل أهمية من موقع مصنع السيارات أو مصنع الحديد. يستطيع المطور كتابة البرنامج من أي مكان تقريباً وتوزيعه عبر الإنترنت. أما الذكاء الاصطناعي واسع النطاق فيعيد جزءاً من الاقتصاد الرقمي إلى العالم المادي. مراكز البيانات تحتاج إلى أرض وطاقة وشبكات تبريد واتصالات واستثمارات رأسمالية ضخمة.

لذلك قد لا يكون السؤال الأهم في المستقبل من يمتلك أفضل خوارزمية فقط، بل أين يمكن تشغيل ملايين المعالجات التي تحتاجها هذه الخوارزميات، ومن يستطيع توفير الطاقة لها بسعر مناسب وبموثوقية عالية.

وهنا تظهر فرصة مهمة أمام المنطقة العربية، وبخاصة دول الخليج.
تمتلك دول الخليج ثلاثة عناصر يصعب تجاهلها في الاقتصاد الجديد، وهي الطاقة ورأس المال والموقع الجغرافي الذي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. وإذا أضيفت إليها شبكات الاتصالات ومراكز البيانات والاستثمارات الحالية في الحوسبة والذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتحول المنطقة من مستهلك للتكنولوجيا إلى جزء من البنية التحتية العالمية التي تقوم عليها هذه التكنولوجيا.

ما يحدث في السعودية يقدم مثالاً واضحاً. الاستثمارات المرتبطة بشركة HUMAIN ومشروعات مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة تشير إلى أن الرهان لا يقتصر على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي. هناك محاولة لبناء القدرة الحاسوبية التي تحتاجها هذه التطبيقات أصلاً.

فرق استراتيجي

يمكن للدولة أن تشتري خدمات الذكاء الاصطناعي من الخارج، ويمكن للشركات أن تشترك في النماذج العالمية، لكن امتلاك جزء من البنية التحتية التي يقوم عليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي يخلق قيمة اقتصادية مختلفة. فهو يجذب الاستثمارات، ويدعم الخدمات السحابية، ويوفر قاعدة للصناعات الرقمية، ويزيد من أهمية الدولة في سلاسل القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

لكن المسألة ليست بهذه البساطة.
التوسع في مراكز البيانات يضع ضغوطاً على شبكات الكهرباء والمياه والأراضي. والولايات المتحدة بدأت تقدم مثالاً على الجانب الآخر من هذه المعادلة. ففي تكساس ظهرت مخاوف من الطلبات الضخمة التي تتقدم بها مشروعات مراكز البيانات للحصول على الكهرباء، بينما بدأ السكان والجهات التنظيمية يطرحون أسئلة حول تكلفة توسيع الشبكات، ومن يتحملها، وما إذا كانت الوظائف والعوائد الاقتصادية المحلية تبرر هذه الاستثمارات.

وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة.
ليس كل مركز بيانات مكسباً اقتصادياً تلقائياً.

يجب أن تسأل الحكومات عن مقدار القيمة المحلية التي سيخلقها المشروع، وعدد الوظائف التي سيولدها، وحجم المعرفة التي سينقلها، وتأثيره على شبكة الكهرباء، واستهلاكه للمياه، وعلاقته بالجامعات والشركات المحلية، وما إذا كان سيبني صناعة رقمية حوله أم سيكتفي باستهلاك الموارد المحلية لتقديم خدمات إلى أسواق أخرى.

من هنا يجب أن تتغير أيضاً طريقة التفكير في الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي.

لا يكفي أن تتضمن الاستراتيجية تدريب الكفاءات أو تشجيع الشركات الناشئة أو تبني الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الحكومية. يجب أن تشمل سؤالاً أكثر صعوبة، وهو ما القدرة الحاسوبية التي تحتاجها الدولة خلال السنوات العشر القادمة، ومن أين ستأتي الكهرباء اللازمة لها، وما موقع مراكز البيانات في السياسة الاقتصادية والطاقة والاتصالات؟

سؤال لا يخص دول الخليج وحدها

بالنسبة إلى الأردن، على سبيل المثال، لا تعني المنافسة محاولة بناء مراكز بيانات عملاقة بحجم المشروعات الخليجية. المطلوب تحديد المكان الذي يستطيع الأردن أن يحتله في سلسلة القيمة. قد يكون ذلك في البرمجيات والخدمات الرقمية والأمن السيبراني والبحث والتطوير والكفاءات البشرية والتطبيقات المتخصصة وربط الأسواق الإقليمية.

فالاستراتيجية الرقمية الناجحة لا تعني أن تقوم كل دولة بكل شيء.
إنها تعني أن تعرف الدولة أين تستطيع خلق قيمة.

وخلال السنوات القادمة سنسمع كثيراً عن نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قدرة وعن معالجات أسرع وعن شركات جديدة تدخل السوق. لكن خلف هذه الأخبار ستجري منافسة أقل ظهوراً على الكهرباء والأراضي ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات والمياه ورأس المال.

وقد نكتشف أن إحدى أهم الموارد في عصر الذكاء الاصطناعي لم تكن خوارزمية جديدة.

كانت الكهرباء.

أ.د أحمد غندور القرعان

أ.د أحمد غندور القرعان، أستاذ الأعمال الإلكترونية وباحث في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. حاصل على درجة الدكتوراه في علم المعلومات من جامعة أوتاغو في نيوزيلندا، ودرجة البكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من جامعة باث في المملكة المتحدة. يمتلك خبرة أكاديمية وتدريسية دولية في نيوزيلندا والإمارات والأردن. يعمل حالياً على تطوير “الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (IDDL)”، وهو إطار قائم على السلوك لتقييم وترخيص الكفاءة الرقمية في بيئات الذكاء الاصطناعي. تركز أبحاثه على محو الأمية الرقمية، الحوكمة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل. له العديد من الأبحاث والمقالات في مجالات التحول الرقمي، الأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، ويساهم بانتظام في النقاشات الفكرية حول مستقبل المواطنة الرقمية وبناء مجتمعات رقمية آمنة ومنتجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى