هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
ماذا يحدث عندما يصبح الذكاء الاصطناعي متاحاً لملايين الناس كما أصبح الإنترنت والهاتف الذكي متاحين من قبل؟ وهل تكفي إتاحة الأداة لكي نصبح مجتمعاً قادراً على الاستفادة منها؟
المحتويات
تجربة جديدة في السعودية تجعل هذا السؤال أقرب إلى الواقع. فقد أعلنت Adobe بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وشركة HUMAIN التابعة لصندوق الاستثمارات العامة عن برنامج يتيح لأكثر من 27 مليون مواطن ومقيم مؤهل في المملكة، ممن تبلغ أعمارهم 13 عاماً فأكثر، استخدام Adobe Firefly Standard وميزات Adobe Express Premium مجاناً لمدة 12 شهراً. وقدرت Adobe قيمة الإتاحة ضمن الشراكة بأكثر من أربعة مليارات دولار.
ولا تقف المبادرة عند توفير حسابات مجانية. سيحصل المستخدم على 2000 رصيد توليدي شهرياً، كما تتضمن الشراكة نموذج HUMAIN Image 1 المصمم للتعامل مع السياق الثقافي السعودي ودعم الأوامر باللغة العربية. وتشمل المبادرة أيضاً برامج لدعم الشركات الناشئة والتدريب على المهارات الإبداعية والذكاء الاصطناعي.
هذه الأرقام مهمة، لكن الأهم هو ما تمثله المبادرة.
نحن نقترب من مرحلة قد لا يكون فيها الوصول إلى الذكاء الاصطناعي هو المشكلة. فإذا أصبحت الأدوات نفسها متاحة للطالب والموظف والمعلم ورائد الأعمال وصاحب المشروع الصغير، تنتقل المنافسة من سؤال “من يمتلك الذكاء الاصطناعي؟” إلى سؤال مختلف وهو “من يستطيع استخدامه بكفاءة؟”
الفرق بين الإتاحة والكفاءة
يمكن لأي شخص أن يطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة تقرير أو تصميم إعلان أو تحليل فكرة مشروع. لكن امتلاك الأداة لا يعني أن المستخدم يستطيع تقييم ما أنتجته. هل يستطيع اكتشاف الخطأ؟ هل يتحقق من المعلومات؟ هل يعرف متى لا ينبغي مشاركة البيانات؟ هل يستطيع التمييز بين مهمة يمكن تفويضها للآلة وقرار يجب أن يبقى تحت المسؤولية البشرية؟
لقد واجهنا المشكلة نفسها مع الإنترنت. في البداية ركزت السياسات الرقمية على الاتصال. ثم اكتشفنا أن الاتصال وحده لا يصنع مواطناً رقمياً قادراً على البحث والتحقق وحماية البيانات واستخدام الخدمات الرقمية بكفاءة.
وقد نكرر الخطأ نفسه مع الذكاء الاصطناعي.
إذا وفرت دولة أدوات الذكاء الاصطناعي لمليون شخص، فمن السهل أن تعلن أن مليون شخص أصبحوا جزءاً من التحول نحو الذكاء الاصطناعي. لكن الرقم الحقيقي الذي يستحق القياس مختلف. كم شخصاً أصبح أكثر إنتاجية؟ كم مشروعاً جديداً تأسس؟ كم شركة صغيرة خفضت تكلفتها أو وصلت إلى سوق جديد؟ وكم موظفاً أصبح قادراً على اتخاذ قرار أفضل؟
هنا تنتقل السياسة العامة من قياس الوصول إلى قياس الأثر.
وتبدو هذه المسألة أكثر أهمية في ريادة الأعمال. فالذكاء الاصطناعي يخفض تكلفة إنتاج المحتوى والتصميم والبرمجة والتحليل وإعداد النماذج الأولية. وهذا يسمح لرائد الأعمال بتنفيذ أعمال كانت تتطلب فريقاً وميزانية ووقتاً أكبر.
لكن عندما يستطيع الجميع استخدام الأدوات نفسها، لن تبقى الأداة مصدر الميزة التنافسية.
ستصبح الميزة في معرفة المشكلة التي تستحق الحل، وفهم السوق، وتقييم ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، وتحويله إلى قيمة اقتصادية.
سؤال عربي أوسع
هل ينبغي للحكومات أن تدعم الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، أم أن تستثمر في بناء كفاءة المواطنين في استخدامها؟
الإجابة ليست الاختيار بين الاثنين. نحتاج إلى الإتاحة والكفاءة معاً.
يمكن توفير الأدوات خلال أشهر. أما بناء القدرة على استخدامها بوعي وأمان وإنتاجية فيحتاج إلى التعليم والتدريب والتقييم والممارسة.
ولهذا قد نكون أمام جيل جديد من الفجوة الرقمية. لن تكون الفجوة فقط بين من يمتلك التكنولوجيا ومن لا يمتلكها. قد تصبح بين شخصين يمتلكان الأداة نفسها، لكن أحدهما يستخدمها للحصول على إجابة جاهزة، بينما يستخدمها الآخر للبحث والتحليل والتعلم والإنتاج واتخاذ القرار.
عندها لن يكون السؤال المهم كم مواطناً لديه حساب في منصة للذكاء الاصطناعي.
السؤال: ماذا يستطيع هذا المواطن أن يفعل بالذكاء الاصطناعي؟
وهنا يجب أن تبدأ المرحلة التالية من السياسات العربية للذكاء الاصطناعي. من إتاحة الأدوات إلى بناء الكفاءة، ومن عدّ المستخدمين إلى قياس القدرة والأثر.
فحين يصبح الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع، لن تكون الندرة في التكنولوجيا.
ستكون الندرة في القدرة على استخدامها.



