هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
كلما اشتد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في عالمنا العربي، يظهر سؤال يتكرر بصيغ مختلفة. أين ChatGPT العربي؟ ولماذا لا نبني نموذجاً لغوياً عربياً ينافس النماذج العالمية؟
المحتويات
السؤال مشروع. لكنني أعتقد أننا نضعه أحياناً في المكان الخطأ.
المشكلة التي تواجه العالم العربي اليوم ليست غياب ChatGPT عربي. المشكلة الأكبر هي أننا ما زلنا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه منتجاً يجب أن نمتلك نسخة عربية منه، بدلاً من النظر إليه باعتباره بنية تحتية معرفية وتقنية يمكن أن نستخدمها لإعادة تصميم الاقتصاد والتعليم والحكومة والأعمال.
لدينا بالفعل نماذج عربية ومبادرات تستحق الاهتمام. وهناك حاجة حقيقية إلى تطوير نماذج تفهم اللغة العربية ولهجاتها وسياقاتها الثقافية والتاريخية. كما أن السيادة على البيانات والبنية التحتية والحوسبة أصبحت قضية استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
لكن امتلاك نموذج لغوي عربي ليس هو المعيار الحقيقي لدخول عصر الذكاء الاصطناعي.
يمكن لدولة أن تنفق مليارات الدولارات على بناء نموذج لغوي ضخم ثم تظل جامعاتها تدرّس بالطريقة نفسها، ومؤسساتها الحكومية تعمل بالإجراءات نفسها، وشركاتها تتخذ القرارات بالطريقة نفسها، وطلابها يتعلمون بالطريقة نفسها.
فهل أصبحت هذه الدولة دولة ذكاء اصطناعي؟
في المقابل، يمكن لدولة أخرى ألا تبني نموذجاً لغوياً أساسياً واحداً، لكنها تستخدم أفضل النماذج المتاحة لتطوير التعليم والصحة والخدمات الحكومية والصناعة والبحث العلمي وريادة الأعمال. تبني الشركات تطبيقاتها فوق هذه النماذج. تعيد الجامعات تصميم برامجها. يتعلم الموظفون العمل مع الذكاء الاصطناعي. وتنشأ شركات جديدة لحل مشكلات محلية وإقليمية حقيقية.
أي الدولتين دخلت عصر الذكاء الاصطناعي فعلاً؟
هنا أرى أن علينا التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما نخلط بينها.
المستوى الأول هو بناء النموذج.
وهذا يحتاج إلى قدرات حوسبة ضخمة وبيانات ومهندسين وباحثين واستثمارات مستمرة. وهو مجال مهم استراتيجياً لبعض الدول والمؤسسات العربية، خصوصاً عندما يرتبط باللغة العربية والسيادة الرقمية والأمن والبحث العلمي.
المستوى الثاني هو بناء التطبيقات فوق النماذج.
وهنا توجد فرصة عربية أكبر بكثير. لا يحتاج كل تطبيق ذكي إلى نموذج لغوي جديد. كما أن كل شركة تستخدم الإنترنت لم تحتج إلى بناء شبكة إنترنت خاصة بها، وكل شركة تطور تطبيقاً للهاتف لم تحتج إلى تصنيع هاتفها الخاص.
يمكن لشركة أردنية أو إماراتية أو سعودية أو مصرية أن تستخدم نماذج عالمية أو عربية موجودة وتبني فوقها نظاماً طبياً أو تعليمياً أو مالياً أو حكومياً يخدم احتياجات المنطقة.
أما المستوى الثالث فهو الأهم، وهو إعادة تصميم العمل نفسه حول الذكاء الاصطناعي.
هنا تبدأ القيمة الاقتصادية الحقيقية.
السؤال بالنسبة للبنك ليس كيف نبني ChatGPT مصرفياً فقط، بل كيف نعيد تصميم خدمة العملاء وإدارة المخاطر وتحليل الاحتيال والائتمان والامتثال عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من العمل؟
والسؤال بالنسبة للجامعة ليس كيف نبني ChatGPT جامعياً، بل ماذا يجب أن يتعلم الطالب عندما أصبح بإمكانه الوصول إلى أدوات تستطيع الكتابة والتحليل والبرمجة والتلخيص والبحث والمساعدة في حل المشكلات؟
والسؤال بالنسبة للحكومة ليس كيف نضع روبوت محادثة على موقع الوزارة، بل كيف نعيد تصميم الخدمة الحكومية عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة الطلب وفهم المستندات ومساعدة الموظف والمواطن واتخاذ خطوات متعددة داخل سير العمل؟
هذا التحول في السؤال مهم؟
لأننا إذا جعلنا هدفنا بناء نموذج عربي ينافس ChatGPT، فإننا ندخل سباقاً تقنياً مكلفاً تقوده شركات ودول تمتلك قدرات حوسبية وبيانات ورؤوس أموال ضخمة.
أما إذا جعلنا هدفنا بناء اقتصاد عربي يعرف كيف يوظف الذكاء الاصطناعي، فإن مساحة المنافسة تصبح مختلفة تماماً.
لدينا مشكلاتنا التي نعرفها أكثر من غيرنا.
لدينا اللغة العربية بتنوعها ولهجاتها. لدينا أنظمة تعليمية تحتاج إلى تحول. لدينا قطاعات حكومية ومالية وصحية وسياحية ولوجستية يمكن إعادة تصميمها. لدينا ملايين الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تستطيع زيادة إنتاجيتها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. ولدينا شباب يمكنهم بناء تطبيقات لم تكن تحتاج قبل سنوات قليلة إلا إلى فرق تقنية ورؤوس أموال كبيرة.
هذه هي المساحة التي يجب أن نستثمر فيها.
لا أرى أن السؤال الاستراتيجي للعالم العربي يجب أن يكون “كيف نبني ChatGPT الخاص بنا؟”
السؤال الأهم هو “كيف نجعل كل مؤسسة عربية قادرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي؟”
وهذا يقود إلى قضية أكثر أهمية من التكنولوجيا نفسها، وهي الإنسان.
يمكن شراء الحوسبة. ويمكن ترخيص النماذج. ويمكن استخدام واجهات البرمجة. ويمكن استيراد الأنظمة.
لكن لا يمكن تحقيق التحول إذا لم يمتلك الإنسان القدرة على استخدامها بوعي وحكم ومسؤولية.
نحتاج إلى طالب يعرف متى يستخدم الذكاء الاصطناعي ومتى يشكك في إجابته. نحتاج إلى موظف يستطيع العمل معه دون أن يسلم له قراره. نحتاج إلى مدير يفهم إمكاناته وحدوده. نحتاج إلى مطور يستطيع بناء تطبيقات فوق النماذج الموجودة. ونحتاج إلى مؤسسات تعرف كيف تدير البيانات والمخاطر والخصوصية والأمن والمساءلة.
لذلك فإن الاستثمار في محو الأمية الرقمية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ليس مساراً جانبياً في استراتيجية الذكاء الاصطناعي. إنه جزء من بنيتها الأساسية.
وهنا أيضاً يجب أن ننتبه إلى الفرق بين معرفة الذكاء الاصطناعي والقدرة على العمل معه.
أن يحضر الموظف دورة في الذكاء الاصطناعي لا يعني أنه أصبح قادراً على استخدامه. وأن يعرف الطالب كيف يكتب Prompt لا يعني أنه أصبح مؤهلاً للعمل في بيئة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
المعيار الحقيقي هو السلوك والقدرة على الأداء والحكم في مواقف واقعية.
من هنا أرى أن الاستراتيجية العربية للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى الانتقال من هاجس “امتلاك النموذج” إلى بناء “القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي”.
هذا لا يعني التوقف عن الاستثمار في النماذج العربية. على العكس. نحتاج إلى أبحاث عربية ونماذج عربية وبيانات عربية وبنية حوسبية عربية. ونحتاج إلى حماية حضور اللغة العربية داخل الأنظمة الذكية التي ستشكل جزءاً متزايداً من المعرفة العالمية.
لكن هذه الاستثمارات يجب ألا تتحول إلى سباق رمزي لإثبات أننا نمتلك ChatGPT عربياً.
القيمة لا تأتي من امتلاك النموذج فقط
القيمة تأتي مما نبنيه به.
ربما يكون السؤال الذي يجب أن تطرحه الحكومات وصناديق الاستثمار والجامعات اليوم مختلفاً.
بدلاً من أن نسأل كم شركة عربية تبني نموذج ذكاء اصطناعي، علينا أن نسأل كم شركة عربية أعادت تصميم أعمالها باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
كم جامعة أعادت تصميم التعليم والتقييم؟
كم مؤسسة حكومية أعادت تصميم خدماتها؟
كم شركة ناشئة تستخدم النماذج الموجودة لحل مشكلة عربية حقيقية؟
وكم مواطناً أصبح يمتلك القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة منتجة وآمنة ومسؤولة؟
هذه المؤشرات قد تخبرنا عن موقعنا في عصر الذكاء الاصطناعي أكثر من عدد النماذج التي أطلقناها.
العالم العربي لا يحتاج إلى أن يعيد بناء كل ما يبنيه الآخرون حتى يصبح لاعباً في الذكاء الاصطناعي.
نحتاج إلى أن نعرف أين يجب أن نبني، وأين يجب أن نشارك، وأين يجب أن نستخدم ما بناه الآخرون، وأين توجد القيمة التي نستطيع نحن أن نصنعها.
قد نحتاج إلى نماذج عربية.
لكننا بالتأكيد نحتاج إلى ملايين العرب القادرين على استخدام الذكاء الاصطناعي، وآلاف الشركات القادرة على بناء حلول فوقه، ومؤسسات مستعدة لإعادة تصميم طريقة عملها حوله.
عندها لن يكون السؤال أين ChatGPT العربي؟
سيصبح السؤال ماذا صنع العالم العربي بالذكاء الاصطناعي؟



