مقالات

الذكاء الاصطناعي يعفي الإنسان من الحاجة إلى التفكير

شارك هذا الموضوع:

ريتشارد ووترز

احتمال أن تأخذ منا الروبوتات في يوم من الأيام كل الوظائف وتضع الجنس البشري بعيدا عن العمل فكرة استحوذت على خيال العامة في الآونة الأخيرة. آخر مرة ألهمت فيها هذه الرهبة والقلق من احتمال استبدال الآلات بالإنسان كانت في الستينيات.

ومع ذلك هناك أمر تُرِك خارج الصورة، وهو قصة أكبر حول الطريقة التي يمكن بها لتدفق تكنولوجيا الروبوتات أن يغير مستقبل البشرية. الأتمتة – والمقصود بذلك هو تعليمات برمجية متطورة تستنير بخوارزميات متقدمة – تزحف بالفعل في كثير من مناحي الحياة إلى ما هو أبعد من مكان العمل، على نحو يعمل على توجيه قراراتنا والوعد بالتخلص من الجهد المبذول من المهام اليومية.

ما الذي يمنع الأتمتة من أن تتولى كل الجهود العقلية والبدنية للبشرية في نهاية المطاف؟ ومتى تقوم الآلات بعمل كل الأعمال الصعبة التي تتطلب مجهودا – سواء كانت على شكل روبوتات تقود العالم المادي أو أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعفينا من ضرورة التفكير – من السيد ومن العبد؟

على الرغم من العداء الذي يثيره أحيانا المؤلف نيكولاس كار في عالم التكنولوجيا (مقالة مؤثرة له نشرتها مجلة “هارفارد بيزنس ريفيو” في عام 2003 كانت تحمل عنوانا استفزازيا، “تكنولوجيا المعلومات ليست بالأمر المهم”) إلا أنه ليس كارها أو خائفا من التكنولوجيا الحديثة. لكنه في كتاب “القفص الزجاجي”، يجلب منظورا إنسانيا تشتد الحاجة إليه ويضفيه على قضايا أوسع من الأتمتة. في عصر الأعاجيب التكنولوجية، من السهل أن ينسى الإنسان.

حجة كار هنا هي أنه من خلال أتمتة المهام لتوفير الكثير من الجهد نجعل الحياة أسهل لأنفسنا، لكن على حساب استبدال شيء أقل شأنا بتجربتنا في العالم. النظام “عديم الاحتكاك” هو شعار جديد لشركات التكنولوجيا لتبسيط الحياة قدر الإمكان. لكن بحسب الطريقة التي ينظر بها كار إلى هذا الشعار، فإن ما يجعلنا أكثر وفاء يأتي من حَمْل احتكاك العالم من خلال التركيز والجهد المركز. باختصار، ماذا سيحدث إذا كانت “طبيعتنا هي ما نريد”؟

سيطرة البشرية على البيئة تدين بالكثير إلى استخدام الأدوات التي توسع من محدودية القوى الجسدية والفكرية لدينا، كما يعترف كار بسهولة. لكن الأمر المختلف الآن هو وتيرة التغيير – من الصعب ضبطها عندما يمكن تغيير الكثير في مسار حياة البشرية – وطبيعة التكنولوجيا في حد ذاتها.

في تحليلي لرأي كار ربما أخاطر بالتبسيط، لكن ما يؤكده كار هو أن هناك نوعين من التكنولوجيا يمكن بصورة غير دقيقة وصفهما بأنهما إنسانية ومعادية للإنسانية. النوع الأول يعطي الحرية الكاملة لصانعيها. وتندرج أدوات مثل المطارق أو السيارات تحت هذه الفئة: فهي توسع قدرات المستخدم.

من ناحية أخرى، التكنولوجيا المعادية للإنسانية تهمش مستحدثيها. والغرض الوحيد منها هو استبدال الجهد البشري، وليس تعزيزه. وإذا تم إدخال البشر أصلا في المعادلة من أجل التفاعل مع هذه التكنولوجيا – مثلا، عندما يضطر الطيارون إلى تخطي أنظمة الطيران الآلي في حالة الطوارئ – النتائج غالبا ما تكون كئيبة: البشر الذين انخفضت مهاراتهم بسبب الآلات والاضطرار إلى استخدام أنماط سلوك على غرار الآلة للعمل في عالم الآلة، نادرا ما يتفوقون. والنتيجة الحتمية هي دعوة لمزيد من الأتمتة لوضع البشر غير المعصومين عن الخطأ خارج الصورة تماما. ويجادل كار بأن إزالة الحاجة إلى الجهد البدني والفكري المتواصل تؤدي إلى انحطاط في قدرات الناس. ووصفه للبحث في هذه المناطق يعتبر شاملا، لدرجة أنه يمكن قراءة بعض فصول هذا الكتاب وكأنه معجم للعمل الأكاديمي في هذا المجال. لكن ذلك يساعده في إقامة حجة مقنعة. في بعض الحالات، آثار استخدام التكنولوجيا للتخلص من الوساطة في العالم تبدو طفيفة. ومن الصعب الشعور بالكثير من التعاطف مع شكوى كار من أن أنظمة نقل الحركة الأوتوماتيكية في السيارات، مثلا، سرقت منه متعة القيادة. لكن بعض الحجج الأخرى أكثر إقناعا. ففي الوقت الذي تتولى فيه الأجهزة عددا متزايدا من المهام اليومية، سنكون مضطرين حتما إلى اتخاذ قرارات لها عواقب أخلاقية، وهو ما يُثقِل مسارات التصرف التي لها تأثيرات مختلفة في الأشخاص المتضررين. وهذا قبل حتى التفكير في الروبوتات العسكرية التي يتم برمجتها لتقتل.

إذا كانت هناك انتقادات تقدم لمحاولة كار إنقاذ البشرية من التكنولوجيا التي لديها، فإنها ستكون موجهة إلى تقليله من قيمة الفوائد الكبيرة جدا. فالسيارات التي تسير دون سائق قد تقطع شوطا طويلا باتجاه القضاء على ملايين الوفيات والإصابات التي تنتج بشكل كامل تقريبا عن خطأ بشري. أيضا، من خلال التقدم في الإنتاجية، يعتبر التشغيل الآلي مساهما كبيرا في تحسين الوضع الاقتصادي.

في المقابل هو لا يضع في الحسبان أنواعا جديدة من العمل أقيمت عن طريق جعل الأشكال القديمة للمسعى الإنساني زائدة عن الحاجة، أو إمكانية أن تجد البشرية وسائل أكثر جدوى للحصول على الطاقة والإبداع إذا تمت إزالة الحاجة إلى العمل إلى حد كبير.

لكن الأمر المثير للدهشة هو أن كار تمكن من العثور على ملاحظة إيجابية لإنهاء مشاهداته. إنه يرى، لكنه يرفض إلى حد كبير، إمكانية أن شكل التصميم المتمحور أكثر حول الإنسان سيظهر ليعيد الناس ويضعهم في مركز إبداعاتهم التكنولوجية.

القوى الاقتصادية المؤدية إلى استبدال البرامج بالناس تماما هي ببساطة قوية فوق الحد.

على نحو مماثل، لا يجد كار رجاء يذكر في أن الناس سوف يديرون ظهورهم طوعا لأحدث التقنيات لمصلحة أدوات أقل تطورا تتطلب المزيد منهم، لكنها في نهاية المطاف أكثر جدوى بما لا يقاس من حيث الاستخدام. الإغراء لتوفير العمالة كبير جدا.

ينشأ الأمل، بدلا من ذلك، من فكرة أن التوترات الاجتماعية الناتجة عن الموجة الحالية من التقدم التكنولوجي ستضطر الناس إلى رد الفعل. فقط أربع صفحات قبل نهاية الكتاب، بعد التفكر في العواقب الوخيمة لوضع كل عمال العالم خارج العمل، تجرأ قائلا: “لضمان رفاهية المجتمع في المستقبل، قد نحتاج إلى وضع قيود على الأتمتة”. ويضيف أن أفكار التقدم قد تضطر إلى التغيير: إن الاحتفال الضيق الأفق بكل أشكال التقدم اليوم بحاجة إلى أن يحل محله نهج أكثر تطورا يأخذ في الحسبان العواقب الاجتماعية والشخصية.

كيف يمكن تحقيق رؤية أكثر توازنا للتقدم عندما تكون حوافز اليوم موجهة فقط نحو دورة اختراع ونشر تكنولوجيات جديدة تتسارع باستمرار؟ ليس هناك مجال للإجابة في هذا الكتاب الواسع النطاق. لكن مهارة كار – كما هي دائما – تكمن في إدارة النقاش، وليس في إيجاد إجابات.

المصدر: FINANCIAL TIMES

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى