هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
أصبحت الإساءة والتحرش عبر الإنترنت جزءاً من واقعنا الرقمي اليومي. لكن عندما نتحدث عن السلامة على الإنترنت، ما الذي نعنيه فعلاً؟
المحتويات
غالباً ما تبدأ الإجابة بكلمات المرور، والاحتيال الإلكتروني، والفيروسات، وحماية الحسابات. وكلها مهمة. لكن السلامة على الإنترنت ليست مسألة تقنية فقط. إنها مسألة إنسانية أيضاً.
إنها تتعلق بكيفية تواصل الآخرين معنا، وكيف يعاملوننا، وما الذي ينشرونه عنا، وقدرتنا على استخدام الفضاء الرقمي دون تهديد أو ابتزاز أو إذلال أو خوف.
وهنا تكمن المشكلة. فالكثير من المخاطر الرقمية لا تبدأ بهجوم سيبراني معقد. قد تبدأ برسالة عادية، أو رابط، أو طلب من شخص يبدو مألوفاً، أو علاقة عبر الإنترنت، أو عرض مقنع، أو معلومة تبدو حقيقية.
قد تنشر رأياً على فيسبوك ويختلف معك شخص آخر. يكتب تعليقاً ينتقد رأيك. هل هذه إساءة إلكترونية؟
ليس بالضرورة.
لكن ماذا لو استمر الشخص في التعليق، ثم بدأ بإرسال رسائل خاصة، ثم انتقل إلى الإهانة والتهديد؟ تحظره فينشئ حساباً آخر. يتواصل مع أصدقائك. ينشر معلومات شخصية عنك.
هنا تغيرت طبيعة الموقف.
لهذا لا يمكننا دائماً الحكم على الإساءة الإلكترونية من خلال رسالة واحدة. علينا أن ننظر إلى نمط السلوك. هل هناك تكرار؟ هل يوجد تهديد؟ هل هناك محاولة للإذلال؟ هل ينتحل شخص هويتك؟ هل ينشر معلومات خاصة عنك؟ هل يحاول تحريض الآخرين عليك؟
الذكاء الاصطناعي ومخاطر جديدة
يمكن اليوم إنشاء صورة مزيفة لشخص، أو تقليد صوته، أو إنتاج فيديو يبدو حقيقياً، باستخدام أدوات لا تتطلب معرفة تقنية متقدمة.
وهذا يغير قاعدة أساسية اعتدنا عليها في العالم الرقمي.
ما تراه ليس بالضرورة حقيقياً.
وما تسمعه ليس بالضرورة حقيقياً.
تخيل أنك تلقيت رسالة صوتية من أحد أفراد أسرتك يطلب منك تحويل مبلغ من المال بصورة عاجلة. أنت تعرف صوته جيداً. هل تحول المال؟
قبل سنوات قليلة، كان التعرف على الصوت دليلاً قوياً على هوية المتحدث. اليوم لم يعد ذلك كافياً.
يمكن للذكاء الاصطناعي تقليد الصوت وإنشاء الصور وتعديل الفيديو وصياغة رسائل مقنعة.
لذلك أصبح التحقق مهارة أساسية.
اتصل بالشخص عبر رقم تعرفه مسبقاً. تحقق من الطلب من خلال قناة أخرى. لا تعتمد على بيانات الاتصال التي وصلت مع الرسالة المشبوهة.
وهذا يقودنا إلى قاعدة عملية يمكن تطبيقها عندما نشعر بأن شيئاً ما ليس طبيعياً على الإنترنت.
STOP
الحرف S يعني Stop. توقف.
لا تستجب فوراً وأنت غاضب أو خائف أو تحت الضغط.
الحرف T يعني Take Evidence. احتفظ بالأدلة.
احفظ الرسائل والصور ولقطات الشاشة وأسماء الحسابات والتواريخ وأي معلومات قد تساعد لاحقاً في إثبات ما حدث. فما هو موجود على الإنترنت اليوم قد يُحذف بعد دقائق.
الحرف O يعني Options. فكر في الخيارات.
هل تحظر الحساب؟ هل تبلغ عنه؟ هل تغير إعدادات الخصوصية؟ هل تحتاج إلى تغيير كلمة المرور؟ هل تتحقق من المعلومة عبر قناة أخرى؟ هل تتحدث مع شخص تثق به؟ هل تحتاج إلى مساعدة متخصصة؟
الحرف P يعني Proceed. تحرك بعد أن تحدد الإجراء المناسب.
اختر استجابتك وفق مستوى الخطر، وليس وفق مستوى غضبك أو خوفك في تلك اللحظة.
قيمة STOP لا تكمن في الحروف نفسها. قيمتها في أنها تضع فاصلاً بين الحدث ورد الفعل.
فالمنصات الرقمية تدفعنا نحو السرعة. تصل الرسالة فنرد. يظهر الرابط فنضغط. نشاهد المحتوى فنشاركه. يصل طلب عاجل فنشعر أن علينا التصرف فوراً.
لكن السرعة قد تكون بالضبط ما يعتمد عليه الطرف الآخر.
لذلك قد يكون أهم إجراء تتخذه أحياناً هو ألا تفعل شيئاً فوراً.
لا تضغط.
لا ترد.
لا تشارك.
تحقق أولاً.
الأمر نفسه ينطبق على التحرش والإساءة.
إذا تلقيت رسالة عدائية تتضمن اتهاماً غير صحيح، فقد يكون رد فعلك الأول كتابة إجابة غاضبة. لكن قبل إرسالها، اسأل نفسك ثلاثة أسئلة.
هل يوجد تهديد مباشر؟
هل أحتاج فعلاً إلى الرد؟
ما الأدلة التي يجب أن أحتفظ بها؟
أحياناً يكون عدم الرد هو القرار الأفضل.
وإذا استمر السلوك، احتفظ بالأدلة واستخدم أدوات الحظر والتقييد والإبلاغ والخصوصية التي توفرها المنصة.
لكن علينا ألا نبالغ في قدرة زر “الحظر” على حل المشكلة.
الحظر أداة وليس استراتيجية كاملة للسلامة
إذا استمر شخص في ملاحقتك عبر حسابات مختلفة، أو انتقل بين المنصات، أو بدأ بإطلاق تهديدات حقيقية، فقد تجاوزت المشكلة حدود التعامل مع مستخدم مزعج.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية. ماذا تفعل إذا لم تكن أنت الضحية، بل شخصاً تعرفه؟
قد يخبرك صديق أو قريب بأنه يتعرض للتحرش عبر الإنترنت.
ردودنا الأولى تكون أحياناً من نوع “احظره وانتهى الأمر”، أو “احذف حسابك”، أو حتى “لماذا رددت عليه من البداية؟”.
لكن هذه العبارات قد تجعل الشخص يشعر بأنه مسؤول عما حدث.
ابدأ بالاستماع.
اسأله ماذا حدث.
اسأله إن كان يشعر بالأمان.
اسأله ماذا يريد أن يحدث بعد ذلك.
ساعده في حفظ الأدلة ومراجعة إعدادات الخصوصية والأمان والإبلاغ عن السلوك إذا احتاج إلى ذلك.
دعم الشخص لا يعني اتخاذ جميع القرارات نيابة عنه. لكنه يعني أيضاً إدراك اللحظة التي يتحول فيها الخلاف الرقمي إلى مسألة سلامة حقيقية.
ومن الأمثلة التي تكشف أهمية هذا النوع من الحكم أن تكتشف حساباً على إحدى منصات التواصل يحمل اسمك وصورتك ويتواصل مع الآخرين باسمك.
هل تم اختراق حسابك؟
ربما.
لكن ربما أنشأ شخص حساباً جديداً ينتحل شخصيتك.
المشكلتان مختلفتان، وبالتالي تختلف الاستجابة.
إذا تم اختراق حسابك، فعليك تأمينه، وتغيير كلمة المرور، ومراجعة معلومات الاسترداد، والأجهزة المتصلة، والجلسات النشطة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل.
أما إذا كان هناك حساب آخر ينتحل هويتك، فعليك توثيقه والإبلاغ عنه وإبلاغ معارفك عبر قناة تملك السيطرة عليها.
الدرس هنا بسيط
شخّص المشكلة قبل أن تتصرف.
وهنا أصل إلى ما أراه جوهر القضية.
نحن نعلم الناس الكثير من قواعد السلامة الرقمية.
لا تضغط على الروابط المشبوهة.
استخدم كلمات مرور قوية.
فعّل المصادقة متعددة العوامل.
لا تشارك معلوماتك الشخصية.
راجع إعدادات الخصوصية.
كل هذه الممارسات ضرورية. لكنها لم تعد كافية.
لأن معرفة القاعدة لا تعني بالضرورة القدرة على تطبيقها عندما تتعرض لضغط أو خوف أو خداع.
قد يعرف شخص أهمية كلمات المرور القوية، لكن هل يستطيع تأمين حساب تعرض للاختراق؟
قد يعرف أن المعلومات المضللة موجودة، لكن هل يستطيع اكتشاف فيديو تم التلاعب به؟
قد يعرف أن التحرش يجب الإبلاغ عنه، لكن هل يستطيع تحديد متى يحتفظ بالأدلة، ومتى يحظر، ومتى يبلغ، ومتى يحتاج إلى طلب المساعدة؟
هنا تنتقل القضية من المهارات الرقمية إلى محو الأمية الرقمية Digital Literacy.
وهذا أيضاً أحد المبادئ التي أقوم عليها في تطوير الرخصة الدولية للقيادة الرقمية IDDL.
تنظر الرخصة إلى محو الأمية الرقمية من خلال ثلاثة مجالات مترابطة هي المهارات الرقمية Digital Skills، والوعي بالأمن السيبراني Cybersecurity Awareness، وكفاءة الذكاء الاصطناعي AI Competency.
لكن السؤال الأهم ليس فقط ماذا يعرف الشخص؟
بل ماذا يفعل عندما يواجه موقفاً حقيقياً؟
ولماذا اتخذ ذلك القرار؟
القدرة.
التأمل في القرار.
إذا سألت شخصاً “ماذا يجب أن تفعل إذا انتحل شخص هويتك على الإنترنت؟” فأنا أقيس معرفته.
أما إذا وضعت الشخص أمام موقف يحاكي انتحال هويته وطلبت منه التعامل معه، فأنا أبدأ بقياس قدرته.
ثم إذا سألته “لماذا اخترت هذا الإجراء؟” فأنا أبدأ بفهم حكمه على الموقف.
وهذا ما تحتاجه السلامة الرقمية اليوم.
التكنولوجيا ستتغير.
المنصات ستتغير.
أساليب الاحتيال ستتغير.
وقدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى يصعب تمييزه عن المحتوى الحقيقي ستتطور.
لذلك لا يمكن أن نبني السلامة على الإنترنت على قائمة من التعليمات نحفظها اليوم ونفترض أنها ستحمينا غداً.
علينا أن نبني القدرة على الحكم واتخاذ القرار.
قبل أن تضغط على رابط، أو ترد على رسالة، أو تحول مالاً، أو تعيد نشر صورة أو فيديو، اسأل نفسك.
ماذا يحدث هنا؟
ما الدليل الذي أملكه؟
هل أستطيع التحقق منه بطريقة مستقلة؟
ماذا قد يحدث إذا تصرفت؟
وما الإجراء الأكثر أماناً الآن؟
ربما نحتاج إلى إعادة تعريف الشخص الآمن رقمياً.
ليس هو الشخص الذي يعرف أكبر عدد من قواعد الأمن السيبراني.
بل الشخص الذي يعرف متى يتوقف، وكيف يتحقق، ومتى يتصرف، ولماذا اختار ذلك التصرف.
وفي عالم رقمي يدفعنا باستمرار إلى السرعة، قد تكون أربع حروف هي البداية.
STOP.
توقف قبل أن تتصرف.



