مقالات

العولمة تغير قواعد كل شيء في بريطانيا

شارك هذا الموضوع:

جديون راشمان

أي شخص استمع إلى مشجعي نادي توتنهام هوتسبير أخيرا سيكون قد سمع أغنية التحية لنجم الفريق الجديد: “هاري كين، إنه واحد من بلادنا”.

الأنشودة تحتفل بحقيقة أن المهاجم ولد على بُعد أميال فقط من أرض سبيرز. في الدوري الإنجليزي الممتاز، حيث أكثر من 60 في المائة من اللاعبين ولدوا في الخارج، فإن وجود لاعب كرة يلعب مع فريقه المحلي أمر نادر بصورة غريبة ومتزايدة.

على مدى الأعوام الـ 40 الماضية، تقريباً العمر الذي قضيته وأنا أتابع كرة القدم الإنجليزية، أصبحت الملاعب صورة مصغرة لفوائد العولمة وسلبياتها في آن معا. على الجانب الإيجابي، تمارس اللعبة الآن على ملاعب مهيأة جيداً وأنيقة من قِبل نجوم دوليين يحصلون على مكافآت كبيرة ويتابعهم جمهور عالمي من تايلاند إلى تكساس. على الجانب السلبي، الفرق في الدوري الإنجليزي الممتاز (البريمير ليج) تصبح علامات تجارية قابلة للتبادل دون الكثير من الارتباط بالأماكن التي يدعون أنهم يمثلونها.

في الفترة الأخيرة أدركت إلى أي مدى تغيرت الأمور، عندما اطلعت على برنامج عن المباراة الأولى التي شاهدتها على الإطلاق في ويمبلي – مباراة ودّية بين إنجلترا والنمسا في أيلول (سبتمبر) 1973.

بالنظر إلى تشكيلة منتخب إنجلترا، الأمر اللافت للنظر هو عدد اللاعبين الذين لعبوا لمصلحة فرقهم المحلية. بيتر شيلتون، حارس المرمى، ولد في ليستر ولعب لمصلحة فريق ليستر سيتي. بولف ماديلي، المولود في ليدز، لعب لمصلحة فريق ليدز. ثلاثي وست هام المكون من بوبي مور ومارتن بيتر وتريفور بروكينج – جميعم ولدوا ضمن مسافة تبعد مسافة قصيرة عن ملعب الفريق في إبتون بارك شرقي لندن.

حنيني لتلك الأيام بلا شك هو نوع من الرثاء لأيام الشباب المفقود، لكنه أمر يبدو أيضاً محسوسا بشكل عام أكثر. في إنجلترا، المشجعون المنتمون لأندية كرة القدم الأصغر – التي تستقطب في الغالب مؤيدين ولاعبين من المناطق المحلية – يحبون السخرية من مشجعي الفرق الكبيرة المعولمة باعتبارهم مشجعين دون جذور.

لبضعة عقود من الزمن، فريقا مانشستر الأبرز عكسا كلا النهجين. مانشستر يونايتد كان الفريق الأنجح في إنجلترا وكان يملك قاعدة مشجعين عالمية يدّعي النادي أن عددها، وأظن أنه رقم مبالغ فيه قليلا، يتجاوز 600 مليون. في المقابل مانشستر سيتي كان أقل نجاحاً بكثير، لكنه كان يفتخر بكونه فريق مانشستر الحقيقي. وفيما بعد تم شراء فريق السيتي من قِبل مستثمر من أبو ظبي، وفي هذه الأيام هو فريق ثري وناجح وعالمي تماماً مثل فريق يونايتد.

وكان للعولمة تأثير مماثل على مؤسسات بريطانية أخرى – عبر المستوى الاجتماعي – ولدت مشاعر متناقضة بالمثل.

التحرير الشامل من الأنظمة في الحي المالي في الثمانينيات أحدث طفرة في القطاع المالي، لكنه شهد معظم شركات الاستثمار البريطانية التقليدية تبتلعها مؤسسات أجنبية أكبر. حتى في الحي المالي الواقعي بامتياز، كنت تسمع أحياناً صرير أسف على اختفاء الأسماء القديمة المشهورة.

القصة مماثلة بالنسبة لمعظم المدارس البريطانية الخاصة الأكثر نجاحاً. مثل فِرق كرة القدم الأبرز، نجحت في تحويل نفسها إلى علامات تجارية عالمية – يسعى إليها الأغنياء من أنحاء العالم كافة. ولم تكن المرافق أبداً بهذه الجاذبية، والرسوم لم تكن بهذا الارتفاع، والنتائج لم تكن أبداً بهذا التناسق. ومع ذلك، في بعض الأحيان، الشعور بعدم الراحة يخرج إلى السطح. مدير كلية كينجز ويمبلدون، وهي واحدة من أفضل المدارس في لندن، اشتكى أخيرا من أن الطبقات المتوسطة المحلية لم تعُد قادرة على تحمّل نفقات إرسال أطفالها إلى مؤسسته وأبدى قلقا من أن المدارس البريطانية الأكثر شهرة آخذة في التحول إلى “مدارس لتهيئة أطفال أنصار حكم الأقلية”.

أولئك الذين يتصدرون المستوى الاجتماعي البريطاني نجحوا كثيراً بسبب العولمة التي ينتقدونها في بعض الأحيان: رواتبهم أعلى، وأسعار منازلهم أعلى من قبل، وآفاقهم وآفاق أطفالهم أصبحت واسعة بسبب العيش في واحد من البلدان الأكثر اتصالاً على الصعيد الدولي في العالم.

أثر العولمة في الأجزاء الفقيرة من البلاد أكثر غموضا بكثير. الطبقة العاملة هي التي تبقى أجورها متدنية على الأرجح بسبب المنافسة مع المهاجرين، وهي أيضا التي ستكون مناطقها هي المناطق التي سيتغير وجهها على الأرجح بسبب الهجرة الجماعية.

أدركتُ النطاق الكامل لهذا التحول أثناء رحلة لمشاهدة كرة القدم في نهاية الأسبوع الماضي. فبينما كنت أتمشى خلال منطقة إيست إند، متوجها إلى ملعب نادي وست هام، كان من الواضح أن الطبقة العاملة (كوكني) – التي يرتبط اسمها باسم إيست إند – هي الآن مجرد أحد المكونات في مزيج الأقليات التي تشكل سكان المنطقة.

كانت المباراة نفسها دعاية مثيرة لكرة القدم المعولمة، في الوقت الذي تعرض فيه وست هام – بقيادة نجم من الكاميرون معار من برشلونة – لهزيمة أمام فريق آرسنال، بقيادة كابتن من ألمانيا يستلهم أساليب لاعب من تشيلي.

في السبعينيات، حين كنتُ أحضر مباريات تشيلسي بانتظام، كان نجوم الفريق بالدرجة الأولى من لندن أو المناطق القريبة منها. لكن المباريات التي كانت تجري لم تكن جيدة، وكان الملعب مليئا بالطين، وكان الطعام غير مستساغ، ومعظم المشجعين كانوا وقوفا وكانت المعارك تندلع بانتظام بين المشجعين.

لسبب ما، لا أزال أشعر بالحنين إلى ذلك العهد. لكني الآن أذهب إلى المباريات مع أطفالي وأنا أشعر بالامتنان، لأننا نستطيع الجلوس ونستطيع أن نرى الملعب بوضوح، وفوق المدرج يوجد غطاء، وأن عددا من أفضل اللاعبين في العالم يلعبون أمامنا – ومن المستبعد تماما أن نتعرض لهجوم من قبل متفرجين آخرين.

حين ننظر إلى الأمر بصورة إجمالية، يبدو وكأنه نوع من التقدم.

المصدر: FINANCIAL TIMES

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى