هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
أصبح الهاتف آخر ما نراه قبل النوم، وأول ما نبحث عنه عند الاستيقاظ. نمد أيدينا إليه لنقرأ رسالة واحدة، فنجد أنفسنا بعد عشر دقائق نتنقل بين الأخبار وواتساب والبريد الإلكتروني ومنصة اجتماعية ومقطع فيديو لم نكن نبحث عنه أصلاً.
المحتويات
السؤال هنا ليس كم ساعة نقضي أمام الشاشة. السؤال الأهم هو: كم مرة قررنا نحن استخدام الهاتف، وكم مرة قرر الهاتف عنا؟
هنا تبدأ قضية الرفاهية الرقمية Digital Wellbeing
الرفاهية الرقمية لا تعني الابتعاد عن التكنولوجيا، ولا تدعو إلى إغلاق الحسابات أو العودة إلى حياة بلا هواتف ذكية. هذا لم يعد واقعياً ولا مطلوباً. نحن نعمل ونتعلم ونتواصل وندير أموالنا وعلاقاتنا ونصل إلى الخدمات والمعلومات من خلال التكنولوجيا.
المشكلة ليست في وجود التكنولوجيا حولنا، بل في مقدار سيطرتنا على علاقتنا بها.
قد يقضي شخص ساعتين أمام الشاشة في قراءة بحث أو الحديث مع أسرته أو تعلم مهارة جديدة، بينما يقضي آخر الساعتين نفسيهما في الانتقال دون هدف بين مقاطع قصيرة وإشعارات وأخبار. الزمن واحد، لكن الأثر مختلف.
لهذا فإن قياس الرفاهية الرقمية بعدد ساعات الشاشة فقط يختزل القضية. الأهم هو الغرض والسلوك والنتيجة.
افتح هاتفك الآن، وادخل إلى إعدادات وقت الشاشة أو الرفاهية الرقمية. انظر إلى استخدامك بالأمس. ما التطبيقات الثلاثة التي استهلكت أكبر قدر من وقتك؟ كم مرة فتحت هاتفك؟ وكم إشعاراً استقبلت؟
ثم لا تسأل نفسك إن كانت الأرقام مرتفعة أو منخفضة.
اسأل سؤالاً مختلفاً: هل تعكس هذه الأرقام الطريقة التي أردت فعلاً أن أقضي بها وقتي؟
قد تكون الإجابة غير مريحة، لكنها مفيدة
المشكلة أن كثيراً من سلوكنا الرقمي لم يعد نتيجة قرار واعٍ. نسمع صوت الإشعار فنفتح الهاتف. نرى دائرة حمراء على تطبيق فنضغط عليها. نقرأ رسالة ثم ننتقل إلى تطبيق آخر. وبعد دقائق نكتشف أننا نسينا أصلاً لماذا أمسكنا الهاتف.
هذا ليس مجرد استخدام للتكنولوجيا. إنه سلوك تشكل بالتكرار.
وهنا تأتي الإشعارات باعتبارها أحد أهم عناصر الرفاهية الرقمية.
كل إشعار يصل إلى هاتفك هو طلب للحصول على انتباهك. صوت أو اهتزاز أو رقم أحمر صغير يقول لك عملياً: اترك ما تفعله وانظر إليّ.
لكن من قرر أن هذه المعلومة تستحق انتباهك الآن؟
في كثير من الحالات، لم تكن أنت من اتخذ القرار. التطبيق اتخذه نيابة عنك.
لذلك قد يكون أحد أبسط إجراءات الرفاهية الرقمية وأكثرها أثراً هو مراجعة الإشعارات. نحتاج بالطبع إلى بعضها. اتصال من الأسرة، تنبيه أمني، موعد في التقويم أو رسالة مرتبطة بعمل عاجل قد تتطلب انتباهنا. لكن هل نحتاج فوراً إلى معرفة أن شخصاً أعجب بمنشور؟ هل يحتاج تطبيق التسوق إلى مقاطعة اجتماع؟ وهل كل خبر عاجل يستحق أن يصبح عاجلاً في حياتنا؟
إدارة الإشعارات ليست مسألة تقنية فقط. إنها إدارة للانتباه.
الانتباه مورد محدود
كل مقاطعة صغيرة تقطع سلسلة التفكير. تتوقف عن القراءة أو الكتابة أو الحديث مع شخص أمامك، وتنقل انتباهك إلى الشاشة، ثم تحاول العودة إلى ما كنت تقوم به. وعندما يتكرر ذلك عشرات المرات خلال اليوم، لا نفقد الوقت فقط، بل نفقد القدرة على التركيز المتصل.
لكن الرفاهية الرقمية تتجاوز الإنتاجية والتركيز إلى الصحة النفسية.
جرب أن تلاحظ شعورك بعد عشرين دقيقة من استخدام منصة رقمية. أحياناً تخرج منها وأنت أكثر معرفة أو أكثر ارتباطاً بالآخرين. تحدثت مع شخص تحبه، تعلمت شيئاً أو قرأت فكرة تستحق التفكير.
وفي أحيان أخرى تغلق الهاتف وأنت أكثر توتراً أو غضباً أو تشتيتاً أو شعوراً بأن الآخرين يعيشون حياة أفضل منك.
لم يحدث شيء كبير. أنت فقط كنت تتصفح.
هذه الملاحظة مهمة لفهم الرفاهية الرقمية.
المنصات الاجتماعية تعرض علينا أجزاء مختارة من حياة الآخرين. هذا حصل على ترقية، وذاك يسافر، وثالث نشر بحثاً جديداً، ورابع اشترى منزلاً، وخامس يحتفل بإنجاز.
ثم نقارن تلك اللحظات المختارة من حياة الآخرين بحياتنا كاملة، بما فيها من نجاح وإخفاق وقلق ومسؤوليات وأيام عادية.
المقارنة منذ البداية غير متكافئة.
الخوارزميات تدخل إلى المشهد
المنصات تتعلم من سلوكنا. ما نشاهده وما نضغط عليه وما نتوقف عنده وما نعلق عليه يساعد في تحديد ما سيظهر لنا لاحقاً. المشكلة أن المحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو القلق قد يدفعنا أيضاً إلى مزيد من التفاعل.
نحن نراه لأننا تفاعلنا معه، ونتفاعل معه لأنه يظهر أمامنا باستمرار.
لذلك فإن حماية الرفاهية الرقمية تحتاج إلى مهارة أصبحت جزءاً من محو الأمية الرقمية نفسه. عليك أن تفهم ليس فقط كيف تستخدم المنصة، بل كيف تؤثر المنصة في سلوكك وقراراتك ومشاعرك.
وهنا يمكن اتخاذ قرارات بسيطة.
هناك حساب يجعلك غاضباً في كل مرة تقرأه؟ لا تحتاج إلى الدخول في معركة معه. ألغِ متابعته.
مجموعة تستنزف انتباهك طوال اليوم؟ اكتم إشعاراتها.
مصدر أخبار يجعلك تعيش في حالة قلق مستمرة؟ قلل تعرضك له.
تطبيق تفتحه عشرات المرات بلا سبب؟ أخرجه من الشاشة الرئيسية.
نحن نقضي وقتاً كبيراً في ترتيب منازلنا ومكاتبنا، لكننا نادراً ما نفكر في ترتيب البيئة الرقمية التي نقضي داخلها ساعات كل يوم.
وهناك قضية أخرى ترتبط مباشرة بالرفاهية الرقمية. التكنولوجيا أزالت كثيراً من الحدود التي كانت تفصل أجزاء حياتنا.
دخل العمل إلى المنزل. ودخل البريد الإلكتروني إلى مائدة الطعام. ودخلت الأخبار إلى غرفة النوم. وأصبح من الممكن أن يحمل الإنسان مكتبه ومجتمعه وأخباره ومشكلاته معه أربعاً وعشرين ساعة.
إعادة بناء بعض الحدود
قد تكون نصف الساعة الأولى بعد الاستيقاظ بلا هاتف. قد تكون وجبة واحدة يومياً بلا أجهزة. قد نحدد أوقاتاً للبريد الإلكتروني بدلاً من مراجعته باستمرار. قد نستخدم وضع عدم الإزعاج أثناء العمل الذي يحتاج إلى تركيز. وقد يكون من المفيد ألا يكون الهاتف آخر شيء نراه قبل النوم.
لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع.
لكن هناك مبدأ واحد يستحق أن نتفق عليه: يجب أن يكون القرار لنا.
وهذا يقود إلى السؤال الذي أراه جوهر الرفاهية الرقمية.
من يملك انتباهك؟
هل تفتح التطبيق لأن لديك هدفاً واضحاً، أم لأن دائرة حمراء ظهرت على الشاشة؟ هل تقرأ الخبر لأنك تحتاج إلى معرفته، أم لأن الخوارزمية قررت أن تضعه أمامك؟ هل تستخدم الهاتف، أم تستجيب له؟
في عصر الذكاء الاصطناعي ستصبح الرفاهية الرقمية أكثر أهمية. الأنظمة الرقمية أصبحت أقدر على فهم اهتماماتنا وتخصيص المحتوى والتنبؤ بما قد يجذب انتباهنا. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تصبح العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا أكثر تخصيصاً واستمراراً وقدرة على التأثير في السلوك.
ولذلك لن تكفي المهارات التقنية وحدها.
نحتاج إلى وعي رقمي وسلوك رقمي وقدرة على اتخاذ القرار. نحتاج إلى أن تصبح الرفاهية الرقمية جزءاً من مفهومنا الأوسع لمحو الأمية الرقمية.
فالإنسان المتمكن رقمياً ليس فقط من يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا، بل من يعرف أيضاً متى يستخدمها، ولماذا يستخدمها، ومتى يتجاهلها، ومتى يغلقها.
الرفاهية الرقمية لا تعني أن تستخدم التكنولوجيا أقل.
بل أن تستخدمها بوعي أكبر.
ولا تبدأ بحذف التطبيقات أو إغلاق الهاتف.
تبدأ بلحظة صغيرة جداً.
يصل إشعار إلى هاتفك.
وقبل أن تمد يدك إليه، تسأل نفسك:
هل أحتاج فعلاً إلى هذا الآن، أم أن هاتفي هو الذي قرر أنني أحتاج إليه؟



