الرئيسيةتكنولوجيامقالات

السيادة الرقمية .. نهج قائم على النتائج والأثر

مدونات البنك الدولي - أمبروز وونغ

باتت السيادة الرقمية واحدة من أبرز المفاهيم وأكثرها إثارةً للجدل التي تُوجِّه نهج البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل في التعامل مع عالَم يتزايد فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يوماً بعد يوم. ويكمن في صميم هذا النقاش واقعٌ عملي يتمثَّل في أن البنية التحتية والأنظمة التي تقوم عليها اقتصاداتها الرقمية غالباً ما تُبنى أو تُمتلك أو تُدار من قِبَل جهات لا تمتلك تلك البلدان سيطرة أو سلطة تنظيمية كاملة عليها. ومع قيام الذكاء الاصطناعي بإعادة رسمَ ملامح طريقة تقديم الحكومات للخدمات، لم تكن مسألة إدارة هذه الروابط أكثر إلحاحاً وأهمية مما هي عليه اليوم.

هذه شواغل مشروعة على صعيد السياسات. فمن إعلان إفريقيا بشأن الذكاء الاصطناعي إلى قمة تأثير الذكاء الاصطناعي التي استضافتها الهند، أصبحت السيادة موضوعاً محورياً مُتكرراً في النقاشات العالمية حول مستقبل البلدان الرقمي. غير أن علاقات الاعتماد المتبادل المتشابكة على المستوى العالمي عبر مختلف طبقات البنية الرقمية تفرض مفاضلات لا يسع كثيراً من البلدان تجاهلها.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي يتمثَّل في كيفية إدارة هذه المفاضلات على نحو إستراتيجي، من خلال اتخاذ خيارات وقرارات مدروسة بشأن مسائل جوهرية: مثل تحديد المجالات التي يستحق فيها الاستثمار في الملكية والسيطرة المحلية، والقدرات التي ينبغي بناؤها محلياً، والمجالات التي يكون فيها الاندماج مع البنية التحتية العالمية هو الخيار الأنفع.

تتباين الإجابة بحسب السياق. فبالنسبة للبلدان المتأثِّرة بالصراعات أو الدول الجزرية الصغيرة، قد تعني جهود السيادة في جوهرها الحفاظ على قدرة البنية التحتية على الصمود وضمان استمرارية الخدمات حين تتعرض الأنظمة للضغوط. أمَّا بالنسبة لاقتصاد صاعد يطمح إلى الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي، قد يتحوَّل التركيز نحو بناء القدرات المحلية وتشجيع نمو الشركات الناشئة المحلية العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي. في كلتا الحالتين، تبقى نقطة الانطلاق الحقيقية في صياغة نواتج واضحة تنسجم مع سياق كل بلد وطموحاته، ثم تحديد أنفع السبل لإدارة المفاضلات في مسار تحقيق تلك الأهداف.

تكاليف توطين البيانات في الميزان

يُعدّ توطين البيانات أحد خيارات السياسات التي تُبرز هذه المفاضلات بوضوح. وكثيراً ما يُحتجُّ بأن إبقاء البيانات داخل الحدود الوطنية يُسهم في صون حقوق المواطنين في بياناتهم، وتيسير تطبيق القوانين النافذة، ومكافحة الممارسات الاستغلالية وهيمنة المنصات على البيانات دون مساءلة.

غير أن الواقع يكشف أن توطين البيانات لا يُفضي بالضرورة إلى مساءلة حقيقية، إذ تتوقف نتائج حماية البيانات على المدى البعيد على متانة الأُطُر التنظيمية وقدرات التنفيذ والضمانات التقنية المُطبَّقة على البيانات. وكما أشار تقرير التنمية في العالم 2021، فإن الثقة في المنظومات الرقمية هي الركيزة الأساسية للتنمية الرقمية، ووجود نهجٌ قائم على الحقوق لحماية البيانات الشخصية يدعم ذلك.

في الوقت نفسه، قد تكون التكاليف المالية لنهج التوطين الشامل – الذي يُلزم بتخزين جميع البيانات ومعالجتها داخل الحدود الوطنية بصرف النظر عن حساسيتها أو مستوى المخاطر المرتبطة بها – باهظةً على الأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وتُظهر شواهد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن اشتراطات التوطين الصارمة أو الشاملة قد تؤدِّي إلى رفع تكاليف استضافة البيانات بصورة ملحوظة بنسبة تراوح بين 15% و55%، ولا سيما في ما يخص المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

يكشف توطين البيانات عن كيف أن خياراً واحداً على صعيد السياسات قد ينطوي على جملة من المفاضلات المحتملة. غير أن واضعي السياسات لا يتعيَّن عليهم مواجهة هذه الخيارات الصعبة بمفردهم.

من أهداف السيادة الوطنية إلى مسارات مشتركة

السيادة ليست مجرد هدف تسعى إليه كل دولة على حدة، بل إن الاقتصادات النامية التي تتشارك في الرؤى والمصالح تستطيع التعامل مع الاقتصاد الرقمي العالمي من موقف جماعي مُوحَّد يُعزِّز قدرتها على التأثير والتفاوض. تتجسَّد هذه المواقف الجماعية في الاتفاقيات الإقليمية التي تدعمها مجموعة البنك الدولي. فأُطُر عمل مثل إعلان كوتونو، الذي اعتمده وزراء الاقتصاد الرقمي من بلدان غرب ووسط إفريقيا، تُساعد البلدان على مواءمة أهدافها الإستراتيجية والمعيارية وتنسيق نُهُجها التنظيمية بمرور الوقت. وينسحب المنطق ذاته على إصلاحات المشتريات العامة والمناقصات الحكومية، حيث تتيح المعايير المشتركة ومتطلبات التشغيل البيني للبلدان التأثير الجماعي في ديناميكيات السوق.

في نهاية المطاف، تبقى السيادة قضية إنسانية حقاً؛ فهي قضية المواطنين والمجتمعات التي تسعى هذه السياسات إلى تحسين أحوالهم. وإشراك المجتمع المدني والمجتمعات المُتأثِّرة والقطاع الخاص وسائر الأطراف المعنية سيساعد على إبراز المفاضلات التي قد تغفل عنها الحكومات حين تعمل منفردة. وهنا بالضبط تضطلع مجموعة البنك الدولي بدورها جنباً إلى جنب مع البلدان النامية، حيث تدعم الحكومات في تحديد النتائج المرجوة بوضوح، وتقييم المفاضلات، والتواصل مع المجتمعات، وبناء القدرات اللازمة لتحويل الطموحات إلى مكتسبات حقيقية وراسخة في مسيرة التنمية الرقمية.

جدير بالاعتبار أن مجموعة البنك الدولي تعكف على إعداد دليل توجيهي سيُطلق قريباً. هذا الدليل يدعم نهجاً قائماً على تحقيق النواتج في مجال السيادة الرقمية، ويقدم إرشادات عملية للبلدان الساعية إلى تحقيق التوازن بين هذه الأهداف ونواتج التنمية الشاملة والأوسع نطاقاً.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى