من الصحيح إلى حد بعيد أن التاريخ يعيد إنتاج أنماط متشابهة، حتى إن لم تتكرر بحذافيرها. لكن الخطر يكمن في تشبيه الحاضر بحقبة تاريخية غير مناسبة، خصوصاً عند محاولة رصد فقاعات المضاربة وتجنبها.
المحتويات
وخلال الأسابيع الأخيرة، تشهد أسهم الذكاء الاصطناعي اضطرابات حادة، بعدما تسلل القلق إلى نفوس المستثمرين فجأة من أنهم كانوا يتابعون أصداء الفقاعة الخاطئة. وحتى الآن، استحوذت فقاعة الإنترنت الكبرى في 1999، التي انفجرت في 2000، على معظم الاهتمام. فأوجه التشابه واضحة؛ إذ ظهرت تكنولوجيا جديدة لم يكن أحد يعرف تماماً كيفية استغلالها، وانطلقت أسعار الأسهم إلى مستويات هائلة مع تدافع المستثمرين للشراء. غير أن هذا التصور بدأ يتغير.
ويقول فيتالي كاتسنلسون، الرئيس التنفيذي لشركة “إنفستمنت مانجمنت أسوشيتس” (Investment Management Associates): “كتبتُ سابقاً أن طرح الذكاء الاصطناعي يشبه إلى حد كبير استعادة لمشهد فقاعة الاتصالات في عام 1999. واليوم، بدأ الأمر يبدو أيضاً كما لو أن فقاعة 1999 تتضخم إلى نسخة أقرب إلى ما أدى إلى الأزمة المالية في 2008”.
ولا يُعد هذا تحولاً مطمئناً، فقد وفرت المقارنات مع 1999 قدراً غريباً من الطمأنينة. وتُعد فقاعات أسواق الأسهم المنفجرة، من نواحٍ عديدة، ثمناً للابتكار التكنولوجي، إذ يتردد المستثمرون في محاولة تسعير الاختراعات الجديدة لسنوات مقبلة. ولم تمنع تلك الفقاعات القنوات أو السكك الحديدية أو السيارات أو الإنترنت من إعادة تشكيل الاقتصاد، كما أن موجة بيع في سوق الأسهم لا يلزم أن توقف نمو الذكاء الاصطناعي.
إضافة إلى ذلك، لا يبدو الذكاء الاصطناعي، من منظور سوق الأسهم، متضخماً بالقدر نفسه الذي بلغته شركات الإنترنت. فأسعار الأسهم ترتفع فقط لأن أرباح شركات صناعة الرقائق وغيرها من الشركات المستفيدة من نمو الذكاء الاصطناعي قفزت بالفعل إلى مستويات هائلة. وإذا أمكن الحفاظ على هذه الأرباح، فلن تبدو أسهمها مرتفعة السعر بصورة لافتة. كما أن أسهم شركتي “مايكروسوفت” و”أبل”، اللتين كانتا موجودتين خلال فقاعة عام 1999، أرخص بكثير الآن مما كانت عليه حينذاك.
وعشية حلول الألفية، كانت شركات تُطرح للاكتتاب العام من دون أن تكون قد حققت أي أرباح على الإطلاق، بل من دون تسجيل أي إيرادات في بعض الحالات. وحتى في ذلك الوقت، كانت التقييمات عبثية بوضوح. أما هذه المرة، فالوضع مختلف بالفعل، إذ تجني شركة “إنفيديا” وغيرها من مجموعات الذكاء الاصطناعي الكبرى أموالاً طائلة.
فقاعات الائتمان
يبدأ المستثمرون الآن في التقاط أصداء فقاعة أخرى، هي انهيار البنية الهائلة للائتمان المدعوم بالرهون العقارية في 2008، الذي تسبب في الأزمة المالية العالمية والركود الكبير. وكان ذلك الانهيار مدفوعاً بإفراط الشركات في الاقتراض، والبنوك في الإقراض، مع استخدام أصول ثابتة مقوّمة بأعلى من قيمتها ضماناً للقروض. وإذا كانت المنازل هي المثال آنذاك، فإن مراكز البيانات هي المقابل اليوم. فإذا اتضح، بعد بنائها، عدم وجود طلب على خدماتها، فقد يواجه الدائنون المشكلة نفسها التي واجهها ممولو المنازل التي عجز أصحابها عن سداد الرهون العقارية.
وتثير هذه السابقة التاريخية القلق لأن فقاعات الائتمان يمكن أن تُلحق أضراراً أشد بكثير. فعندما تنتهي موجات الهوس بأسواق الأسهم، فإنها لا تفعل سوى تبديد ثروات لم توجد قط إلا على الورق. وكان الركود الذي أعقب انهيار 2000 من أخف حالات الركود في الذاكرة، كما لم يمنع انفجار الفقاعة الإنترنت من تغيير المجتمع، ومن تحقيق ثروات طائلة لكثيرين في نهاية المطاف.
أما انهيارات الائتمان، فتؤدي إلى خسائر وعمليات بيع قسرية وحالات إفلاس. وكما يقول كاتسنلسون، لم يكن انخفاض أسعار المنازل هو ما أسقط الاقتصاد قبل عقدين، بل “انهيار الأدوات المالية المرتبطة بالإسكان، الذي أصاب النظام المصرفي والمالي بالعدوى”. وسيكون من المبالغة الادعاء بأن مراكز البيانات قد تتسبب في تكرار كامل لأزمة 2008. لكن تلك الواقعة تقدم نموذجاً مرجعياً للمخاطر التي ينبغي مراقبتها. وفي ظل بدء المستثمرين التدقيق في الأمر، باتت أوجه التشابه واضحة.
مبادلات التعثر ورادار السوق
هل تستطيع “شركات الحوسبة فائقة النطاق”، وهي مجموعات منصات الإنترنت العملاقة التي تتصدرها شركات “ألفابت” (Alphabet Inc) و”أمازون دوت كوم” (Amazon.com Inc) و”ميتا بلاتفورمز” (Meta Platforms Inc) و”مايكروسوفت” والتي تبني مراكز البيانات وغيرها من البنية التحتية التي سيحتاج إليها الذكاء الاصطناعي، مواصلة تمويل ديونها؟ تتمثل المؤشرات المالية الحاسمة التي ينبغي مراقبتها في مبادلات العجز عن السداد الائتماني. وفي صدى آخر للأزمة المالية العالمية، تتيح هذه الأدوات للمستثمرين التأمين ضد مخاطر تعثر المقترض عن السداد. وترتفع أسعارها كلما ازداد قلق المستثمرين بشأن قدرة الشركات على الوفاء بديونها.
وينعكس ذلك بصورة ملموسة على القدرة على الاقتراض. فكلما ارتفعت مخاطر التعثر، طالب المقرضون بأسعار فائدة أعلى قبل تقديم مزيد من الأموال. وفي 2008، أدى ذلك إلى نشوء حلقة مفرغة وحرمان الشركات من التمويل. وسيشعر أي شخص اكتوى بتلك التجربة بالقلق من السعر الحالي لمبادلات العجز عن السداد الخاصة بشركة “أوراكل” (Oracle Corp). وتنفق الشركة بكثافة لترسيخ موقعها بين شركات الحوسبة فائقة النطاق في مجال الذكاء الاصطناعي، ما جعل تكلفة التأمين ضد تعثرها أعلى مما كانت عليه في أي وقت خلال الأزمة قبل 18 عاماً.
يقدّر جيتيش كومار، استراتيجي الائتمان لدى “سوسيتيه جنرال” (Societe Generale SA)، أن مخاطر التعثر الضمنية لشركة “أوراكل” تتجاوز الآن 16%. وتمثل الشركة حالة استثنائية ترفع بصورة كبيرة متوسط المخاطر لدى شركات الحوسبة فائقة النطاق. لكن ثمة ما يدعو إلى القلق بشأن الاتجاه العام. ويقول كومار إن احتمال تعثر شركة الحوسبة فائقة النطاق المتوسطة كان قبل خمسة أعوام أقل بنحو الثلثين، مقارنة بمتوسط الشركات ذات التصنيف الاستثماري. ولم تتعثر هذه الشركات تاريخياً قط، كما كانت احتياجاتها الرأسمالية محدودة. أما الآن، فتزيد مخاطر تعثرها بنحو 80% على المتوسط.
ونظراً إلى أن القطاع لا يزال في طور التشكل، تملك شركات منافسة عدة فرصة لترسيخ موقعها في الصدارة. ويجعلها ذلك مترددة في تقليص الإنفاق، حتى في مواجهة الشكوك المتزايدة بشأن الائتمان والتقلبات المفاجئة في أسعار أسهمها. ويقول فيكتور شفيتس من “ماكواري” (Macquarie): “ببساطة، تعتقد الشركات التي توسّع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي حالياً أن مخاطر التخلف عن المنافسين تفوق بكثير مخاطر الإفراط في الاستثمار وتراجع العوائد على المدى الطويل. وهذه وصفة مثالية لفقاعة بقدر أي وصفة أخرى”.
قلق التدفقات النقدية الحرة
ويظهر التشابه الجديد مع 2008 أيضاً في القلق المتأخر بشأن التدفقات النقدية الحرة. وتسلل هذا القلق إلى كثير من المستثمرين بسبب صدى تاريخي آخر وُضع في غير موضعه. فقبل عقد، كانت الأسواق متحمسة لأسهم مجموعة “فانج” (FANGs)، التي ضمت “فيسبوك” و”أمازون” و”نتفليكس و”جوجل”، وهي شركات رسخت هيمنتها على قطاعات محددة من الإنترنت، واستطاعت تحويل هذه الهيمنة إلى أرباح من دون حاجة تُذكر إلى رؤوس أموال إضافية.
وكانت تكنولوجيا المعلومات دائماً قطاعاً “خفيف الاحتياجات الرأسمالية”، يعتمد على القدرات البشرية والفكرية بدلاً من الأصول الثابتة الضخمة. وقد أوصلت شركات “فانج” هذا النموذج إلى ذروته.
وكما يشير روب ألميدا، كبير استراتيجيي الاستثمار لدى “إم إف إس” (MFS)، فإن الأموال التي يدفعها كل شخص يفتح حساباً جديداً لدى “نتفليكس” تحقق هامشاً قدره 100%. فلا تكاد تتحمل شركة ذات احتياجات رأسمالية قليلة، مثل منصة بث الفيديو، أي تكلفة عند إضافة عملاء جدد. ويعني ذلك تمتعها برافعة تشغيلية هائلة. لكن الأمر لا ينطبق على الشركات المعروفة عموماً باسم “السبعة العظماء”، التي تعمل على بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، رغم أن عدداً منها كان ينتمي سابقاً إلى مجموعة “فانج”.
وقال ألميدا: “لا توجد رافعة تشغيلية، وكل استعلام يولّد تكاليف. فهو يحتاج إلى كهرباء وذاكرة وقدرة حوسبية. ومن هذه الناحية، يمثل ذلك النقيض تماماً لنموذج شركات فانج”.
ومع ترسخ هذا النوع من التفكير، تبدلت نفسية المستثمرين. ويلاحظ ستيف سوسنيك من “إنتراكتيف بروكرز” (Interactive Brokers): “لفترة من الوقت، تزامنت تقريباً مع صعود مجموعة السبعة العظماء، أو ما يُعرف اختصاراً باسم “ماج 7″، كان كل إنفاق يُعد إنفاقاً جيداً.
وكانت مقولة واين جريتزكي: ‘إنك تخفق في 100% من التسديدات التي لا تنفذها’، تلخص تلك العقلية. لكن هذا التفكير تغير إلى حد ما بمرور الوقت. فتكلفة كل تسديدة نحو مرمى ثابت في مباراة هوكي، ولا سيما عندما ينفذها أحد أعظم اللاعبين على مر العصور، تكاد تكون معدومة. أما تكلفة محاولة إصابة هدف الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، الذي يتغير باستمرار، فهي باهظة للغاية”.
ولا يشبه ذلك إطلاقاً حقبة شركات الإنترنت، حين كانت الشركات تتعرض للعقاب إذا خفضت خسائرها أو كبحت إنفاقها، لأن ذلك كان يعني أنها تستثمر بدرجة أقل في مستقبلها. وبفضل هذا المنطق، استطاعت “أمازون” إبقاء المستثمرين في حالة انتظار حتى 2003، أي بعد ستة أعوام من طرحها للاكتتاب العام، قبل أن تحقق أول أرباحها.
النقد ملك مجدداً
دفع التركيز على ضبط التكاليف المستثمرين إلى تجديد اهتمامهم بالتدفقات النقدية، التي باتوا ينظرون إليها على أنها ربما أكثر أهمية من الأرباح نفسها. فقد أعلنت “ألفابت” نتائج قوية للربع الثاني، تجاوزت التوقعات بفارق كبير، لكن المستثمرين انشغلوا باستهلاك الشركة 6 مليارات دولار من السيولة، وبخططها لزيادة النفقات الرأسمالية بدرجة أكبر. وتلقى السهم ضربة قاسية، في سلوك أقرب كثيراً إلى 2008 منه إلى 1999. كما واجهت “ميتا” مصيراً مشابهاً بعدما أعلنت تراجع تدفقاتها النقدية الحرة بنسبة 90% خلال الربع، إذ ضُخت الأموال التي كان من الممكن سابقاً توزيعها على المستثمرين في مراكز البيانات والرقائق.
ومع نضوب احتياطيات السيولة، لا عجب في أن يُتوقع اقتراض شركات الحوسبة فائقة النطاق أكثر من 200 مليار دولار هذا العام، ارتفاعاً من 125 مليار دولار العام الماضي، أو أن يعبّر المستثمرون عن قلقهم ببيع الأسهم. وحتى الآن، وفي تشابه مقلق آخر مع 2008، استطاعت هذه الشركات الاقتراض بتكلفة شديدة الانخفاض، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى تدخل الاحتياطي الفيدرالي لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة طوال عقد أعقب الأزمة المالية العالمية، ثم تدخله مجدداً بعد الجائحة. لكن ذلك تغير.
ويقول ديفيد روبرتس من “نيدجروب” (Nedgroup): “ما العامل المشترك بين جميع شركات الحوسبة فائقة النطاق؟ لقد راكمت ديوناً رخيصة خلال فترة التيسير الكمي وما بعد الأزمة المالية العالمية، بهدف الاستحواذ على منافسيها والسعي إلى التوسع الذاتي. وكانت تكلفة تلك الديون منخفضة أكثر مما ينبغي، لذلك أفلتت الشركات من تبعاتها. أما الآن، ومع عودتنا إلى «الوضع الطبيعي القديم»، فعلى الشركات دفع تكلفة أعلى مقابل الديون.
وهذا يعني أن التوسع في الميزانية العمومية القائم على الأمل وحده أصبح أكثر خطورة بكثير، ويحتاج إلى توليد إيرادات تُبقي أسواق السندات مطمئنة”.
ولا تزال التكنولوجيا في طور التشكل. وحتى الآن، كانت إيرادات الذكاء الاصطناعي استثنائية، وهو ما يُبقي مستثمري الائتمان بعيدين عن القلق. لكن استمرار ذلك يظل ضرورياً. وفي الواقع، من الصحي أن تخضع موجة الإنفاق هذه لرقابة مستثمري الائتمان الذين ينظرون إليها من منظور 2008، لا لمستثمري الأسهم الذين يستمدون الطمأنينة من أوجه التشابه مع 1999.



