الرئيسيةتكنولوجياخاصمحليمقالات

بعد إلغاء الرخصة البلاستيكية… هل حان الوقت لرقمنة خدمات ترخيص المركبات بالكامل؟

هاشتاق عربي – وصفي الصفدي

يشهد الأردن تحولًا رقميًا متسارعًا في الخدمات الحكومية، وأصبحت دائرة ترخيص السواقين والمركبات من أبرز المؤسسات التي قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجال. فمن إطلاق الرخصة الرقمية عبر تطبيق “سند”، إلى الإعلان عن الاستغناء عن الرخصة البلاستيكية، مرورًا بتطوير خدمات الترخيص من داخل المركبة (Drive-Thru)، وصولًا إلى تعديل تعليمات الفحص الفني وإعفاء المركبات الحديثة من الفحص خلال السنوات الخمس الأولى، واعتماد الفحص الفني كل سنتين للمركبات الأقدم وفق آلية الزوجي والفردي، تؤكد هذه الإجراءات أن دائرة الترخيص تتبنى نهجًا واضحًا لتبسيط الخدمات ورفع كفاءتها.

هذه الإنجازات تستحق الإشادة، لأنها لم تقتصر على رقمنة الوثائق، بل امتدت إلى تبسيط الإجراءات التنظيمية وتقليل عدد مرات مراجعة مراكز الترخيص، وهو ما انعكس إيجابًا على المواطن وعلى كفاءة العمل داخل الدائرة.

لكن نجاح المرحلة الأولى من التحول الرقمي يطرح سؤالًا منطقيًا: هل يمكن أن تصبح رحلة ترخيص المركبة بأكملها رحلة رقمية متكاملة؟

الفحص الفني… نقطة الانطلاق

اليوم تبدأ رحلة الترخيص بالفحص الفني، وهو الإجراء الوحيد الذي يتطلب وجود المركبة فعليًا داخل مركز الترخيص. فإذا اجتازت المركبة الفحص ولم تسجل عليها أي ملاحظات فنية، تحصل على الموافقة الفنية التي تسمح باستكمال بقية الإجراءات.

وهنا تبدأ سلسلة من الخطوات الإدارية التي تشمل التحقق من التأمين، وتدقيق المخالفات المرورية، وسداد المستحقات، ثم إصدار الرخصة الرقمية المجددة.

وقد نجحت دائرة الترخيص في تحقيق مستوى جيد من التكامل الإلكتروني مع شركات التأمين وأنظمة المخالفات المرورية، حيث يتم تبادل البيانات إلكترونيًا، وهو تطور مهم مقارنة بما كان عليه الحال في السابق. إلا أن هذا التكامل ما يزال يركز على تبادل المعلومات بين الأنظمة أكثر من إعادة تصميم رحلة الخدمة نفسها، وهو ما يجعل بعض الإجراءات مرتبطة بخط سير المركبة داخل مركز الترخيص رغم إمكانية إنجازها رقميًا.

الحكومة الرقمية.. عندما ينتقل تعقيد الإجراءات من أروقة المكاتب إلى شاشات التطبيقات

أين تكمن فرصة التطوير؟

لنأخذ مثالًا بسيطًا.

مالك مركبة لديه تأمين شامل ساري المفعول، أتم جميع إجراءاته مع شركة التأمين قبل حضوره إلى مركز الترخيص. وبعد اجتياز الفحص الفني، لا يحتاج إلى إصدار تأمين إلزامي داخل المركز، ومع ذلك يبقى ضمن مسار المركبات نفسه الذي يستخدمه أصحاب المركبات الراغبون بإصدار التأمين الإلزامي.

ومثال آخر، قد يكون مالك المركبة قد سدد جميع مخالفاته المرورية إلكترونيًا قبل وصوله إلى مركز الترخيص، إلا أن المركبة ما تزال تمر بإجراءات التحقق ضمن المسار نفسه، رغم أن النظام قادر على التحقق من ذلك إلكترونيًا خلال ثوانٍ.

هذه الإجراءات ليست خاطئة، لكنها تعكس أن رحلة المتعامل ما تزال مصممة وفق تسلسل إداري تقليدي، وليس وفق مفهوم الرحلة الرقمية المتكاملة.

من رقمنة الخدمات إلى تكامل الخدمات

المرحلة القادمة لا تتطلب إنشاء خدمات جديدة بقدر ما تتطلب إعادة هندسة الإجراءات (Business Process Reengineering).

فبمجرد اجتياز المركبة للفحص الفني، يمكن أن تصبح الموافقة الفنية بمثابة نقطة الانطلاق الرقمية التي تفعّل بقية الخدمات تلقائيًا عبر تطبيق سند أو منصة دائرة الترخيص.

فعند اعتماد نتيجة الفحص الفني، يستطيع النظام مباشرة:

  • التحقق من وجود تأمين شامل ساري.
  • أو إتاحة إصدار التأمين الإلزامي إلكترونيًا عند الحاجة.
  • التحقق من المخالفات المرورية وعرضها إن وجدت.
  • تمكين المواطن من سداد المخالفات ورسوم الترخيص إلكترونيًا عبر “إي فواتيركم” أو وسائل الدفع الرقمية الأخرى.
  • إصدار الرخصة الرقمية مباشرة بعد اكتمال جميع المتطلبات.

وبذلك تصبح رحلة الترخيص سلسلة مترابطة من الخدمات الرقمية، دون الحاجة إلى انتظار المركبة في مسار واحد لإنجاز إجراءات لا تتطلب وجودها الفعلي.

لماذا يعد هذا التحول مهمًا؟

الفائدة لا تقتصر على اختصار وقت المواطن، بل تمتد إلى تحسين كفاءة التشغيل داخل مراكز الترخيص.

فعندما تُنجز إجراءات التأمين، والتحقق من المخالفات، والدفع إلكترونيًا بعد الفحص الفني، سينخفض عدد المركبات المنتظرة داخل مراكز الترخيص، وستصبح المسارات الميدانية مخصصة للحالات التي تتطلب وجود المركبة فقط، مثل الفحص الفني أو معالجة الملاحظات الخاصة.

وسينعكس ذلك على تقليل الازدحام، ورفع الطاقة الاستيعابية للمراكز، وتحسين استغلال الموارد البشرية، وتقليل الكلف التشغيلية، وتعزيز الشفافية، ورفع مستوى رضا المواطنين.

مرحلة جديدة من التحول الرقمي

لقد أثبتت دائرة ترخيص السواقين والمركبات قدرتها على قيادة مشاريع تحول رقمي مؤثرة، بدءًا من الرخصة الرقمية، مرورًا بإلغاء الرخصة البلاستيكية، وانتهاءً بتطوير نظام الفحص الفني. وهذه الإنجازات تؤكد أن البنية الرقمية أصبحت ناضجة بما يكفي للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا.

فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقاس بعدد الخدمات الإلكترونية، وإنما بقدرة المواطن على إنجاز رحلته كاملة من خلال تجربة موحدة ومترابطة، دون الحاجة إلى التنقل بين الإجراءات أو الانتظار لإنجاز عمليات يمكن أن تتم آليًا.

إن المرحلة القادمة ليست رقمنة خدمة جديدة، بل رقمنة رحلة الترخيص بأكملها.

وعندما يصبح الفحص الفني هو الإجراء الميداني الوحيد، بينما تُستكمل جميع الخطوات اللاحقة رقميًا عبر منصة موحدة تربط دائرة الترخيص، وشركات التأمين، ونظام المخالفات المرورية، وإي فواتيركم، وتطبيق سند، فإن الأردن سيكون قد انتقل من مفهوم الخدمة الرقمية إلى مفهوم الحكومة الرقمية المتكاملة، وهي المرحلة التي ستقدم للمواطن تجربة أكثر سرعة وكفاءة ومرونة، وستجعل من دائرة الترخيص نموذجًا وطنيًا في إعادة هندسة الخدمات الحكومية، وليس فقط في أتمتتها.

وصفي الصفدي

خبير في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بخبرة تزيد عن عشرين عاما، وكان قد عمل في العديد من كبريات الشركات في الأردن والمنطقة العربية التي تعمل في هذا القطاع، في مناصب قيادية، مثل رئيس تنفيذي، ومدير عام، ونائب رئيس تنفيذي، ونائب الرئيس التنفيذي التسويق. والصفدي له خبرة واسعة في مجال تسويق العلامة التجارية، وإدارة الربح والخسارة، الإدارة العامة والقيادة، التخطيط الاستراتيجي، الحملات التسويقية والترويجية، تصنيف الأسواق، خدمة العملاء، تطوير المنتجات، الموارد البشرية، وتكنولوجيا المعلومات، إدارة الموردين، الخدمات اللوجستية، المبيعات وتطوير الأعمال، تطوير ومراقبة مؤشرات الأداء الرئيسية، التحول الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والمحافظ الماليه الرقمية، والهوية الرقمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى