الرئيسيةتطبيقات ذكيةخاصمقالات

الحكومة الرقمية.. عندما ينتقل تعقيد الإجراءات من أروقة المكاتب إلى شاشات التطبيقات

تجربة المستخدم المعيار الحقيقي لنجاح الخدمات الحكومية

هاشتاق عربي – وصفي الصفدي

 

شهد الأردن خلال السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في مسيرة التحول الرقمي، وأصبحت خدمات حكومية عديدة متاحة إلكترونيًا، الأمر الذي وفر على المواطنين الوقت والجهد، وأسهم في تبسيط كثير من الإجراءات. إلا أن التجارب العالمية تؤكد أن نجاح الحكومة الرقمية لا يُقاس بعدد الخدمات المتاحة عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، بل بمدى سهولة استخدامها، وقدرتها على تمكين المستفيد من إنجاز معاملته من البداية إلى النهاية بسلاسة ووضوح.

فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقتصر على نقل الإجراءات الورقية إلى شاشة الهاتف أو الحاسوب، وإنما يقوم على إعادة تصميم الخدمة نفسها، بحيث تصبح أكثر بساطة وكفاءة، ويختفي التعقيد الإداري من أمام المستفيد، حتى وإن بقي موجودًا في الخلفية بين الأنظمة والمؤسسات.

الحكومة الرقمية
الحكومة الرقمية

التجربة الواقعية… أفضل وسيلة لاكتشاف فرص التطوير

تُظهر التجارب اليومية للمستفيدين أن الخدمات الرقمية، مهما بلغت درجة نضجها، تظل بحاجة إلى التطوير المستمر. ففي إحدى الحالات، تمكن أحد المواطنين من إنجاز جزء من معاملة تجديد جوازات السفر لأفراد أسرته إلكترونيًا بنجاح، بينما واجه جزء آخر من المعاملة تحديات مرتبطة باستكمال متطلبات أحد الطلبات.

هذه التجربة لا تشير إلى خلل في فكرة الخدمة الرقمية، بل تكشف أن الاستخدام الفعلي هو أفضل وسيلة لاكتشاف فرص التطوير. فكل معاملة ناجحة، وكل ملاحظة يواجهها المستفيد، تمثل فرصة لإعادة النظر في تفاصيل الخدمة وتحسينها.

ولهذا، تنظر الحكومات المتقدمة إلى ملاحظات المستفيدين باعتبارها مصدرًا مهمًا لتطوير الخدمات، وليس مجرد شكاوى تُغلق بعد الرد عليها.

المستفيد لا يعنيه اسم الجهة… بل إنجاز الخدمة

من المبادئ التي تتفق عليها التجارب الدولية أن المستفيد لا ينبغي أن يكون مطالبًا بمعرفة الجهة المسؤولة عن كل خطوة في الخدمة.

فعندما يحتاج طلب ما إلى تعديل أو استكمال، ينبغي أن تتولى الأنظمة الحكومية التنسيق فيما بينها، وأن تكون هناك جهة واضحة مسؤولة عن متابعة الطلب حتى اكتماله، دون أن يضطر المستفيد إلى التنقل بين أكثر من مؤسسة أو قناة دعم لمعرفة من يملك الحل.

وقد طبقت دول مثل إستونيا وسنغافورة هذا المفهوم من خلال بناء خدمات مترابطة تتبادل البيانات فيما بينها بصورة آمنة، بحيث تبدو للمستفيد خدمة واحدة، حتى وإن شاركت في تقديمها عدة مؤسسات حكومية.

تعديل الطلب يجب أن يكون جزءًا من الخدمة

من أكثر الممارسات انتشارًا في الخدمات الحكومية الرقمية المتقدمة، إتاحة استكمال الطلب أو تعديل مرفقاته من داخل الخدمة نفسها.

فعندما يحتاج المستفيد إلى استبدال صورة شخصية أو إعادة رفع مستند، يستطيع تنفيذ ذلك مباشرة، دون الحاجة إلى إلغاء الطلب أو إعادة تقديمه أو البدء بالإجراءات من جديد.

إن توفير مثل هذه المرونة لا يختصر الوقت فحسب، بل يقلل الضغط على مراكز المساندة الفنية، ويرفع نسبة إنجاز المعاملات من المحاولة الأولى.

التقنية يجب أن تقوم بالعمل نيابة عن المستفيد

من غير المنطقي، في ظل التطور التقني الحالي، أن يتحمل المستفيد مسؤولية تنفيذ مهام يمكن للنظام إنجازها تلقائيًا.

ففي كثير من التطبيقات الحديثة، يتولى النظام ضغط الصور، وتحسين جودتها، والتحقق من مطابقتها للمتطلبات الفنية قبل رفعها، دون الحاجة إلى استخدام تطبيقات خارجية أو تعديل حجم الملف يدويًا.

ورغم أن مثل هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، فإنها تحدث فرقًا كبيرًا في تجربة الاستخدام، لأنها تختصر الوقت، وتقلل الأخطاء، وتجعل الخدمة أكثر سلاسة.

الشكاوى المتكررة ليست عبئًا… بل مصدرًا للتطوير

توفر منصات التواصل الاجتماعي نافذة مباشرة على تجربة المستفيدين مع الخدمات الحكومية الرقمية.

وعندما تتكرر الملاحظات نفسها على مدى أشهر، فإنها تتحول من حالات فردية إلى مؤشرات يمكن الاستفادة منها في تحديد أولويات التطوير.

وفي هذا السياق، لا تقتصر أفضل الممارسات العالمية على الرد على الاستفسارات، بل تعتمد تحليل الملاحظات المتكررة، وقياس أسبابها، ثم إدخال التحسينات اللازمة على الخدمة، حتى تقل الحاجة إلى تقديم الشكوى أصلًا.

فنجاح المساندة الفنية لا يقاس بعدد الرسائل التي تمت الإجابة عنها، وإنما بانخفاض عدد المشكلات المتكررة مع مرور الوقت.

التطوير المستمر هو معيار نضج الحكومة الرقمية

تتبنى الحكومات الرقمية الرائدة نهجًا يقوم على أن إطلاق الخدمة ليس نهاية المشروع، بل بدايته.

ولهذا تُراقب طريقة استخدام الخدمات، وتُحلل نقاط التعثر، وتُقاس مدة إنجاز المعاملات، ونسب الطلبات غير المكتملة، ومستوى رضا المستفيدين، ثم تُستخدم هذه النتائج في إصدار تحديثات متواصلة تجعل الخدمة أكثر كفاءة في كل مرحلة.

فالتحول الرقمي مشروع دائم التطور، وليس إنجازًا يُكتفى بإعلانه.

الأردن يمتلك المقومات… والمرحلة المقبلة هي تحسين التجربة

لقد أثبت الأردن قدرته على إنجاز خطوات مهمة في مجال التحول الرقمي، وأصبح يمتلك بنية رقمية وخدمات حكومية تشكل أساسًا قويًا للبناء عليها.

والمرحلة المقبلة يمكن أن تركز بصورة أكبر على جودة تجربة المستفيد، وتعزيز الترابط بين الأنظمة الحكومية، وتمكين المستفيد من إنجاز معاملاته بسهولة أكبر، والاستفادة من التغذية الراجعة لتطوير الخدمات بصورة مستمرة.

فالهدف لم يعد مجرد زيادة عدد الخدمات الرقمية، وإنما الوصول إلى خدمات ذكية، مرنة، وسهلة الاستخدام، تجعل التقنية تعمل في الخلفية، بينما ينصب اهتمام المستفيد على إنجاز معاملته فقط.

الحكومة الرقمية تبدأ من الإنسان

لقد أثبتت التجارب الدولية أن أفضل الخدمات الحكومية ليست الأكثر تعقيدًا من الناحية التقنية، بل الأكثر بساطة من وجهة نظر المستفيد.

وعندما يصبح تعديل الطلب جزءًا طبيعيًا من الخدمة، وتتكامل الأنظمة الحكومية فيما بينها، وتُحلل الملاحظات المتكررة، وتُزال الخطوات غير الضرورية، تتحول الحكومة الرقمية من مشروع تقني إلى تجربة إنسانية تُيسر حياة الناس، وتعزز الثقة بالمؤسسات، وترفع كفاءة الخدمات العامة.

فالإنسان هو نقطة البداية، وهو أيضًا المعيار الحقيقي لنجاح أي حكومة رقمية. وكلما اقترب تصميم الخدمات من احتياجاته وتوقعاته، اقتربت الحكومة الرقمية من تحقيق غايتها الأساسية: تقديم خدمة عامة أكثر جودة، وأكثر كفاءة، وأكثر قربًا من المواطن.

 

وصفي الصفدي

خبير في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بخبرة تزيد عن عشرين عاما، وكان قد عمل في العديد من كبريات الشركات في الأردن والمنطقة العربية التي تعمل في هذا القطاع، في مناصب قيادية، مثل رئيس تنفيذي، ومدير عام، ونائب رئيس تنفيذي، ونائب الرئيس التنفيذي التسويق. والصفدي له خبرة واسعة في مجال تسويق العلامة التجارية، وإدارة الربح والخسارة، الإدارة العامة والقيادة، التخطيط الاستراتيجي، الحملات التسويقية والترويجية، تصنيف الأسواق، خدمة العملاء، تطوير المنتجات، الموارد البشرية، وتكنولوجيا المعلومات، إدارة الموردين، الخدمات اللوجستية، المبيعات وتطوير الأعمال، تطوير ومراقبة مؤشرات الأداء الرئيسية، التحول الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والمحافظ الماليه الرقمية، والهوية الرقمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى