وفي مايو، تفوقت مبيعات السيارات الصينية على نظيرتها اليابانية في أوروبا للمرة الأولى، رغم الرسوم الجمركية التي فرضها الاتحاد الأوروبي قبل عامين. وقد منح الجانبان نفسيهما مهلة حتى أكتوبر للتوصل إلى خطة مشتركة لمعالجة هذا الاختلال التجاري.
المحتويات
كيف غذّت الحكومات المحلية طفرة السيارات الكهربائية؟
من شأن فهم كيفية وصول قطاع السيارات الكهربائية في الصين إلى هذا الوضع أن يفسر سبب غياب الحلول السهلة. أول ما ينبغي إدراكه أن السلطات المركزية لم تكن تعتزم في الأصل احتضان هذا العدد الهائل من شركات صناعة السيارات. فبحسب شركة “أليكس بارتنرز” (AlixPartners)، يوجد اليوم أكثر من 140 علامة تجارية تنتج مركبات الطاقة النظيفة، بما يشمل السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات والسيارات الهجينة.
غير أن دراسة نُشرت في العدد الصادر هذا الشهر من الدورية الأكاديمية “ذا تشاينا جورنال” (The China Journal)، تشكك في الفرضية السائدة التي تعتبر أن السياسات الصناعية الموجهة من أعلى الهرم كانت المحرك الرئيسي لطفرة السيارات الكهربائية في الصين. وأشار الباحثان فنغمينغ لو وشياو ما إلى أن سياسات الإصلاح التي بدأت في ثمانينات القرن الماضي كانت تميل إلى دعم شركات صناعة السيارات الحكومية الكبرى.
في وقتها، كانت هناك تسع شركات رئيسية، من بينها “تشاينا إف إيه دبليو غروب” (China FAW Group) و”سايك موتور” (SAIC Motor)، التي أُغدق عليها بالمعاملة التفضيلية بما يشمل الائتمان الحكومي والقروض المدعومة، فضلاً عن أولوية اختيار الشركاء عند دخول شركات السيارات الأجنبية إلى الصين لتأسيس مشاريع مشتركة مقابل الحصول على موطئ قدم في السوق الصينية الناشئة.
ورغم أن بكين فرضت قيوداً صارمة على دخول شركات جديدة إلى القطاع، فإن الحكومات المحلية، مدفوعة بالرغبة في خلق الوظائف وزيادة الإيرادات الضريبية وتعزيز مكانتها، بدأت تتصرف بعقلية الشركات. فتحولت إلى مستثمر ومروج، بل وإلى مالك في بعض الحالات، لشركات صناعة السيارات المحلية.
صحيح أن هذا النهج كان جذاباً للحكومات المحلية، لكنه أدى في نهاية المطاف إلى فائض كبير في الطاقة الإنتاجية، وهو ما بات يضغط على أرباح عديد من شركات صناعة السيارات العالمية. وقالت “مرسيدس-بنز جروب” (Mercedes-Benz Group) الأسبوع الماضي إن المنافسة المحتدمة أسهمت في تراجع تسليماتها خلال الربع الثاني بنسبة 8%. كما خفضت “بي إم دبليو” (BMW) توقعاتها للأرباح في يونيو، فيما أفادت تقارير بأن مسؤولي “فولكس واجن” (Volkswagen) باتوا يشعرون بقلق متزايد حيال قدرة الشركة على الصمود على المدى الطويل.
التنافس المحلي صنع العمالقة وأنتج فائضاً في المعروض
نشأت عديد من أكبر شركات السيارات الكهربائية اليوم بعدما لجأت الحكومات المحلية إلى الالتفاف على القيود عبر إقامة شراكات مع شركات خاصة. كما منحها انطلاقها كشركات صاعدة تنافس من موقع أضعف مرونةً أكبر من نظيراتها المملوكة للدولة، ما مكنها في نهاية المطاف من فرض هيمنتها على القطاع.
تأسست شركة “شيري” (Chery)، أكبر مُصدّر للسيارات في الصين، بعدما باعت مدينة ووهو، في مقاطعة آنهوي شرق البلاد، إحدى شركات الأسمنت التابعة لها وقررت دخول صناعة السيارات. أما “جيلي” (Geely) التي تنافس “بي واي دي” (BYD) على صدارة مبيعات السيارات الكهربائية، فقد حظيت بدعم من حكومة مقاطعة تشجيانغ الثرية. في المقابل، تعاونت “بي واي دي”، ومقرها شنتشن، مع عدد من الحكومات المحلية خلال مسيرة توسعها.
وأفرز هذا النموذج الذي انطلق من القاعدة إلى الأعلى، بعضاً من أنجح الشركات الصينية. لكنه في الوقت نفسه شجع المسؤولين المحليين على دعم أكبر عدد ممكن من الشركات المتنافسة، ما أدى إلى فائض في الطاقة الإنتاجية. وفي حين قلصت أزمة القطاع العقاري التي بدأت قبل خمسة أعوام، إيرادات الحكومات المحلية من مبيعات الأراضي، فإنها عززت في المقابل حوافزها لتطوير قطاعات صناعية تنعش خزائنها.
لماذا يصعب تقليص فائض الإنتاج في الصين؟
قد يفسر ذلك سبب عدم التراجع الكبير في عدد شركات صناعة السيارات العاملة في قطاع مركبات الطاقة الجديدة، رغم تآكل هوامش الربح وتراجع مستويات الربحية بفعل احتدام المنافسة. ففي العام الماضي، دخلت 23 علامة تجارية جديدة إلى السوق، مقابل خروج 9 علامات فقط.
ورغم أن موجة الاندماجات تبدو الخيار الأكثر منطقية من الناحية الاقتصادية، فإنها غالباً ما تصطدم باعتبارات سياسية. فما تزال الحكومات المحلية مترددة في السماح بانهيار الشركات التي تتخذ من مدنها مقراً لها، لما تمثله من مصدر محتمل لخلق الوظائف في ظل تباطؤ الاقتصاد. وتفرض هذه المعادلة تحدياً معقداً على بكين وشركائها التجاريين.
ينبغي لأوروبا أن تدرك أن فائض الطاقة الإنتاجية في الصين ليس مجرد نتاج للتخطيط المركزي أو الدعم الحكومي، بل هو أيضاً حصيلة سنوات من التنافس بين الحكومات المحلية التي سعت كل منها إلى بناء شركات صناعية رائدة خاصة بها. وهذا الإرث يفسر لماذا لا توجد حلول سريعة.



