مقالات

النظام القديم في الشرق الأوسط يتفكك

شارك هذا الموضوع:

فيليب ستيفنز

تحداني أحد الأصدقاء الذين أعرفهم منذ زمن طويل أن آتي بكلمة واحدة تعبر أفضل تعبير عن القوى التي تعمل على تشكيل العالم. إذا كان مسموحا لي بخيار واحد فقط فهو “التشرذم”. وإن سُمح لي بخيار آخر فهو “الهوية”.

تفكك النظام القديم يعتبر في أشد حالاته وأكثرها وحشية في الشرق الأوسط. فالوضع في العراق وسورية وليبيا في حكم المنهار. وأيا كانت نظرتنا إلى مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، فإن الخريطة التي رسماها قبل قرن تقريبا لم تعد تصف الواقع الإقليمي. هذه الدول ربما لن يتم إعادة بناؤها بشكل صحيح.

ديناميكية التشرذم تمتد بعيدا إلى ما وراء الصراعات الطائفية القاتلة التي تجتاح العالم العربي. كان الافتراض الذي تأسست عليه تسوية ما بعد الحرب الباردة هو أن التكامل الاقتصادي العالمي سيشكل قوة تدفع في اتجاه مزيد من التماسك السياسي. اليوم، في نظام ما بعد، بعد الحرب الباردة، القومية الاقتصادية والقومية السياسية تسيران معا في الاتجاه المعاكس.

تُطوى حدود العولمة إلى الداخل من جديد. هل تذكرون إجماع واشنطن؟ انهيار عام 2008 قرأ الشعائر على ما كان من المقرر أن يكون مزجا سلسا لأسواق رأس المال في العالم. تم إعادة تأميم المصارف في الوقت الذي تبرأت فيه الحكومات من المسؤولية عن ديون أي شخص آخر.

وتواجه الإنترنت عملية البلقنة نفسها. فلأسباب وجيهة وأخرى سيئة، قررت الدول أن العصر الرقمي لا يمكن أن يترك في عهده الشركات العملاقة الموجودة في وادي السليكون.

وتم استبدال الصفقات الثنائية والاتفاقات الإقليمية بالتجارة متعددة الأطراف. هنا يوجد شيء من التماثل. الصين والهند والدول الصاعدة الأخرى تعد بمثابة حراس غيورين على سيادتهم الوطنية. الولايات المتحدة المرهقة من العالم ـ والقلقة ـ لم تعد لديها القدرة ـ أو المصلحة الذاتية ـ في كتابة القواعد العالمية وتطبيقها. وتعتبر بكين أن مؤسسات بريتون وودز (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) مجرد شعارات لتمرير الهيمنة الغربية، بينما ترفض واشنطن دفع المبالغ المستحقة عليها لصندوق النقد الدولي.

ووجه فلاديمير بوتين أكبر صدمة لافتراضات التسعينيات حول القيم والمصالح المشتركة التي يجري تشاركها عبر حدود الدول. فبضمه شبه جزيرة القرم وإرساله عددا من رجاله الخضر الصغار إلى شرقي أوكرانيا، مزق الرئيس الروسي نسيج التسوية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.

ويدفع بوتين الآن ثمنا باهظا في الوقت الذي تفاقم فيه العقوبات الغربية تأثير انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد الروسي، لكن حتى مع ذلك لا تسمع كلاما كثيرا في هذه الأيام حول أوروبا موحدة وحرة.

وكان رد الاتحاد الأوروبي على هذا العدوان، أيضا، مجزأ – صراعا غير لائق بين هؤلاء، بمن فيهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تعتقد أن القواعد الدولية تستحق الدفاع عنها، وأولئك – أرجو أن تقف يا ماتيو رينزي في إيطاليا – الذين يؤكدون أولوية المصلحة الذاتية الاقتصادية الوطنية.

التضامن ليس أقوى دعوى للاتحاد الأوروبي في هذه الأيام. لقد توقفت المسيرة الطويلة نحو التكامل السياسي والاقتصادي التي بدأت مع المصالحة الفرنسية الألمانية. وأصبح القادة في جميع أنحاء القارة يتراكضون في الأنحاء خوفا من الشعبويين، مثل مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا ونايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني. لقد وُصفت بروكسل من قبل كارهي الأجانب بأنها وكيل يدافع عن الهجرة غير المنضبطة والرأسمالية غير المقيدة.

منطق العملة الموحدة الذي لم يمل رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي، مطلقا من تكراره، يقتضي من الحكومات توحيد عملية صنع القرار الاقتصادي. وعلى الرغم من أن المؤسسة بأكملها توشك على الانهيار، أثبت انتزاع الصلاحيات الوطنية والأفضليات قوة فوق الحد. وتم ترك اليورو وقد تقطعت به السبل في أرض مشاع بين تماسك شامل وتفكك محتمل.

الكثير من هذا ينطق بالجهود المبذولة من قبل الدول لاسترداد السلطات التي خسرتها أمام العولمة. تحت ضغط من الناخبين المحبطين، ترغب الحكومات في أن تكون هي من يتخذ القرارات – لكن ما من أحد سيعترف بأن الوقت قد فات على نقض خيوط الاعتماد الاقتصادي المتبادل المغزولة بإحكام.

الديناميكية الأكثر خطورة هي القومية العميقة الواضحة في مطالبة بوتين بأن يكون حاميا لجميع الناطقين بالروسية في الاتحاد السوفياتي السابق، وفي سعي الصين الحازم وراء مطالبات إقليمية في غرب المحيط الهادئ، وفي كراهية الأجانب التي يشعر بها الرجال السياسيون الأقوياء، مثل المجري فيكتور أوربان، وفي التجدد الموجود في كل مكان تقريبا – ولقد جئت هنا بكلمتي الثانية – لسياسات الهوية.

غالبا ما يتم نشر الهوية بوصفها أداة قوية لسلطة الدولة. لكن في المجتمعات المتجانسة المتفردة يمكن أن تكون بمثابة محفز للتشرذم. في حالاتها القصوى تشهد هذه ولاءات وطنية تم هجرها إلى الولاءات البدائية التي تعود إلى العشائر أو القبائل. الشيعة والسنة والأكراد يقططعون أراضيهم الخاصة. والمجموعة الإرهابية التي تطلق على نفسها اسم داعش تقدم هوية بديلة للمسلمين في كل مكان.

في الجانب الآخر من الطيف، تضييق الهويات يقود حركات انفصالية دستورية، مثل تلك الحركتين الانفصاليتين للقوميين في كل من كاتالونيا واسكتلاندا. في نقطة ما هناك خط فاصل بين شرعية تقرير المصير والتشرذم المدمر. المشكلة هي أنه ليس هناك من هو متأكد تماما أين يتم رسم هذا الخط. ما يفاجئني دائما عندما أزور بكين هو أن “الحلم الصيني” الذي يتوق إليه الرئيس تشي جينبينج يلقي بعباءة على الخوف العميق من الحركات الانفصالية في شينجيانج والتبت. والقومية السلافية لبوتين التي لا تمنح شعورا بالراحة، تجلس جنبا إلى جنب مع حركات التمرد الإسلامية في كثير من مناطق القوقاز.

لذلك هذا هو الحال، وإن كان ذلك في كلمتين بدلا من واحدة. التشرذم والهوية هما بمثابة صورتين في عالم يبحث عن أسباب ليتفكك. وهذا ليس بالاحتمال المشجع. الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نقوله على وجه اليقين حول هذا الاضطراب الدولي الجديد هو أنه لن يكون مستقرا.

المصدر: FINANCIAL TIMES

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى