لا تكمن حساسية بعض المساعدات الصحية فيما تقدّمه للدول وحده، بل فيما تفتحه من حقوق وصولٍ واستخدامٍ قد لا تتبيّن قيمتها إلا لاحقًا. فالمساعدة لا تأتي دائمًا في صورة مالٍ أو دواءٍ أو تدريبٍ أو مختبرات، بل قد تأتي محمّلةً ببنودٍ تتعلق بتبادل المعلومات، أو التعاون البحثي، أو الوصول إلى قواعد بياناتٍ صحيةٍ لا يدرك أحدٌ قيمتها الحقيقية لحظة التوقيع.
من هذه الزاوية ينبغي أن تُقرأ الاتفاقيات الصحية الأمريكية الجديدة مع عددٍ من الحكومات الإفريقية. فالمسألة ليست رفضًا للدعم الصحي، ولا تشكيكًا في حاجة هذه الدول إلى التمويل والخبرة؛ فهذه الحاجة قائمةٌ لا تُنكَر، خصوصًا لدى الدول التي تواجه أعباءً صحيةً أو مخاطر وبائية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الشروط التي ترافق هذا الدعم؟ وهل تقف عند حدود الصحة، أم تمتد إلى بياناتٍ وعيّناتٍ ومصالح أوسع؟
وقد كشفت تقاريرُ حديثة عن أن بعض الحكومات الإفريقية أبدت تحفّظاتٍ على هذه الاتفاقيات، بسبب بنودٍ تتصل بالوصول إلى البيانات الصحية، واستخدام العيّنات البيولوجية، والالتزامات المالية المحلية، واحتمال توظيف التعاون الصحي في خدمة مصالح إستراتيجية وتجارية أوسع. وأهمية هذه التحفّظات أنها تنقل النقاش من سؤال التمويل إلى سؤال القيمة: لا كم ستحصل الدولة فحسب، بل ماذا ستمنح في المقابل؟
ولكي يتّضح هذا التحوّل، لا بد من التوقّف عند طبيعة البيانات الصحية نفسها. فهي لم تعد مجرد ملفاتٍ إداريةٍ تحفظها وزارات الصحة، أو معلوماتٍ يستعين بها الأطباء والمختبرات لأغراضٍ آنية. ففي اقتصاد الصحة الحديث، يمكن للسجل الطبي، أو العيّنة الفيروسية، أو خريطة انتشار المرض، أن تغدو مادةً أوليةً لتطوير لقاح، أو تدريب نموذج ذكاء اصطناعي، أو بناء نظام إنذارٍ مبكر، أو إسناد بحثٍ يفضي إلى علاجٍ أو منتجٍ تجاري.
ولهذا لا تكون مشاركة البيانات مسألةً فنيةً محضة. فحين تمنح دولةٌ حقّ الوصول إلى بياناتها الصحية، فإنها لا تشارك معلومةً عابرةً فحسب، بل قد تفتح الباب أمام قيمةٍ مستقبليةٍ لا تظهر لحظة التوقيع. إنها ترى أمامها تمويلًا أو أجهزةً أو تدريبًا، لكنها لا ترى دائمًا ما قد يُستخرج لاحقًا من بياناتها وعيّناتها. ومن هنا تنشأ الفجوة بين القيمة الحاضرة التي تنالها، والقيمة المؤجّلة التي قد تُنتزع منها.
وليست هذه الفجوة جديدةً في الصحة العالمية؛ فقد طُرح السؤال نفسه مبكرًا في واحدةٍ من أكثر الوقائع دلالة. ففي عام 2007 أوقفت إندونيسيا مشاركة عيّنات فيروس إنفلونزا الطيور (H5N1) مع منظمة الصحة العالمية، لا رفضًا للتعاون، بل اعتراض على معادلةٍ ترى أن العيّنات تخرج من الدول النامية، ثم تعود إليها اللقاحات بشروط السوق. كانت القضية في جوهرها قضية عدالةٍ في العلاقة: دولةٌ تقدّم المادة الحيوية، وجهاتٌ أخرى تطوّر المنتج، ثم تعود الدولة الأولى إلى السوق مشتريةً لا شريكة.
وهذا المثال يوضح لماذا لا تكفي عبارةٌ عامةٌ مثل «التعاون العلمي». فالبحث العلمي اليوم لا ينفصل تمامًا عن السوق: المختبر قد يفضي إلى منتج، والمنتج إلى براءة اختراع، والبراءة إلى عائدٍ تجاري. لذلك لا يكفي أن تنصّ الاتفاقية على أن البيانات ستُستخدم لأغراض البحث، بل عليها أن تحدد ما يحدث إذا تحوّل هذا البحث إلى قيمة: مَن يملك البيانات بعد نقلها؟ وأين تُخزَّن؟ وتحت أي قانون؟ وهل يجوز استخدامها تجاريًا؟ وهل يمكن مشاركتها مع طرفٍ ثالث؟ وإذا نشأ عنها علاجٌ أو لقاح، فما حق الدولة التي خرجت منها البيانات في الوصول إليه أو الإفادة منه بشروطٍ عادلة؟
وهنا تبرز أهمية الصياغة القانونية. فهي ليست تفصيلًا شكليًا يُترك للمحامين في نهاية التفاوض، بل هي ما يحدّد طبيعة الصفقة منذ البداية. فبندٌ واحد قد يحفظ للدولة حقها في معرفة كيفية استخدام بياناتها، وبندٌ آخر قد يبيح نقلها إلى جهاتٍ لا تعرفها. صياغةٌ دقيقة قد تضمن تقاسم المنافع إذا صارت البيانات منتجًا، وصياغةٌ فضفاضة قد تجعل الدولة مصدرًا للمادة الخام بلا حقٍّ واضحٍ في الناتج.
وتتضاعف خطورة المسألة حين يقترب الدعم الصحي من ملفاتٍ لا تنتمي إلى الصحة مباشرة. فحين يتسرّب إلى طاولة التفاوض حديثٌ عن الموارد الطبيعية أو المعادن أو المصالح التجارية أو النفوذ الإستراتيجي، لا تعود الاتفاقية الصحية مجرد برنامجٍ لدعم المستشفيات أو مكافحة الأوبئة، بل تصير جزءًا من حزمةٍ أوسع. وليست الحزم غريبةً عن العلاقات الدولية، لكن حساسيتها تزداد حين يكون أحد أطرافها محتاجًا إلى دعمٍ صحيٍّ عاجل، بينما يملك الطرف الآخر وقتًا أطول وقدرةً تفاوضيةً أكبر.
وبهذا المعنى، ليست المشكلة في وجود المصلحة، فالمصالح حاضرةٌ في كل تعاونٍ دوليٍّ تقريبًا؛ المشكلة أن تتحول الحاجة الصحية إلى نقطة ضعفٍ تفاوضية. فالدولة التي تطلب دعمًا لمواجهة وباءٍ أو سدّ ثغرةٍ في نظامها الصحي لا تفاوض من الموقع نفسه الذي تفاوض منه دولةٌ تبحث عن نفوذٍ طويل الأمد أو وصولٍ إلى مواردَ إستراتيجية. ولذلك لا ينبغي أن تُعامَل المساعدة الصحية بوصفها منحةً بريئةً على الدوام، ولا خطرًا يستوجب الرفض دائمًا، بل اتفاقًا يحتاج إلى قراءةٍ دقيقة.
ولفهم هذا المنطق على نحوٍ أوسع، يمكن النظر إلى تجربة الصين في المساعدات التنموية. فقد بنت جانبًا من نفوذها عبر البنية التحتية: طرقٌ، وموانئ، وسكك حديدية، ومشروعات طاقة. في ذلك النموذج كان الأصل واضحًا مرئيًا: طريقٌ يُشَقّ، أو ميناءٌ يُدار، أو قرضٌ يُسدَّد. أما في المساعدات الصحية الجديدة فالقيمة أقلّ ظهورًا: بياناتٌ، وعيّنات، وأنظمة حوكمة، وحق وصول. فالطريق يُرى على الأرض، أما قيمة البيانات فلا تتجلّى إلا حين تتحول إلى معرفةٍ قابلةٍ للبيع.
ومن هنا تنبع صعوبة تقييم الاتفاقيات الصحية قياسًا إلى عقود البنية التحتية. فالقرض يمكن حسابه، والطريق يمكن قياسه، والميناء يمكن تقدير عوائده، أما البيانات الصحية فقيمتها مؤجّلةٌ متغيّرة: قد تبدو محدودةً عند جمعها، ثم ترتفع حين تدخل في بحثٍ واعد، أو علاجٍ جديد، أو نموذج ذكاء اصطناعي. لذلك قد يكون الغموض في اتفاقيةٍ صحيةٍ أفدح تكلفةً من بندٍ ماليٍّ واضح، لأنه لا يمسّ قيمةً حاضرةً وحدها، بل يترك قيمة المستقبل بلا حماية.
ولا يعني هذا أن على الدول أن ترفض المساعدات الصحية؛ فذلك موقفٌ غير واقعي، خصوصًا في عالمٍ لا تقف فيه الأوبئة عند الحدود. فكثيرٌ من الدول يحتاج إلى التمويل والخبرة والشراكات، ولا يقدر على بناء أنظمةٍ صحيةٍ متينةٍ بالاعتماد على موارده وحدها. لكن قبول المساعدة لا ينبغي أن يكون قبولًا صامتًا. وكما لا توقّع دولةٌ عقد امتيازٍ معدنيٍّ دون تحديد الملكية والعائد والمدة والضمانات، لا يصحّ أن توقّع اتفاقيةً صحيةً تمنح الوصول إلى بياناتها وعيّناتها دون طرح الأسئلة ذاتها.
والمطلوب إذن ليس خطابًا دفاعيًا عن السيادة، بل إدارةٌ واعيةٌ للقيمة. فالسيادة هنا لا تعني إغلاق البيانات أو رفض البحث العلمي، بل تنظيم خروج البيانات والعيّنات بشروطٍ واضحة: مَن يصل إليها؟ ولأي غرض؟ وتحت أي قانون؟ وهل يجوز استخدامها تجاريًا؟ وما المقابل إن تحولت إلى معرفةٍ أو منتجٍ أو سوق؟
في الاقتصاد القديم كانت الدول تحمي نفطها ومعادنها وموانئها لأنها تعرف قيمتها، وفي الاقتصاد الجديد عليها أن تتعلّم حماية ما يخرج من مختبراتها ومستشفياتها وسجلّاتها الصحية. فالعيّنة الطبية أو قاعدة البيانات لا تَظهر في صور الافتتاحات الرسمية، ولا تُقاس بالأطنان، لكنها قد تصير أصلًا لا يقلّ أثرًا عن منجمٍ أو ميناء. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي اتفاقيةٍ صحية لم يعد: كم سندفع وكم سنحصل؟ بل: مَن سيملك القيمة التي تنتجها هذه الشراكة؟
فثمّة مساعداتٌ تبني قدرة، وأخرى تبني اعتمادًا. والفرق بينهما لا يظهر في عنوان الاتفاقية، بل في بنودها الصغيرة التي لا يقرؤها إلا من يدرك أن الثمن الحقيقي قد يكون مخبّأً في الهامش.



