هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
عاد الجدل التربوي إلى الواجهة عالمياً بعد توجه عدد من الدول نحو تبني ما يعرف بالتعليم المنظم والمباشر (Structured and Direct Instruction)، وهو نموذج يقوم على تقديم المعرفة للطلبة بطريقة واضحة ومتسلسلة يقودها المعلم، من خلال الشرح المباشر والتدريب الموجه والتقويم المستمر. وقد أثار هذا التوجه نقاشاً واسعاً بين من يراه وسيلة فعالة لتحسين المخرجات التعليمية، وبين من يعتبره عودة إلى التلقين وتراجعاً عن التعليم الذي ينمي التفكير والإبداع.
المحتويات
يقوم التعليم المباشر على فرضية بسيطة مفادها أن التعلم الفعال يبدأ عندما يقدم المعلم المعرفة بصورة واضحة ومنظمة قبل أن يطلب من الطالب استخدامها أو توظيفها. لذلك تركز هذه المقاربة على النمذجة والشرح التدريجي والممارسة المنظمة والتغذية الراجعة الفورية. وقد حققت نجاحات ملموسة في تحسين مهارات القراءة والرياضيات والعلوم الأساسية في عدد من الأنظمة التعليمية.
تعد سنغافورة من أبرز الدول التي استفادت من التعليم المنظم في بناء أساس قوي في الرياضيات والعلوم. كما اتجهت إنجلترا وأجزاء من أستراليا وبعض الولايات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز التعليم المباشر في المراحل الأساسية، استناداً إلى نتائج أبحاث علم النفس المعرفي التي تؤكد أهمية بناء المعرفة الأساسية بصورة منظمة قبل الانتقال إلى التفكير المركب.
لكن المشكلة لم تكن يوماً في التعليم المباشر ذاته، بل في درجة الاعتماد عليه. فعندما يتحول من أداة تعليمية إلى فلسفة تعليمية شاملة يصبح التعليم أقرب إلى تنفيذ إجراءات محددة منه إلى بناء عقول قادرة على التفكير والتحليل. ولهذا ظهرت انتقادات واسعة في بعض الدول التي وصل فيها الأمر إلى استخدام نصوص تدريسية جاهزة تفرض على المعلمين الالتزام الحرفي بها، بحيث يصبح جميع الطلبة في جميع الصفوف يدرسون المحتوى نفسه بالطريقة نفسها وفي الوقت نفسه بغض النظر عن الفروق الفردية بينهم.
في الأردن تبدو الصورة أكثر تعقيداً
فعلى المستوى الرسمي تتبنى وزارة التربية والتعليم منذ سنوات فلسفة تعليمية حديثة تقوم على التعلم النشط والتفكير النقدي والتعليم المتمركز حول الطالب. وتؤكد وثائق المناهج الوطنية على أهمية الكفايات وحل المشكلات والإبداع والعمل التعاوني وربط التعلم بالحياة العملية. كما أن برامج تطوير المناهج التي شهدها الأردن خلال العقدين الماضيين استندت إلى مبادئ التعليم البنائي الذي ينظر إلى الطالب باعتباره مشاركاً في بناء المعرفة لا مجرد متلقٍ لها.
لكن الواقع داخل الصفوف الدراسية يروي قصة مختلفة
فعلى الرغم من تبني هذه الفلسفة الحديثة رسمياً، ما زالت الممارسات التدريسية في كثير من المدارس تعتمد بصورة كبيرة على الشرح المباشر والحفظ والاستظهار والتحضير للامتحانات. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من أهمها كثافة المناهج وضغط الامتحانات الوطنية وأعداد الطلبة في الصفوف وثقافة التوجيهي التي تجعل النجاح في الاختبار هدفاً يتقدم أحياناً على تحقيق التعلم الحقيقي.
لذلك يمكن القول إن الأردن يعيش حالة هجينة. فالفلسفة التربوية المعلنة أقرب إلى التعلم النشط، بينما الممارسة الفعلية تميل إلى التعليم المباشر التقليدي. وهذا يفسر استمرار الحديث عن الفجوة بين ما تطرحه وثائق المناهج وما يحدث فعلياً داخل الغرف الصفية.
ومن هنا يبرز سؤال مهم. هل يحتاج الأردن إلى مزيد من التعليم المباشر؟
الإجابة ليست بنعم أو بلا.
الحقيقة أن الأردن لا يعاني من نقص في التعليم المباشر بقدر ما يعاني من سوء التوازن بينه وبين أساليب التعلم الأخرى. فالطالب الأردني يحتاج بالفعل إلى تعليم منظم وواضح في المهارات الأساسية مثل القراءة والرياضيات والعلوم والمهارات الرقمية. ولا يمكن بناء التفكير النقدي أو الإبداع فوق أساس معرفي ضعيف. لكن في الوقت نفسه لا يمكن إعداد جيل قادر على الابتكار وريادة الأعمال وحل المشكلات إذا اقتصر التعليم على التلقين والحفظ.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استيراد نموذج التعليم المباشر من الخارج، بل في إعادة تصميم العملية التعليمية بحيث تستخدم التعليم المباشر عندما يكون ضرورياً، وتنتقل بعد ذلك إلى أنشطة الاستقصاء والمشروعات والتطبيق العملي والتفكير النقدي.
وتصبح هذه القضية أكثر أهمية عند الانتقال إلى التعليم العالي.
فالجامعة ليست مدرسة كبيرة. ففي المراحل المدرسية يكون الهدف بناء المعرفة الأساسية، أما في الجامعة فيفترض أن يكون الهدف تطوير القدرة على التحليل والتقييم والبحث والإنتاج المعرفي. ولهذا فإن الاعتماد المفرط على التعليم المباشر في التعليم العالي قد يؤدي إلى تخريج طلبة يمتلكون المعرفة النظرية لكنهم يفتقرون إلى القدرة على استخدامها في مواجهة المشكلات الحقيقية.
هنا يفرض الذكاء الاصطناعي واقعاً جديداً
ففي الماضي كان المعلم أو الأستاذ الجامعي يمثل المصدر الرئيس للمعلومات. أما اليوم فإن أدوات الذكاء الاصطناعي تستطيع تقديم المعلومات والشروحات والأمثلة والحلول خلال ثوان معدودة. وإذا استمرت المؤسسات التعليمية في التركيز على نقل المعلومات فقط فإنها ستدخل في منافسة خاسرة مع الآلة.
لقد تغير السؤال التربوي من “كيف نوصل المعرفة إلى الطالب؟” إلى “كيف نعلم الطالب أن يفكر في المعرفة ويقيمها ويستخدمها؟”
في عصر الذكاء الاصطناعي لا تكمن قيمة التعليم في كمية المعلومات التي يحفظها المتعلم، بل في قدرته على التحقق من المعلومات وتحليلها ونقدها وربطها بالسياق واتخاذ القرارات بناء عليها. ولذلك فإن التعليم المباشر يظل مهماً لبناء الأساس المعرفي، لكنه لم يعد كافياً بمفرده.
إن مستقبل التعليم في الأردن لن يتحقق من خلال العودة الكاملة إلى التلقين، ولا من خلال الاعتماد الكامل على التعلم المفتوح وغير الموجه. بل من خلال نموذج متوازن يجمع بين قوة التعليم المباشر في بناء الأساسيات وقوة التعلم النشط في بناء التفكير والإبداع.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي قد يكون المعيار الحقيقي لنجاح أي نظام تعليمي هو قدرته على إنتاج متعلمين لا يكتفون بمعرفة الإجابات، بل يعرفون كيف يطرحون الأسئلة الصحيحة. فالمعلومات أصبحت متاحة للجميع، أما القدرة على التفكير السليم والحكم الرشيد واتخاذ القرار فما زالت مسؤولية التعليم، وستبقى كذلك مهما تطورت التقنيات.



