الذكاء الاصطناعيالرئيسيةخاصمقالات

في عصر الذكاء الاصطناعي: لماذا أصبحت القدرات البشرية أهم من التكنولوجيا نفسها؟

سباق التكنولوجيا... والرهان الخاطئ

هاشتاق عربي – وصفي الصفدي

يشهد العالم اليوم واحدة من أسرع موجات التحول التكنولوجي في التاريخ. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية ناشئة، بل أصبح محركاً رئيسياً يعيد تشكيل الاقتصادات وأسواق العمل ونماذج الأعمال وحتى طريقة اتخاذ القرار داخل المؤسسات.

وتتسابق الحكومات والشركات للاستثمار في الحلول الذكية والأتمتة وتحليل البيانات والمنصات الرقمية، اعتقاداً بأن امتلاك أحدث التقنيات هو الطريق الأسرع نحو الريادة والتميز. لكن الواقع يشير إلى حقيقة مختلفة تماماً. فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع النجاح.

“المستقبل لا يخص الأقوى أو الأذكى، بل لمن يستطيع التكيف مع التغيير.” -تشارلز داروين

لقد أصبح الوصول إلى الأدوات الرقمية والأنظمة الذكية متاحاً بدرجات متقاربة لمعظم المؤسسات حول العالم، ومع ذلك ما زالت هناك فجوات كبيرة في الأداء والابتكار والقدرة على تحقيق النتائج. والسبب لا يكمن في اختلاف الأدوات، بل في اختلاف القدرات البشرية القادرة على توظيف تلك الأدوات وتحويلها إلى قيمة حقيقية.

إن السؤال الأهم اليوم لم يعد: ما هي التقنية التي نمتلكها؟ بل: هل نمتلك الأشخاص القادرين على استثمار هذه التقنية؟

التكنولوجيا متاحة للجميع… أما القدرات البشرية فليست كذلك

في العقود الماضية كانت الميزة التنافسية ترتبط بالوصول إلى رأس المال أو المعدات أو البنية التحتية. أما اليوم فقد أصبحت التكنولوجيا سلعة متاحة للجميع تقريباً.

يمكن لمؤسستين شراء النظام نفسه، واستخدام منصة الذكاء الاصطناعي ذاتها، والحصول على البيانات نفسها، ومع ذلك قد تحقق إحداهما نتائج استثنائية بينما تكافح الأخرى لتحقيق الحد الأدنى من العائد. يكمن الفرق في الإنسان.

فالذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كميات هائلة من البيانات، لكنه لا يمتلك الحكمة البشرية. ويمكنه اقتراح حلول متعددة، لكنه لا يتحمل مسؤولية اتخاذ القرار. كما يستطيع أتمتة المهام المتكررة، لكنه لا يستطيع استبدال الإبداع أو الرؤية أو القيادة.

ولهذا أصبحت المهارات الإنسانية مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتواصل، والإبداع، والذكاء العاطفي، والقدرة على التكيف، من أكثر المهارات المطلوبة في الاقتصاد الرقمي.

وقد لخص المفكر الإداري الشهير بيتر دراكر هذه الفكرة قبل عقود عندما قال:

“أهم مورد في القرن الحادي والعشرين، سواء للمؤسسات أو الدول، سيكون العامل المعرفي وإنتاجيته.”

واليوم، مع انتشار الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه المقولة أكثر دقة من أي وقت مضى.

خطر الاعتماد على الأدوات دون بناء الإنسان

رغم الفوائد الهائلة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، إلا أن هناك تحدياً متزايداً يواجه المؤسسات يتمثل في الاعتماد المفرط على التكنولوجيا على حساب تنمية القدرات البشرية.

فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الذكية على إنجاز المهام، زادت الحاجة إلى أفراد يمتلكون القدرة على التفكير والتحليل والتقييم واتخاذ القرار.

المشكلة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في استخدامه بديلاً عن التفكير البشري بدلاً من أن يكون داعماً له.

إن المؤسسات التي تركز فقط على نشر الأدوات قد تحقق مكاسب سريعة في الإنتاجية، لكنها قد تواجه مستقبلاً تراجعاً في قدرتها على الابتكار والتكيف. أما المؤسسات التي تستثمر في تطوير الإنسان بالتوازي مع التكنولوجيا، فإنها تبني ميزة تنافسية يصعب تقليدها.

وكما قال ألبرت أينشتاين: “لا يمكننا حل مشكلاتنا بالعقلية نفسها التي أنشأتها.”

وهو تذكير مهم بأن التحديات الجديدة تتطلب قدرات بشرية متطورة، وليس فقط أدوات أكثر تطوراً.

ماذا تفعل الدول التي تقود المستقبل؟

عند دراسة التجارب الدولية الأكثر نجاحاً في التحول الرقمي، نجد أن القاسم المشترك بينها ليس حجم الاستثمار في التكنولوجيا فقط، بل حجم الاستثمار في الإنسان.

في سنغافورة، تم إطلاق مبادرات وطنية واسعة النطاق لترسيخ مفهوم التعلم مدى الحياة وإعادة تأهيل القوى العاملة بشكل مستمر لمواكبة المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.

وفي فنلندا، تم التركيز على نشر الثقافة الرقمية وفهم الذكاء الاصطناعي بين مختلف شرائح المجتمع، انطلاقاً من قناعة بأن التحول الرقمي مسؤولية مجتمعية وليست تقنية فقط.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد وضعت تطوير المهارات المستقبلية والقدرات الرقمية في صميم رؤيتها الاقتصادية والتنموية، عبر برامج تستهدف القيادات والموظفين والمعلمين والطلبة على حد سواء.

هذه الدول أدركت حقيقة جوهرية مفادها أن التكنولوجيا تتغير بسرعة، بينما تمثل القدرة على التعلم المستمر أصلاً استراتيجياً طويل الأمد.

من التدريب إلى بناء القدرات

لا يكفي تنظيم دورات تدريبية متفرقة أو توفير منصات تعليم إلكترونية ثم اعتبار المهمة قد أُنجزت.

بناء القدرات هو عملية مستمرة تبدأ بالفرد وتمتد إلى الفريق ثم المؤسسة بأكملها.

وتشمل القدرات التي تحتاجها المؤسسات المستقبلية:

  • التفكير النقدي والتحليلي.
    • فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي والبيانات.
    • الإبداع والابتكار.
    • حل المشكلات المعقدة.
    • القدرة على التعلم المستمر.
    العمل التعاوني متعدد التخصصات.
    • القيادة وإدارة التغيير.
    • المرونة والتكيف مع المتغيرات.

إن المؤسسات الناجحة في المستقبل لن تكون تلك التي تمتلك أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تلك التي تمتلك أفراداً قادرين على التعلم أسرع من المنافسين.

القيادة… نقطة البداية الحقيقية

يُنظر إلى التحول الرقمي في كثير من الأحيان باعتباره مشروعاً تقنياً، بينما الحقيقة أنه مشروع إنساني بالدرجة الأولى.

فالثقافة المؤسسية، والرؤية الاستراتيجية، والاستعداد للتعلم، والقدرة على التغيير، كلها عناصر تبدأ من القيادة.

القادة الحقيقيون لا يركزون على السؤال: “ما هي التكنولوجيا التي نحتاجها؟”

بل يطرحون سؤالاً أكثر أهمية:

“ما هي القدرات التي يجب أن نطورها لدى موظفينا لننجح في المستقبل؟”

وكما قال الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل إريك شميدت:

“نحن نعيش في عالم أصبحت فيه المعلومات متاحة للجميع، لكن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على استخدامها بذكاء.”

وهنا يكمن جوهر التحدي الذي تواجهه المؤسسات اليوم.

المستقبل ملك لمن يتعلم

في عصر الذكاء الاصطناعي، لن يكون الفائز هو المؤسسة التي تمتلك أكبر عدد من الأدوات أو أحدث التقنيات، لأن هذه الأدوات ستصبح متاحة للجميع مع مرور الوقت.

الميزة التنافسية الحقيقية ستكمن في امتلاك أفراد قادرين على التعلم والتكيف والابتكار بشكل أسرع من غيرهم.

فالتكنولوجيا يمكن شراؤها.

أما القدرات البشرية فلا يمكن شراؤها جاهزة، بل تُبنى عبر رؤية واضحة، واستثمار طويل الأمد، وثقافة تعلم مستمرة.

ولهذا ربما تكون المقولة الأشهر للمفكر المستقبلي ألفين توفلر هي الأنسب لوصف المرحلة القادمة:

“الأميون في القرن الحادي والعشرين لن يكونوا الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، بل الذين لا يستطيعون التعلم وإعادة التعلم.”

 

وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، قد تكون القدرة على التعلم هي أهم مهارة يمكن لأي مؤسسة أو فرد امتلاكها.

لأن المستقبل، في نهاية المطاف، لن تصنعه التكنولوجيا وحدها. بل سيصنعه الإنسان القادر على توظيفها بحكمة وإبداع ومسؤولية.

 

وصفي الصفدي

خبير في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بخبرة تزيد عن عشرين عاما، وكان قد عمل في العديد من كبريات الشركات في الأردن والمنطقة العربية التي تعمل في هذا القطاع، في مناصب قيادية، مثل رئيس تنفيذي، ومدير عام، ونائب رئيس تنفيذي، ونائب الرئيس التنفيذي التسويق. والصفدي له خبرة واسعة في مجال تسويق العلامة التجارية، وإدارة الربح والخسارة، الإدارة العامة والقيادة، التخطيط الاستراتيجي، الحملات التسويقية والترويجية، تصنيف الأسواق، خدمة العملاء، تطوير المنتجات، الموارد البشرية، وتكنولوجيا المعلومات، إدارة الموردين، الخدمات اللوجستية، المبيعات وتطوير الأعمال، تطوير ومراقبة مؤشرات الأداء الرئيسية، التحول الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والمحافظ الماليه الرقمية، والهوية الرقمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى