الرئيسيةدوليمقالات

الاقتصاد والسياسة.. عالمان متباعدان

مجلة التمويل والتنمية - آلان بلايندر*

الصدام المزمن بين الاقتصاد السليم والسياسة الجيدة يثير الإحباط في نفوس الاقتصاديين الذين يغامرون بالاقتراب من عالم السياسة. والأهم من ذلك بكثير أن هذا الصدام غالبا ما يقف عقبة في طريق تحسين السياسات. فالبَون شاسع ولن يتسنى تخطيه بالكامل. غير أننا قد نتمكن من تقليصه بكثير من الجهد ونزر يسير من النوايا الحسنة.

واسمحوا لي أن أبدأ بدحض خرافة شائعة في هذا الصدد. يعتقد الكثيرون أن للاقتصاديين تأثيرا هائلا على السياسة العامة، ربما لأنهم غالبا ما يُدفَعون إلى الواجهة لدعم السياسات أو معارضتها، وربما لأن لدينا مجلسا للمستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض نفسه، وربما لأن الفكر الاقتصادي تهيمن عليه أقوى البنوك المركزية. والواقع أن هذا غير صحيح.

ففي كتاب نشرته منذ سبع سنوات، أقول إن صنع السياسات الاقتصادية غالبا ما يلتزم بنظرية “عمود الإنارة”، حيث يَستخدِم الساسة الاقتصاد كما يستخدم المخمور عمود الإنارة – للاستناد إليه وليس للاستنارة به. فالاقتصاديون والمسيسون – ولا أعني بهم الساسة فحسب، بل أيضا المستشارين المقربين ومحترفي الصياغة المحيطين بهم – ينحدرون من حضارات مختلفة ويتحدثون لغات مختلفة. وهم يحددون النجاح بطرق مختلفة، ولديهم آفاق زمنية شاسعة الاختلاف؛ بل إن المنطق الذي يستخدمونه مختلف أيضا.

المنطق السياسي

كنت أعتقد في وقت ما أن “المنطق السياسي” تعبير متناقض. ولا يزال اقتصاديون كثر يحملون هذا الاعتقاد. لكنني تعلمت أن للسياسة منطقا سأوضحه بمثال حسابي بسيط للغاية.

تخيل أن هناك تخفيفا ضريبيا من شأنه أن يحقق مكاسب قدرها مليون دولار لكل فرد من مجموع 10 أفراد لكنه يكلف 20 مليون فرد دولارا واحدا لكل منهم. من الواضح أن المنطق الاقتصادي يعتبر هذا التخفيف من قبيل السياسة السيئة. ولانتهاج هذه السياسة، يتعين وجود سبب غير اقتصادي مقنع.

ولكن المنطق السياسي مختلف. فالعشرون مليون فرد سيلاحظون بالكاد خسارة دولار واحد لكل منهم. وعلى العكس من ذلك، لن يلاحظ الفائزون بعشرة مليون دولار هذه الهبة السخية فحسب، بل إنهم سيشعرون بالامتنان للساسة الذين منحوهم إياها. وبالنسبة للساسة، تتضاءل أي خسائر سياسية أمام مكاسب الدعم والمساهمات في الحملات الانتخابية وما شابه ذلك. ولن يقاوم هذا الخيار إلا الساسة الأكثر التزاما بالمبادئ.

ويوضح هذا المثال السبب في أن الكثير من القرارات السياسية تبدو خاطئة للغاية في نظر الاقتصاديين، وهو أمر لا يقتصر على السياسة الضريبية، بل ينسحب أيضا على السياسة التجارية والقواعد التنظيمية ومكافحة الاحتكار وكثير من المجالات الأخرى. وبالمناسبة فإن زيادة فهم المسيسين للاقتصاد لن يُجدي كثيرا. فغالبا ما يشير المنطق الاقتصادي والسياسي إلى اتجاهين متعارضين، والمنطق السياسي هو الاتجاه الذي يتبعه المسيسون.

اقتراح للأطراف المسيسة

هل يمكننا على الأقل تضييق الفجوة بين العالمين؟ هل يمكننا أن نحث الأطراف المسيسة على إعطاء وزن أكبر للحجج الاقتصادية؟ هل يمكننا الوصول بالاقتصاديين إلى فهم العالم السياسي بصورة أفضل بعض الشيء؟ أظن – أو آمل- أنه أمر يمكننا تحقيقه. ولا ينطوي ذلك على سذاجة من جانبي. فأنا أدرك أن معظم التغييرات يتعين أن يقوم بها الاقتصاديون. ومن ثم سأقترح تغييرا واحدا تتولاه الأطراف المسيسة، وتغييرين يتولاهما الاقتصاديون.

يعجز الساسة في الغالب عن رؤية ما بعد الانتخابات القادمة، ولكن الحقيقة أسوأ بكثير. ففي معظم الأحيان، يعجز محترفو السياسة الذين يقدمون المشورة إلى الساسة عن رؤية ما بعد استطلاع الرأي القادم، أو حتى ما بعد التغريدة القادمة. ولا يمتد أفقهم الزمني إلى أبعد من نشرات الأخبار المسائية في ذلك المساء، إذا امتد إلى هذا الحد في الأساس.

غير أن إقناع الساسة بالتفكير في المدى الأطول قد لا يكون غاية ميئوسا منها. فالساسة، في نهاية المطاف، يتميزون بالقدرة على التكيف. وإذا أمكن إقناعهم بأن العادات السياسية الحالية تفضي إلى نتائج عكسية، فقد يغيرون أساليبهم المعتادة – ليس نتيجة لفورة مفاجئة من المثالية، ولكن لأنهم يسعون إلى الفوز بالانتخابات.

ومن حسن الحظ أن مدة ولاية الرئيس الأمريكي البالغة أربع سنوات هي مدة كافية لكي تحقق معظم السياسات آثارا رئيسية ملموسة. لذلك فإن السياسات الاقتصادية السليمة التي تُنتهج في السنة الأولى أو الثانية، مثلا، من مدة ولاية الرئيس من المرجح أن تؤتي ثمارها الأساسية قبل الانتخابات الرئاسية القادمة. وفي غضون تلك الفترة، يمكن أن يكون الاقتصاد الجيد سياسة جيدة أيضا.

وبالطبع، تتلاشى هذه المصادفة الزمنية السعيدة مع مرور الوقت في مدة ولاية الرئيس. ولكن، يأتي الإنقاذ من خلال الجدول الزمنى المجنون للانتخابات الأمريكية. فبحلول الشهر الثامن عشر من مدة الرئاسة الجديدة، يتحول الانتباه إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وبعد ذلك، يصعب على حزب الرئيس في العادة أن يدفع نحو مزيد من المبادرات الكبرى من خلال الكونغرس بسبب خسائر التجديد النصفي. وبدلا من ذلك، تبتعد العقول السياسية عن السياسات وتتجه نحو الانتخابات الرئاسية القادمة. وبالنظر إلى هذه العوامل معا، يتضح أن مرحلة السياسات في أي ولاية رئاسية جديدة من النادر أن تستمر لفترة تتجاوز 12–18 شهرا. وخلال تلك الفترة الوجيزة، يمكن القول بأن الآفاق الزمنية الاقتصادية والسياسية تتناغم بصورة معقولة.

اقتراحان للاقتصاديين

ماذا، إذن، عن الأقلية من الاقتصاديين الذين يودون الانخراط في السياسة؟ أعرض اقتراحين هنا، وكلاهما بعيد عن المألوف. فهما ليسا مما ندرسه لطلاب الدراسات العليا.

الاقتراح الأول يتعلق أيضا بالآفاق الزمنية. فالآفاق الزمنية السياسية أقصر من الوقت الكافي لتحقيق سياسة اقتصادية سليمة. ولكن صحيح أيضا أن الآفاق الزمنية للاقتصاديين غالبا ما تكون أطول من المناسب لأغراض السياسة.

ففي العادة، يركز الاقتصاديون على آثار “التوازن” أو آثار “الحالة المستقرة” لأي تغير في السياسات. ما الذي سيحدث في نهاية المطاف بعد أن تتكيف الأسر والشركات مع التغيير في القانون الضريبي أو في اتفاق تجاري؟ تلك أسئلة مهمة ووثيقة الصلة بصنع السياسات، ولكنها تكاد تكون معدومة الصلة بعالم السياسة لأن الناس لا يعيشون في حالات توازن، إذ إننا نقضي معظم سنوات حياتنا في مرحلة انتقالية أو أخرى. أما الاقتصاديون فيقومون في الغالب بتنحية “تكاليف المراحل الانتقالية” باعتبارها تفاصيل عابرة ضئيلة الأهمية. والواقع أن ذلك لا ينبغي أن يحدث.

والاتفاقات التجارية مثال جيد. فمع بعض الاستثناءات، تقارن نظرية التجارة بين حالتين من التوازن المستقر في ظل العمالة الكاملة. وقد علمنا ديفيد ريكاردو منذ مائتي عام أن توازن التجارة الحرة أفضل للمجتمع ككل (رغم أنه ليس بالضرورة أفضل لكل فرد في المجتمع) مقارنة بالتوازن في ظل الحماية التجارية. وكان ريكاردو على حق، وهو السبب في أن معظم الاقتصاديين مناصرون مخلصون للتجارة الحرة.

ولكن عملية التكيف مع التوازن الأفضل القائم على التجارة الحرة قد تكون طويلة ومؤلمة، حيث تنطوي على فقدان وظائف، وانخفاض لدخول البعض، ودمار لمجتمعات محلية، وأكثر من ذلك. والاقتصاديون على دراية بكل هذه الأمور، ولكنهم لا يولونها اهتماما كافيا. وعلى عكس الاقتصاديين، يعيش الساسة في العالم الحقيقي بتكاليفه الانتقالية الحاضرة دائما. وقد لا يحتفظون بمناصبهم لفترة تتيح لهم أن ينعموا بمزايا التوازن.

فهل يتعين، إذن، على الاقتصاديين اعتماد منهج الحمائية وما يصاحبه من ثبات؟ على الإطلاق. وأستخدم هنا مثال التجارة لأناقش نقطة عامة. فالاقتصاديون عليهم أن ينفقوا قدرا أكبر بكثير من الوقت والجهد للتفكير في تكاليف المراحل الانتقالية التي قد تكون مؤلمة، وكيفية التخفيف منها، والتفكير بعمق أكبر فيما يحدث قبل أن تتحقق آثار الحالة المستقرة التي يفاخر بها المفاخرون.

واقتراحي الثاني هو أنه يتعين على الاقتصاديين إيلاء مزيد من الاهتمام للإنصاف بدلا من التركيز على الكفاءة بصورة تكاد تكون حصرية. ففي السياسة، غالبا ما تتفوق اعتبارات الإنصاف المتصور على الكفاءة، وهو أمر يفهمه المسيسون، كما أنه أحد الأسباب التي تجعل السياسة الاقتصادية في الغالب مفتقرة إلى الكفاءة بشكل واضح تماما.

وأنا أدرك أنني بكتابة هذه الكلمات، أخاطر بفقدان رخصتي كخبير اقتصادي. فنحن، في نهاية المطاف، نضع الكفاءة موضع تقديس لسبب وجيه، هو أن زيادة الكفاءة تزيد من حجم الكعكة الاقتصادية. أي أنها أشبه ما تكون بوجبة غداء مجانية. لذلك لا أوصي هنا بالتخلي عن الكفاءة باعتبارها منارة مرشدة، إنما أوصي فقط بأن نخفف من تقديسنا لها مع زيادة الاحترام للجدوى السياسية – التي غالبا ما تكون مرهونة بالشعور بالإنصاف.

لننظر إلى المناقشات المعنية بالقوانين الضريبية، وهي مناقشات لا تتوقف داخل الهيئات التشريعية حول العالم. لقد وضع الاقتصاديون نظرية جميلة للضرائب المثالية تتمحور حول الحد الأقصى للكفاءة. ولكن هذه النظرية لا تساهم بأي دور في المناقشات التشريعية. ومن ناحية أخرى، نجد أن قضايا الإنصاف تهيمن على هذه المناقشات. ومن هنا تأتي الفوضى الضريبية الراهنة.

على حواف القضايا

وعلى ذلك، فنصيحتي للاقتصاديين المهتمين بصنع السياسات الفعلية – وليس النظرية – أن عليهم ألّا ينسوا الكفاءة. فالكفاءة مهمة ونحن على صواب في رأينا هذا. لكننا قد نضطر إلى الاكتفاء بتناول حواف القضايا، تحت مستوى العناوين السياسية، حتى تصبح تفاصيل الحزمة السياسية المعقدة أكثر كفاءة. ويمكن أن نطلق عليها نظرية ثالث أفضل بديل أو رابع أفضل بديل. وقد نضطر إلى الاكتفاء بهذا الحد.

* أستاذ اقتصاد في جامعة برينستون ونائب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق. ويستند هذا المقال إلى محاضرة سابقة أمام الأكاديمية الأمريكية للعلوم السياسية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى