هاشتاق عربي – وصفي الصفدي
ثمانون عاماً ليست رقماً في سجل. ثمانية عقود هي جيلان ونصف من الاختيارات المتراكمة. والأردن الذي يقف اليوم عند هذه المحطة ليس الأردن الذي بدأ منها: بلدٌ بلا نفط قرر أن يبني على الإنسان، وبلا عمق استراتيجي تقليدي قرر أن يكون مرتكزاً للاستقرار، وبموارد محدودة قرر أن يستثمر في ما لا ينضب – في المعرفة والمؤسسة والقانون.
المحتويات
التحديث – الاقتصاد – التكنولوجيا – الإنسان
الذكرى الثمانين ليست مناسبة للاحتفاء فحسب، بل للقراءة الصادقة. والقراءة الصادقة تقول: الأردن في السنوات الأخيرة يمر بتحول حقيقي، ليس في هيكل قطاع أو توجه برنامج، بل في فلسفة الدولة ذاتها – كيف تُدار، وكيف تنمو، وكيف تُقدّم خدماتها، وكيف تضع مواطنها في مركز المشهد لا في هامشه.
هذا النص سردية ذلك التحول. ليست قائمة إنجازات تُقرأ في مناسبة ثم تُنسى، بل محاولة لفهم الخيط الذي يربط هذه التحولات ببعضها ويجعلها منظومة واحدة متماسكة.
الأردن لا يُشبه نفسه قبل عشر سنوات. التحول حقيقي وإن كان صامتاً، والبناء مستمر وإن كان بطيئاً في عيون من يريدون القفزة الفورية.
أولاً: تحديث الدولة – إعادة هندسة المنظومة

حين يتحدث المسؤولون عن «تحديث الدولة» قد يبدو المصطلح ضبابياً، كأنه شعار يُرفع في كل عهد ثم يُؤجَّل. لكن ما شهده الأردن في السنوات الأخيرة يختلف في طبيعته: إصلاح تشريعي منهجي، وإعادة هيكلة حقيقية لكيفية عمل الجهاز الحكومي، ومحاسبة قائمة على الأداء لا على الولاء.
الإصلاح التشريعي: حين يُصبح القانون حليفاً للتنمية
في عام 2022 أطلق الملك عبدالله الثاني رؤية التحديث الاقتصادي بوصفها وثيقة دولة لا برنامج حكومة. ستة وستون وثلاثمئة مبادرة في ثمانية محاور تمتد عشر سنوات – هذا التفصيل ليس رفاهاً تخطيطياً بل التزام قابل للقياس والمحاسبة. وما يجعل هذه الوثيقة مختلفة أنها وُلدت من ورشة عمل وطنية ضمت أكثر من خمسمئة خبير من القطاعين العام والخاص، أي أنها لم تُكتب في الغرف المغلقة ثم تُنزَّل على الناس.
رافق ذلك إصلاح قانوني شامل طال قانون الاستثمار الذي مُنح بموجبه المستثمر الأجنبي معاملة مساوية للمستثمر الوطني في أغلب القطاعات، ونُقّح قانون العمل لرفع مرونة السوق، وصدرت تشريعات جديدة للاقتصاد الرقمي باتت تُوفّر إطاراً قانونياً للشركات التقنية الناشئة وتحميها وتيسّر تمويلها. القانون هنا لم يعد حارساً يُعيق، بل صار ممراً يُيسّر.
كفاءة القطاع العام: المؤسسة كأداة
مؤشر واحد يُلخّص الكثير: في تقرير الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية عام 2024 قفز الأردن إحدى عشرة مرتبة في عامين ليصل إلى المركز التاسع والثمانين عالمياً. هذه القفزة لا تعني أن برمجيات جديدة نُصبت، بل تعني أن طريقة تفكير المؤسسة الحكومية بدأت تتغير: من الخدمة كورقة تُستلم في طابور إلى الخدمة كتجربة تُصمَّم.
أُنشئ مجلس السياسات الاقتصادية الذي يجمع رئيس الوزراء وعدداً من الوزراء المعنيين في جلسات منتظمة تُراجع الأداء بالأرقام وتُعدّل السياسات في الوقت الفعلي. وتوسّعت آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص من نموذج تعاقدي تقليدي إلى نموذج شراكة استراتيجية يتقاسم فيه الطرفان المخاطر والعوائد. الحكومة باتت تسأل القطاع الخاص: ماذا تحتاج؟ لا: هذا ما لدينا.
82% نسبة إنجاز البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي في عامه الأول – رقم يشير إلى تحول في ثقافة التنفيذ لا في ثقافة الإعلان فحسب.
ثانياً: الاقتصاد – من الاستقرار إلى الطموح

الاقتصاد الأردني طُلب منه دائماً أن يصمد في ظروف لا تصمد فيها اقتصادات أكبر منه وأغنى: أزمات إقليمية متتالية، ولاجئون بالملايين، وفاتورة طاقة مرهقة، ومياه نادرة. أن يكون ضمن اقتصادات الشرق الأوسط الأكثر استقراراً نسبياً هو في حد ذاته إنجاز لا يُحسب دائماً بالأرقام.
لكن ما يجري الآن أعمق من مجرد الصمود. ثمة تحول في طموح الاقتصاد: من الاكتفاء بالنمو المتواضع إلى استهداف معدل نمو سنوي يبلغ 5.6 بالمئة حتى عام 2033. هذا الرقم ليس تفاؤلاً بلاغياً – إنه هدف بُنيت له ست وستون وثلاثمئة مبادرة في ثمانية قطاعات.
بيئة الأعمال: المستثمر يختار بحرية
في السنوات الأخيرة تحرّكت منظومة جذب الاستثمار من مكانها: قانون استثمار جديد يمنح الأجنبي ما يمنحه الوطني، وجهة واحدة للمستثمر بدلاً من تنقّله بين الوزارات، وخدمة استثمارية رقمية تُختصر فيها إجراءات كانت تستغرق أشهراً. الاستثمار الأجنبي المباشر الذي بلغ 673 مليون دينار في منتصف 2023 ليس رقماً نهائياً بل مؤشر اتجاه – والاتجاه صاعد.
والأهم من الرقم هو التنوع: لم يعد الاستثمار الأجنبي مركّزاً في القطاعات التقليدية كالعقارات والصناعات الاستخراجية. قطاع التكنولوجيا والاتصالات يستقطب حصته المتنامية، والخدمات المالية الرقمية تجذب رأس المال الإقليمي والدولي. الأردن يتحول من موقع عبور للأموال إلى وجهة لها.
تنويع النمو: ما وراء الخدمات التقليدية
شكّلت الخدمات تاريخياً العمود الفقري للاقتصاد الأردني، وهذا لم يتغيّر كلياً ولا ينبغي له ذلك. لكن ما تغيّر هو طبيعة الخدمات: التكنولوجيا المالية، والتعليم الرقمي، والرعاية الصحية الذكية، والسياحة عالية القيمة – هذه قطاعات خدمية جديدة تُنتج قيمة مضافة حقيقية وتُصدّر إلى خارج الحدود. المهندس الأردني الذي يعمل لشركة أوروبية من مكتبه في عمّان هو صادرات أردنية بكل معنى الكلمة.
الأردن الذي رهن على الإنسان في غياب الموارد الطبيعية يجد اليوم أن رهانه كان صحيحاً – لأن الاقتصاد العالمي أصبح يُكافئ العقل قبل أي شيء آخر.
ثالثاً: التحول الرقمي – البنية التي تُغيّر كل شيء
حين تتغير البنية التحتية تتغير حياة الناس. ليس لأن الشبكة أسرع أو الجهاز أحدث، بل لأن من كان مقطوعاً أصبح متصلاً، ومن كانت خدماته بعيدة أصبحت في يده، ومن كان يقضي يومه في طوابير الحكومة أصبح يقضيه في عمله.
شبكات الجيل الرابع والخامس: الاتصال كحق
تجاوز معدل انتشار الإنترنت المتنقل في الأردن مئة بالمئة، ووصلت شبكات الجيل الرابع إلى تغطية تتجاوز تسعين بالمئة من الأراضي المأهولة. الرقم الأول يعني أن لكثيرين أكثر من خط، والرقم الثاني يعني أن الاتصال لم يعد امتيازاً حضرياً – وصل إلى المزارع في وادي رم وإلى الطالبة في الطفيلة وإلى صاحب المحل في الرمثا.
وفي أفق قريب، تُخطط هيئة تنظيم الاتصالات لترسية ترددات الجيل الخامس التجاري، الذي سيُمثّل نقلة نوعية لا في سرعة التصفح فحسب، بل في قدرة الأردن على تشغيل مدنه الذكية ومصانعه المؤتمتة وبنيته الصحية المتصلة. الجيل الخامس ليس ترقية تقنية، إنه إعادة كتابة قواعد الإنتاج والخدمات.
الألياف الضوئية والإنترنت الفضائي: إغلاق فجوة الوصول ولشمول الرقمي
شبكة الألياف الضوئية الأردنية توسّعت بوتيرة متسارعة خلال السنوات الأخيرة، وتمتد الخطط لتوصيلها إلى المناطق التي لا تزال تعتمد على النحاس التقليدي. والإنترنت الفضائي – الذي بات يُقدّمه أكثر من مزود دولي بما فيهم من يخدمون المناطق النائية – يفتح باباً كان موصداً أمام مناطق جغرافية كانت تُعدّ خارج نطاق التغطية التجارية. الإنترنت الفضائي ليس بديلاً عن الألياف الضوئية، لكنه جسر يعبر عليه من كانت يده لا تصل.
رقمنة الخدمات الحكومية: الدولة تقترب من المواطن
منصة الحكومة الرقمية الأردنية وتطبيق سند باتت تتيح مئات الخدمات الحكومية إلكترونياً، من تجديد الوثائق الرسمية إلى تسجيل الشركات إلى الخدمات الصحية والتعليمية. ومشروع الهوية الرقمية الوطنية الذي يجري تطويره يُمثّل التحول الأعمق: مواطن بهوية رقمية موحّدة يتعامل مع الدولة بوثوق وسرعة دون إعادة توثيق مستمرة. هذا لا يوفّر وقت المواطن فحسب، بل يُقلّل التكلفة التشغيلية للحكومة ويُقلّص فرص الخطأ والفساد الإجرائي.
92% من المنازل الأردنية متصلة بالإنترنت – من بين أعلى معدلات الانتشار في المنطقة لدولة من حجم الأردن وظروفه.
رابعاً: قطاع الاتصالات والتكنولوجيا – الرافعة الاقتصادية الصامتة
يُسهم قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنحو 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوظّف قرابة ثمانية وأربعين ألف أردني في أكثر من ثلاثة آلاف ومئة شركة. لكن الرقم الأكثر دلالة هو التحول النوعي: إيرادات القطاع قفزت من نحو ثلاثمئة مليون دولار عام 1999 إلى ما يزيد على ملياري دولار ونصف اليوم. هذا ليس نمواً طبيعياً بل هو ثمر سياسات متراكمة.
ما يجعل هذا القطاع «رافعة» بالمعنى الدقيق هو أثره الخارجي: كل وظيفة في التكنولوجيا تُولّد ما بين وظيفتين وثلاث وظائف في قطاعات أخرى. التطبيق الذي يبنيه المطوّر الأردني يحتاج مصمماً ومسوّقاً ومحاسباً وموزّعاً. الشركة الناشئة التي تنمو تحتاج محامياً ومستشاراً مالياً وعقاراً تجارياً. الاقتصاد الرقمي لا يعيش في فقاعة تقنية معزولة، بل يضخ دماً في الاقتصاد التقليدي بأسره.
منظومة ريادة الأعمال: صناعة المستقبل من الداخل
تحوّلت منظومة ريادة الأعمال الأردنية خلال عقد من مشهد حاضنات ومسرّعات متناثرة إلى نظام بيئي يمتلك أجزاءه الرئيسية: رأس مال مخاطر محلي وإقليمي، وقوانين تيسّر التأسيس والتمويل والخروج، ومواهب تقنية ذات تأهيل تنافسي، وقصص نجاح مرئية يستلهم منها الجيل الجديد.
والأهم من الكم هو النضج. رائد الأعمال الأردني اليوم لا يُصمّم لسوق محلي محدود، بل يُفكّر منذ اليوم الأول في الإقليم وأحياناً في السوق العالمي. التجارة الإلكترونية والتقنية المالية والتعليم الرقمي والصحة الذكية – هذه قطاعات باتت فيها شركات أردنية ناشئة تُنافس في دبي والرياض وبيروت وأحياناً في لندن وأمستردام.
رائد الأعمال الأردني الذي يُصمّم منتجه بعقلية إقليمية ويطوّره بكلفة محلية يملك ميزة تنافسية حقيقية. المشكلة لم تكن في الموهبة يوماً، بل في البيئة – وهذه البيئة تتحسن.
خامساً: الشمول المالي: حين يصل المال إلى من كان بعيداً عنه
الشمول المالي ليس مصطلحاً تقنياً يتداوله الاقتصاديون في المؤتمرات – هو سؤال عملي بالغ الأثر: كم أردنياً يملك حساباً مصرفياً؟ وكم منهم يستطيع الحصول على قرض؟ وكم منهم يملك أداة ادخار رسمية تحمي مدخراته وتُعظّم قيمتها؟ الإجابة على هذه الأسئلة هي ما تغيّر في السنوات الأخيرة بصورة لافتة.
ارتفعت نسبة الشمول المالي في الأردن من نحو 33 بالمئة عام 2017 إلى ما يتجاوز 50 بالمئة عام 2022 وفق بيانات البنك الدولي – قفزة تعكس سياسة وطنية ممنهجة لا تحسناً عفوياً. الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي التي أطلقها البنك المركزي الأردني وضعت هدفاً واضحاً ومسؤولين محددين وآليات متابعة فعلية. وما رافق ذلك من توسّع في خدمات المحافظ الإلكترونية وانتشار نقاط الدفع الرقمي ونمو قطاع التمويل الأصغر أفضى إلى تحوّل ملموس: المرأة في الريف باتت تستطيع استقبال تحويل مالي على هاتفها دون أن تقطع مسافة إلى فرع مصرفي. والحرفي الصغير بات يستطيع الحصول على تمويل تجاري بإجراءات مبسّطة لم تكن متاحة له قبل سنوات. الشمول المالي في جوهره رهان على أن الاقتصاد يكبر حين يضم الجميع لا حين يخدم القادرين وحدهم.
سادساً: صندوق الريادة الأردني: رأس مال يصنع رأس مال
في منظومة ريادة الأعمال، ثمة حلقة مفقودة تقتل كثيراً من الأفكار الجيدة قبل أن تُولد: التمويل في المراحل الأولى. الفكرة موجودة، والموهبة موجودة، والسوق موجود – لكن لا أحد مستعد للمخاطرة بماله في مشروع لم يُثبت نفسه بعد. صندوق الريادة الأردني جاء ليسدّ هذه الفجوة بالتحديد.
الصندوق الذي أُسّس بدعم حكومي ومشاركة القطاع الخاص يعمل بآلية الصندوق المحفّز: يضخّ تمويلاً في الشركات الناشئة الأردنية في مراحلها الأولى بشروط تشجّع المستثمرين الخاصين على المشاركة لا على الانتظار. هذا النموذج – الذي تعتمده الدول المتقدمة في منظوماتها الريادية – يُضاعف أثر الدينار الحكومي الواحد بأضعافه من القطاع الخاص. والأهم من التمويل هو الرسالة التي يُرسلها الصندوق للسوق: الأردن جاد في دعم ريادة الأعمال وليس مجرد خطاب. هذه الجدية هي ما تجعل المستثمر الإقليمي يُفكّر في الأردن حين يبحث عن منظومة ريادية ناضجة يضع فيها أمواله.
سابعاً: المؤسسات الاستراتيجية – الهيكل الذي يحمل التحول

التحول الحقيقي لا يُبنى على قرار وزير أو مزاج سياسي. يُبنى على مؤسسة تعيش بعد من أسّسها وتُنتج نتائجها حتى حين تتغير الحكومات. الأردن في السنوات الأخيرة يُدرك هذه الحقيقة ويعمل وفقها.
المجلس الأعلى لتكنولوجيا المستقبل
المجلس الأعلى لتكنولوجيا المستقبل الذي انشئه الملك عبدالله الثاني شخصياً ويترأسه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، هو إشارة واضحة على مستوى الأولوية. حين يترأس رأس الدولة مجلساً متخصصاً يعني ذلك أن القرارات الاستراتيجية المتعلقة بتكنولوجيا المستقبل لن تُفلَّت من يد القيادة إلى التسويف البيروقراطي. المجلس يعمل على تسريع التبني الحكومي للذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية، ويُشكّل جسراً حقيقياً بين القرار السياسي العلوي والتنفيذ التقني الميداني.
مؤسسات التخطيط والتحديث الاقتصادي
وحدة دعم وتنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي التي تعمل تحت إشراف مباشر من رئاسة الوزراء تُمثّل نموذجاً مختلفاً عن اللجان الحكومية التقليدية: تُتابع تنفيذ المبادرات بمؤشرات أداء محددة، وتُفصح عن نسب الإنجاز بصورة دورية، وتُعلن صراحةً حين يتأخر هدف أو يحتاج تعديلاً. الشفافية في الأداء ليست ضعفاً – هي أحد أعمدة الحوكمة الحديثة.
وعلى مستوى الاقتصاد الرقمي تحديداً، تُمثّل وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة الذراع التنفيذية لأجندة التحول، بتفويض يتجاوز الاتصالات التقليدية إلى الذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال والأمن السيبراني. هذا التفويض الموسّع يعكس قناعة بأن الاقتصاد الرقمي ليس قطاعاً عمودياً منفصلاً بل بنية أفقية تخترق كل القطاعات.
أطر الحوكمة الحديثة
لا يكتمل الهيكل المؤسسي بدون إطار حوكمة يحكمه. صدور قانون الأمن السيبراني عام 2019، وتطوير منظومة حماية البيانات الشخصية، والاشتراطات الجديدة للذكاء الاصطناعي المسؤول التي تُصاغ حالياً – هذه ليست قيوداً تقنية. هي الأساس الذي تثق عليه الشركات الدولية حين تختار موقعاً إقليمياً لعملياتها. الحوكمة هي الميزة التنافسية التي لا تنتبه إليها الدول حتى حين تخسر بسبب غيابها.
المرتبة 73 عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي 2024 (WIPO)، والمرتبة 71 في مؤشر جاهزية الشبكات – ترتيبات تعكس منظومة متكاملة لا إنجازات عشوائية.
ثامناً: الإنسان في المركز – البُعد الذي لا تُكمله الأرقام
السردية الوطنية التي لا تُعيد المواطن إلى مركزها هي سردية ناقصة. كل ما سبق من تحولات في الدولة والاقتصاد والتكنولوجيا والمؤسسات لا يستحق وقفة إلا إذا ترجم في النهاية إلى حياة أفضل لأردني حقيقي يعيش في شقة أو مزرعة أو بيت متواضع في أحد أحياء المملكة.
أثر التحول في الحياة اليومية
الأردني الذي كان يقضي ساعات في طوابير المعاملات الحكومية بات يُنجز كثيراً منها من هاتفه. الطالب في المدرسة الحكومية في ريف الزرقاء يصل اليوم إلى محتوى تعليمي عالمي كان حكراً على من يسكن بجوار مكتبة متخصصة. الحرفية الأردنية في الكرك باتت تبيع منتجاتها عبر الإنترنت لزبون في الكويت لم تلتقِ به قط.
هذه ليست قصصاً استثنائية. إنها ملامح تحول اجتماعي هادئ تصنعه التكنولوجيا حين تصل إلى من هم بحاجة إليها. والتغيير الأعمق ليس في الأداة بل في التصوّر: الأردني الذي كان يرى نفسه متلقياً للخدمة بدأ يرى نفسه مشاركاً في الاقتصاد ومنتجاً فيه لا مستهلكاً فحسب.
العدالة في الوصول: إغلاق الفجوة
التحديث لا يُقاس بما يصل إلى المدينة، بل بما يصل إلى من كانوا في الهامش. منظومة التحديث الأردني تحمل في طياتها التزاماً صريحاً بتوسيع دائرة المستفيدين: شبكات الاتصال تمتد إلى المناطق النائية، وبرامج محو الأمية الرقمية تستهدف الأجيال التي تجاوزت المدرسة، والدعم الحكومي لريادة الأعمال يُعطي اهتماماً خاصاً للمحافظات خارج العاصمة.
الفجوة الرقمية ليست ترفاً أكاديمياً. هي مسألة عدالة اقتصادية. الشاب الموهوب في الطفيلة يستحق فرصة مساوية للشاب في عبدون. والتحول الرقمي حين يُوظَّف بوعي يُمكن أن يكون المُعادِل الأعظم في مجتمع تُوزّع فيه الفرص توزيعاً غير متكافئ.
المواطن في مركز المشهد ليس شعاراً – هو الاختبار الوحيد الذي يُفرّق بين تحديث حقيقي وآخر صوري. والأردن اجتاز جزءاً من هذا الاختبار، ولا يزال أمامه جزء آخر.
نحو أردن ما بعد الثمانين

ثمانون عاماً من الاستقلال لا تُحتفل بها بالنظر إلى الخلف وحده. تُحتفل بها أيضاً بالنظر إلى الأمام بعيون من يحمل تراكم التجربة ورصيد ما تعلّم.
ما تعلّمه الأردن في ثمانين عاماً هو هذا: الثبات يُبنى على المؤسسة لا على الشخص. والنمو الحقيقي يُبنى على الإنسان لا على الموارد. والاستقرار لا يعني الجمود – بل يعني القدرة على التحول دون أن تفقد الدولة خيطها الجوهري.
الأردن القادم يقف أمام فرصة تاريخية نادرة: الذكاء الاصطناعي يُعيد توزيع الميزات التنافسية العالمية، والبلدان التي تمتلك كتلة بشرية مؤهلة ومتصلة وبيئة مؤسسية راسخة تملك أوراقاً لم تمتلكها من قبل. الأردن يملك هذه الأوراق – السؤال هو هل سيلعبها بالجرأة التي تستحقها.
المطلوب في العقد القادم ليس اختراع الأردن من جديد. المطلوب هو تسريع ما بدأ: رقمنة خدمات الدولة بالكامل، ومضاعفة الاستثمار في رأس المال البشري التقني، وتصدير الخدمات الرقمية الأردنية إلى الإقليم والعالم، وتحويل منظومة الابتكار من حالة واعدة إلى صناعة ناضجة.
في الخامس والعشرين من آيار 1946 قال الأردن للعالم: نحن هنا. في الخامس والعشرين من آيار 2026 يقول: نحن نتحوّل. والجملة الثانية أصعب من الأولى، وأكثر قيمة منها.
المصادر والمراجع
- وثيقة رؤية التحديث الاقتصادي الأردني 2022-2033 – الديوان الملكي الهاشمي
- وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة – تقارير القطاع السنوية 2021-2024
- الأمم المتحدة – تقرير الحكومة الإلكترونية 2024 (UN EGDI)
- منظمة الملكية الفكرية العالمية – مؤشر الابتكار العالمي 2024 (GII / WIPO)
- معهد بورتولانز – مؤشر جاهزية الشبكات 2024 (NRI)
- البنك الدولي – مؤشرات التنمية العالمية 2023 (World Development Indicators)
- جمعية شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأردنية (إنتاج) – بيانات القطاع 2021-2024
- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – تقرير التنمية البشرية 2025 (UNDP)



