مقالات

مواهب مرضى التوحد النادرة تجد طريقها إلى شركات التكنولوجيا

شارك هذا الموضوع:

هاشتاق عربي- إيما جيكوبس
في مكتب صغير في الحي المالي في لندن يجلس ثلاثة شبان، منصتين إلى مدرب يحدثهم عن كيفية التعامل مع الإجهاد. هؤلاء ليسوا محامين أو مصرفيين مرهقين، لكنهم أشخاص يرغبون أن يكونوا مقاولين في مجال التكنولوجيا. توحدهم ومهاراتهم في البرمجة جلباها إلى مكاتب “أوتيكون”، الشركة الاستشارية الألمانية المختصة في توظيف أناس من طيف التوحد، في مستوى وظيفي مبتدئ أو وظائف ذات مهارات عالية في مجموعة من التخصصات التكنولوجية.

توم كاولي (29 عاما) الذي يزيد طوله على 195 سنتمترا، مع شعر مجعد كثيف ولحية، أحد هؤلاء الثلاثة. بعد الدراسة للحصول على شهادة في تصميم الألعاب وجد نفسه في موقف صعب. فهو يرغب في العمل في شركة ألعاب، لكنه لم يحصل على فرصة لأنه يفتقر إلى الخبرة. يقول كاولي إنه يشعر حاليا كأنه “أداة دون هدف”.

ويأمل أن يتمكن بمساعدة شركة أوتيكون – دعم من مدرب، وعقد، وصاحب عمل متفهم – من تحسين مستوى ثقته بنفسه. على المدى الطويل هذا قد يمكنه من الانتقال من منزل والديه في غرب لندن.

وأوتيكون هي واحدة من عدد قليل من الشركات الاستشارية – مثل باسويرك البلجيكية وسبيشياليستيرن التي تأسست في الدنمارك لكنها الآن تملك عمليات في أنحاء أوروبا جميعا والولايات المتحدة – التي توظف أشخاصا يعانون التوحد في شركات تكنولوجيا المعلومات.

صعوبات كاولي بعيدة عن أن تكون غير مألوفة. الأشخاص الذين يعانون التوحد يمكن أن يواجهوا مشكلات في العثور على عمل والاستمرار فيه، غالبا بسبب سوء الفهم المتعلق بحالتهم أو غياب الدعم. ويمكن لاضطراب النمو العصبي المعقد، المفضي إلى التوحد، أن يسبب صعوبات اجتماعية وسلوكية وعلى مستوى التواصل مع الآخرين.

ويؤثر التوحد على الناس بطرق مختلفة، بعضهم قد لا يكون قادرا على التحدث، لكن بعضا آخر يكون متحدثا مفوها. ويعتقد كاولي أنه في كثير من الأحيان يمكن اعتباره “وقحا إلى حد ما”.

لكن الذين يعانون التوحد يملكون في بعض الأحيان مواهب استثنائية، بحسب شركة أوتيكون. كثير منهم لديهم قدرة على التعرف على الأنماط والأخطاء في كميات كبيرة من البيانات، وهم جيدون في التفكير المنطقي، وعرض حلول مبتكرة لمختلف المشكلات، وتقديم وجهات نظر جديدة. وغالبا ما يكونون دقيقين وجيدين في التركيز والمثابرة، فضلا عن التعلم الذاتي.

وفقا لدراسة صدرت في عام 2010، 26 في المائة من الخريجين الذين يعانون التوحد في المملكة المتحدة كانوا بدون عمل بعد ستة أشهر من إنهاء مساقاتهم الدراسية – نسبة أعلى ثلاث مرات تقريبا من الخريجين غير المعاقين.

فيل إيفانز، وهو مدافع عن المصابين بالتوحد ومتحدث يبحث عن عمل، يقول إن من يجرون معه المقابلات يجدونه “كالروبوت” – بمعنى أنهم يغفلون عن مهاراته وشهادته.

هذه الحالة تؤثر على نسبة عالية من السكان. في الولايات المتحدة واحد من كل 68 طفلا يعاني التوحد، وتزيد النسبة إلى واحد من 42 بين الفتيان، بحسب، مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. ويشير بعضهم إلى أن الرقم قد يكون أعلى. ففي عام 2011 وجدت دراسة أجرتها “أوتيزم سبيكس”، إحدى مجموعات الدعم في الولايات المتحدة، أن الرقم واحد من 38 طفلا.

ديرك مولر ريموس، مؤسس شركة أوتيكون، هو مطور برمجيات تم تشخيص ابنه، ريكاردو، بمتلازمة أسبرجر – نوع من أنواع مرض التوحد – في عمر 14 سنة عام 2007.

يقول، “الصعوبات التي يعانيها في التفاعل والتواصل الاجتماعي (…) أصبحت أكثر وضوحا بكثير”.

بعد ذلك بعام، حضر مولر ريموس وزوجته لقاء كان يحضره 25 شخصا يعانون التوحد، معظمهم من ذوي التعليم العالي الذين تحدثوا عن كفاحهم من أجل العثور على عمل. جميعهم كانوا بدون عمل. مولر ريموس شعر بالصدمة، وقرر تأسيس شركة للتركيز على نقاط القوة لدى الأشخاص ذوي المهارات التكنولوجية الذين يعانون التوحد.

مارتن نويمان الذي يعمل مستشارا في شركة أوتيكون في ألمانيا على مدى الأعوام الأربعة الماضية، كان يملك شركة تخطيط للهندسة المدنية مع أحد أصدقائه. كان يهتم بالخبرات الفنية بينما صديقه المؤسس المشارك كان الوجه العام للشركة، المسؤول عن التواصل مع الزبائن والتفاعل معهم. هذا الأمر نجح بشكل جيد حتى أصبح شريكه مريضا واضطر نويْمان لتحمل مسؤولياته.

يقول نويْمان، “لم أستطع تولي الأمر. أرهقني الإجهاد”. وأدى به ذلك إلى زيارة الطبيب الذي شخص حالته بأنها ضمن الطيف. نويْمان البالغ من العمر 55 عاما كان يشعر طوال حياته “إما أنني كنت شخصا غريبا، وإما أن الآخرين كانوا كذلك”.

بعد فترة وجيزة، عثر نويْمان على شركة أوتيكون. مهاراته في البرمجة تعني أنه مطلوب جدا. ومن المفيد أيضا أن يقوم مدرب باطلاع الزملاء الجدد على احتياجاته. يقول نويْمان، “الأشخاص الذين لا يعانون اضطراب النمو العصبي”، تعبير جديد يستخدم في مجتمع التوحد باعتباره صفة للناس الذين ليسوا على الطيف، بحاجة إلى “التحقق من كيف كان يومك. أنا لست بحاجة إلى ذلك. أنا أجده أمرا مجهدا. إنه مثل لغة ثالثة أو رابعة. لا أفهمها أبدا”.

إيما جونز، منسقة الشراكات والتدريب على العمل في الجمعية الوطنية للمصابين بالتوحد، تقول إن بعض أصحاب العمل يبنون افتراضات اعتمادا على معرفة جزئية للحالة.

بعض الموظفين الذين يعانون التوحد قد يرغبون في العمل وحدهم في حجرة، بينما بعض آخر قد يجد في العمل الانفرادي عزلا. وتتذكر جونز امرأة تعاني التوحد تم نقلها من وظيفة كانت تحبها إلى الدائرة المالية بعد تشخيصها بمرض التوحد، لأنه تم افتراض أنها ستكون جيدة في الأرقام. تقول، “كانت تكره الرياضيات”.

فيولا سومر، رئيسة العمليات في شركة أوتيكون، تقول إن تعيين الموظفين الذين يعانون التوحد يمكن أن يعزز الأعمال. بعض الصدق القاسي للمستشارين الذين يعانون التوحد يؤدي إلى استياء بالغ. لكن إذا كان مثل هذا الصدق يعني الإشارة إلى أن أحد المشاريع من المرجح أن يفشل، في حين أن الموظفين الآخرين مترددون في التعبير عن شكوكهم، في نهاية المطاف هذا قد يكون أمرا جيدا للأعمال.

وتضيف، “المديرون غالبا لا يريدون سماع الحقيقة”.

يقول كيرت شوفر، الرئيس التنفيذي لشركة أوتيكون، “نحن نحاول تحويل الأمر ونقول إن التوحد ميزة”.

مايلز فيندلي (22 عاما) الذي يرتدي ملابس أنيقة، وجد حديث المدرب مفيدا. قبل جلسات التدريب في الحي المالي في لندن كان طالب علوم الحاسوب قلقا من دخول مكان العمل. لقد اختبر نوعا من الفهم وأدرك أنه يملك أصولا ومهارات فريدة من نوعها. يقول، “أنا أملك مهارات ولست بحاجة إلى القلق بشأن حالتي”.
الاقتصادية

مقالات ذات صلة

أترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى