هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
لم تعد الفوضى الرقمية حالة عابرة. أصبحت نمطًا مستمرًا يعيد تشكيل الوعي، ويؤثر في القرار، ويخلق واقعًا موازيًا لا علاقة له بالحقيقة. ما نراه اليوم في المنطقة، في ظل الحرب وتدفق المعلومات، يكشف حجم الخلل. كل حدث يتحول خلال دقائق إلى عشرات الروايات. مقاطع مفبركة تنتشر بسرعة. حسابات مجهولة تقود النقاش. وذباب إلكتروني يعيد إنتاج نفس الرسائل حتى تبدو وكأنها حقيقة.
المحتويات
في تجارب سابقة، كتبت عن الفوضى الرقمية، وعن التجنيد الإلكتروني الذي يستهدف الأفراد، وعن الذباب الإلكتروني الذي يعمل بشكل منظم لتوجيه الرأي العام. هذا ليس سلوكًا عشوائيًا. هو نشاط ممنهج. يعتمد على أدوات، وتمويل، واستراتيجيات واضحة.
خذ مثال ما يحدث في سياق الحرب في المنطقة. فيديو واحد قد يُنشر دون سياق. يتم اقتطاعه، إعادة نشره، وترجمته بشكل مختلف. خلال ساعات، يتحول إلى “حقيقة” يتداولها آلاف المستخدمين. من يوقف هذا؟ من يتحقق؟ في الغالب لا أحد. المستخدم العادي يستهلك، يعيد النشر، ويصبح جزءًا من سلسلة التضليل دون أن يدرك.
الفوضى الرقمية والتجنيد الإلكتروني: لماذا لم يعد التعليم كافيًا؟

في الأردن، رأينا نماذج واضحة.
مقاطع مفبركة حول مواقف الدولة في غزة.
تحليلات مجهولة المصدر تُقدَّم كحقائق.
حسابات تدّعي المعرفة، وتبني سرديات كاملة لا تستند إلى أي دليل.
هذا ليس مجرد سوء استخدام للتكنولوجيا. هذا فشل في بناء القدرة على التعامل معها.
التجنيد الإلكتروني يظهر هنا بوضوح. لا أحد يطلب منك الانضمام بشكل مباشر. لكن يتم استدراجك عبر المحتوى. تبدأ بمتابعة حساب، ثم تتبنى روايته، ثم تدافع عنها، ثم تهاجم من يخالفها. هكذا يتحول المستخدم إلى أداة. دون تدريب، دون وعي، ودون إدراك.
الذباب الإلكتروني يعمل بطريقة مختلفة. حسابات متعددة، رسائل متكررة، توقيت منسق. الهدف ليس الإقناع، بل الإغراق. إغراق الفضاء الرقمي برسالة واحدة حتى تختفي بقية الأصوات.
في هذا المشهد، لا يكفي أن نقول “نحتاج توعية”. التوعية العامة أثبتت محدوديتها. ولا يكفي أن نعتمد على القوانين فقط. القوانين تتعامل مع النتائج، لا مع السلوك اليومي.
السؤال الذي يجب أن تطرحه على نفسك:
هل أنت قادر اليوم على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك؟
هل تستطيع أن تقرر متى تشارك ومتى تتوقف؟
هل تفهم كيف يتم استهدافك رقميًا؟
إذا كان الجواب غير واضح، فالمشكلة ليست فيك فقط. المشكلة في غياب نظام يبني هذه القدرة بشكل منهجي.
هنا يأتي الحل الذي دعوت إليه سابقًا: الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (IDDL).
الفوضى الرقمية والتجنيد الإلكتروني: من رد الفعل إلى هندسة الوعي
الفكرة بسيطة لكنها حاسمة.
كما لا يُسمح لك بقيادة مركبة في شارع عام دون إثبات كفاءة، لا يجب أن يُفترض أنك قادر على العمل في بيئة رقمية تؤثر على المجتمع دون إثبات قدرة.
الفضاء الرقمي ليس مساحة فردية. هو بيئة مشتركة عالية المخاطر.
قراراتك فيه لا تؤثر عليك وحدك. تؤثر على الآخرين. على المجتمع. على الدولة.
الرخصة لا تعني منع الناس. تعني تأهيلهم.
تعني أن يثبت المستخدم أنه قادر على:
فهم المحتوى
تحليل المصدر
اتخاذ قرار واعٍ
تحمل مسؤولية الفعل الرقمي
في الإطار الذي أعمل عليه، التقييم لا يعتمد على المعرفة فقط. بل على السلوك.
كيف تتصرف أمام سيناريو تضليل؟
هل تضغط؟ هل تشارك؟ هل تتحقق؟
هذه أفعال، وليست معلومات.
بدون هذا النوع من التقييم، سنبقى في نفس الحلقة.
محتوى مضلل ينتشر.
ردود فعل متأخرة.
ومجتمع يتعرض للاستنزاف المعرفي.
ما يحدث اليوم ليس أزمة منصات. هو أزمة قدرة.
والحل ليس في إغلاق التطبيقات أو مطاردة الحسابات فقط.
الحل في بناء إنسان رقمي قادر.
هل نريد أن نبقى مستخدمين؟
أم نتحول إلى مشاركين واعين في بيئة رقمية معقدة؟
هذا القرار لم يعد نظريًا. أصبح ضرورة.



