الرئيسيةخاصشبكات اجتماعيةمقالات

“المحتوى المضلل” لماذا ينتشر سريعا على الإنترنت؟

هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان

هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان

بعد أن ناقشنا كيف نميّز بين الفيديو الحقيقي والمضلل، يبقى سؤال أكثر أهمية. لماذا يتم إنتاج هذا الكم من المحتوى المضلل أصلًا.

الفكرة ليست عشوائية. ما يحدث اليوم هو نتيجة دوافع واضحة تتقاطع فيها المصالح مع التقنية مع سلوك المستخدم.

الدوافع

أول هذه الدوافع هو المال.

المحتوى المثير ينتشر بسرعة، والانتشار يعني مشاهدات، والمشاهدات تعني دخلًا. في هذا النموذج لا تتم مكافأة الدقة، بل تتم مكافأة الجذب. لذلك يُصمم المحتوى ليشد الانتباه حتى لو كان مضللًا.

ثم يأتي دافع التأثير.

هناك من يستخدم الفيديو لتوجيه الرأي العام. ليس بالضرورة عبر الكذب المباشر، بل عبر إعادة صياغة الواقع. اختيار زاوية معينة، اقتطاع مشهد، تغيير صوت، كل ذلك يمكن أن يدفع المتلقي لتبني موقف دون أن يشعر.

هناك أيضًا دافع الاختبار.

بعض الجهات لا تنشر فقط لتؤثر، بل لتتعلم. تراقب ماذا ينتشر، ماذا يثير الغضب، ماذا يدفع الناس للمشاركة. هذه التجارب تتحول لاحقًا إلى أدوات أكثر دقة في التأثير.

في سياق أوسع، نحن أمام شكل جديد من الصراع.

الحرب لم تعد فقط عسكرية. هناك معركة على الوعي. فيديو واحد يمكن أن يزرع الشك، يخلق انقسامًا، أو يضعف الثقة داخل مجتمع كامل.

فيديوهات الذكاء الاصطناعي.. كيف نكشف التزييف ونحمي وعينا الرقمي؟

ولا يمكن تجاهل دافع الشهرة.

بعض الأفراد ينتجون محتوى مضللًا فقط لجذب الانتباه. في بيئة تكافئ الانتشار، يصبح الصدق أحيانًا أقل قيمة من الإثارة.

وهناك بعد تجاري واضح.

قد يُستخدم المحتوى المضلل للترويج أو للإضرار بمنافس. يتم خلق قصة أو موقف لتوجيه قرار الجمهور دون وعيه.

وفي كثير من الحالات، لا يكون التضليل مقصودًا أصلًا.

شخص يشاهد فيديو، يقتنع به، ثم يشاركه دون تحقق. هنا لا يوجد نية سيئة، لكن النتيجة واحدة. التضليل ينتشر.

كل ذلك أصبح ممكنًا لأن التقنية أصبحت سهلة.

اليوم يمكن لأي شخص تعديل فيديو حقيقي أو إنتاج محتوى مقنع بأدوات بسيطة. تكلفة التزييف انخفضت بشكل كبير، بينما تأثيره ازداد.

لكن رغم كل هذه الأسباب، هناك حقيقة يجب التوقف عندها.

كيف نتعامل مع المحتوى المضلل؟

المحتوى المضلل لا ينتشر لأنه موجود فقط، بل لأنه يُتداول.

كل مشاركة هي قرار.

كل إعادة نشر هي مساهمة في تضخيم الأثر.

وهنا نعود إلى النقطة التي بدأنا بها في المقال السابق.

المسألة ليست فقط في كشف التزييف، بل في كيفية التعامل معه.

إذا كان إنتاج المحتوى المضلل مدفوعًا بالمال والتأثير والانتشار، فإن إيقاف أثره يبدأ من سلوك المستخدم.

من التوقف قبل التفاعل.

من البحث قبل النشر.

من فهم أن كل محتوى قد يحمل أثرًا يتجاوز الشخص نفسه.

لهذا فإن الحديث عن الوعي لم يعد كافيًا.

نحن بحاجة إلى قدرة قابلة للقياس.

قدرة تثبت أن المستخدم يستطيع التعامل مع هذا الواقع المعقد.

وهنا يظهر دور الرخصة الدولية للقيادة الرقمية.

ليس بوصفها فكرة تعليمية، بل بوصفها آلية لضبط السلوك في بيئة عالية التأثير.

كما لا يُسمح لك بالقيادة في طريق عام دون إثبات قدرتك على التعامل مع المخاطر، كذلك لا ينبغي أن يُترك التعامل مع المحتوى الرقمي دون اختبار حقيقي للسلوك.

في النهاية، السؤال لا يتعلق فقط بمن ينتج المحتوى المضلل ولماذا.

السؤال الأهم يتعلق بنا نحن.

هل نتعامل مع هذا المحتوى بطريقة تقلل أثره

أم أننا نغذي الأسباب التي أدت إلى إنتاجه من الأساس

أ.د أحمد غندور القرعان

أ.د أحمد غندور القرعان، أستاذ الأعمال الإلكترونية وباحث في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. حاصل على درجة الدكتوراه في علم المعلومات من جامعة أوتاغو في نيوزيلندا، ودرجة البكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من جامعة باث في المملكة المتحدة. يمتلك خبرة أكاديمية وتدريسية دولية في نيوزيلندا والإمارات والأردن. يعمل حالياً على تطوير “الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (IDDL)”، وهو إطار قائم على السلوك لتقييم وترخيص الكفاءة الرقمية في بيئات الذكاء الاصطناعي. تركز أبحاثه على محو الأمية الرقمية، الحوكمة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل. له العديد من الأبحاث والمقالات في مجالات التحول الرقمي، الأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، ويساهم بانتظام في النقاشات الفكرية حول مستقبل المواطنة الرقمية وبناء مجتمعات رقمية آمنة ومنتجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى