الرئيسيةخاصريادةمقالات

الريادة التقنية في الأردن: من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها

هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان

هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان

لم يعد الحديث عن الريادة التقنية ترفاً فكرياً أو خياراً جانبياً. أنت أمام تحول اقتصادي حقيقي يقوده الابتكار الرقمي، حيث لم تعد القيمة تُبنى فقط على الموارد الطبيعية، بل على المعرفة والقدرة على تحويلها إلى منتجات وخدمات قابلة للاستخدام. في هذا السياق، تبرز الريادة التقنية كأحد أهم المسارات التي يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد الأردني.

الريادة التقنية تعني أن تستخدم التكنولوجيا لتبني حلاً لمشكلة حقيقية. قد يكون هذا الحل تطبيقاً، منصة رقمية، خدمة ذكية، أو نظاماً يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي. الفكرة ليست في امتلاك التكنولوجيا، بل في توظيفها لإنتاج قيمة. هنا ينتقل الفرد من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها.

في الأردن، هذه النقلة ليست خياراً بل ضرورة. الاقتصاد محدود الموارد الطبيعية، لكنه غني بالعقول الشابة. هذا التوازن يفرض عليك الاستثمار في رأس المال البشري. الشاب الذي يمتلك مهارة رقمية وقدرة على التفكير التطبيقي يستطيع أن يبني مشروعاً يخدم السوق المحلي ويصل إلى أسواق إقليمية وعالمية.

تظهر أهمية الريادة التقنية في قدرتها على خلق فرص عمل نوعية. أنت لا تبحث عن وظيفة فقط، بل تخلق وظيفة لك ولغيرك. كما أنها تدفع نحو الابتكار في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والخدمات الحكومية والتجارة. المشاريع التقنية الناجحة لا تحل مشكلة واحدة فقط، بل تفتح مسارات جديدة للنمو والاستثمار.

لكن الواقع ليس بسيطاً. هناك تحديات واضحة. التمويل في المراحل المبكرة ما زال محدوداً. كثير من الأفكار تتوقف عند مرحلة الفكرة بسبب غياب الدعم المالي. التعليم لا يزال في كثير من الأحيان نظرياً، ولا يجهزك لبناء منتج حقيقي. الإجراءات القانونية قد تبطئ تأسيس الشركات. والأهم، هناك ثقافة مجتمعية ما زالت تميل إلى الأمان الوظيفي وتخشى المخاطرة.

المارد القادم.. كيف تعيد الحوسبة الكمية تشكيل التعليم والتخصصات؟؟

إذا أردت تغيير هذا الواقع، يجب أن تبدأ من التعليم. لا يكفي أن يتعلم الطالب كيف يستخدم التكنولوجيا، بل يجب أن يتعلم كيف يبني بها. التعلم القائم على المشاريع يجب أن يصبح الأساس. الطالب يجب أن يمر بتجربة كاملة: فكرة، تصميم، تنفيذ، اختبار، ثم عرض المنتج.

الجامعات تستطيع أن تقود هذا التحول. الحاضنات ومسرعات الأعمال داخل الحرم الجامعي ليست إضافة شكلية، بل ضرورة. ربط الطالب بالسوق مبكراً يغير طريقة تفكيره. عندما يعمل على مشكلة حقيقية، يبدأ في رؤية نفسه كمنتج وليس كطالب فقط.

الدولة لها دور حاسم. تبسيط الإجراءات، دعم التمويل المبكر، وتقديم حوافز للشركات الناشئة كلها عوامل تسرّع النمو. كذلك، ربط الريادة التقنية بأولويات الدولة مثل التحول الرقمي والخدمات الحكومية يخلق طلباً حقيقياً على الحلول المحلية.

القطاع الخاص يجب أن يتحرك أيضاً. الاستثمار في الشركات الناشئة ليس مخاطرة فقط، بل فرصة. تدريب الشباب داخل الشركات، فتح البيانات، ودعم الابتكار المفتوح كلها أدوات تخلق بيئة أكثر نضجاً.

المجتمع بدوره يحتاج إلى إعادة تعريف النجاح. الفشل في مشروع ليس نهاية الطريق. هو جزء من عملية التعلم. عرض قصص النجاح المحلية يغير الصورة الذهنية ويجعل الطريق أكثر وضوحاً.

المطلوب اليوم واضح. بناء منظومة متكاملة تبدأ من التعليم، تمر بالتدريب، وتصل إلى التمويل والدعم المؤسسي. بنية تحتية رقمية قوية. تشريعات مرنة. ثقافة تشجع الإنتاج لا الاستهلاك.

السؤال الذي يجب أن تطرحه على نفسك الآن. هل تكتفي باستخدام التكنولوجيا، أم تبدأ في بنائها. هنا يبدأ الفرق.

أ.د أحمد غندور القرعان

أ.د أحمد غندور القرعان، أستاذ الأعمال الإلكترونية وباحث في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. حاصل على درجة الدكتوراه في علم المعلومات من جامعة أوتاغو في نيوزيلندا، ودرجة البكالوريوس في الهندسة الإلكترونية من جامعة باث في المملكة المتحدة. يمتلك خبرة أكاديمية وتدريسية دولية في نيوزيلندا والإمارات والأردن. يعمل حالياً على تطوير “الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (IDDL)”، وهو إطار قائم على السلوك لتقييم وترخيص الكفاءة الرقمية في بيئات الذكاء الاصطناعي. تركز أبحاثه على محو الأمية الرقمية، الحوكمة الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والعمل. له العديد من الأبحاث والمقالات في مجالات التحول الرقمي، الأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي، ويساهم بانتظام في النقاشات الفكرية حول مستقبل المواطنة الرقمية وبناء مجتمعات رقمية آمنة ومنتجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى