هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
التحولات التكنولوجية الكبرى لا تأتي على شكل تطوير عابر. هي تعيد تشكيل المشهد كله. واليوم نحن أمام موجة جديدة يقودها ما يمكن وصفه بالمارد القادم. الحوسبة الكمية. هذه التقنية لا تمثل مجرد زيادة في سرعة الحواسيب، بل تمثل تحولا في منطق المعالجة نفسه.
الحوسبة التقليدية تقوم على البت. قيمة واحدة في كل لحظة. صفر أو واحد. هذا هو الأساس الذي بنيت عليه الأنظمة الرقمية التي نستخدمها اليوم. أما الحوسبة الكمية فتقوم على الكيوبت، وهو يختلف عن البت لأنه يستطيع تمثيل حالات متعددة في الوقت نفسه. هنا تبدأ النقلة. فالمسألة لم تعد فقط في السرعة، بل في القدرة على معالجة أنواع من المشكلات المعقدة بطريقة مختلفة جذريا.
هذا التحول لا يخص المختبرات فقط. أثره المتوقع يمتد إلى مجالات حيوية كثيرة. في الأمن السيبراني مثلا تعتمد أنظمة التشفير الحالية على صعوبة حل مسائل رياضية محددة. وإذا تغيرت القدرة الحسابية فإن كثيرا من هذه الأنظمة سيحتاج إلى مراجعة وتطوير. وفي التحليل الحسابي وعلوم البيانات قد تفتح الحوسبة الكمية المجال أمام معالجة مسائل معقدة في النقل والتمويل وسلاسل التوريد بكفاءة أعلى. وفي البحث العلمي قد تسهم في تطوير الأدوية والمواد الجديدة وفهم التفاعلات الكيميائية بدقة أكبر.
لكن القضية الأهم ليست في التقنية وحدها. القضية في مدى جاهزيتنا لها. العالم القادم لن يعترف بالتخصص المنغلق كما عرفناه لسنوات طويلة. لم يعد كافيا أن يدرس الطالب البرمجة بمعزل عن الأمن، أو البيانات بمعزل عن البنية التقنية، أو التحليل بمعزل عن الرياضيات والخوارزميات. المرحلة القادمة تفرض منطقا مختلفا. التخصص سيبقى مهما، لكن داخل منظومة معرفية أوسع وأكثر ترابطا.
هذا يضع التعليم أمام تحد مباشر. كثير من البرامج الجامعية ما تزال تبنى على الفصل بين الحقول المعرفية. علوم الحاسوب في جهة. الأمن السيبراني في جهة أخرى. تحليل البيانات في جهة ثالثة. هذا النموذج لم يعد كافيا. المرحلة المقبلة تحتاج إلى برامج تبني أساسا متينا في التخصص، ثم تفتح المجال للتكامل مع مجالات أخرى ترتبط به.
كما أن سرعة التغير تفرض شكلا جديدا من التعلم. المعرفة لم تعد ثابتة. ما يتعلمه الطالب اليوم قد يحتاج إلى تحديث بعد سنوات قليلة. لذلك لم يعد التعلم المستمر خيارا إضافيا. أصبح ضرورة. البرامج المرنة، والمسارات القصيرة، والتحديث المستمر للمحتوى، كلها عناصر أساسية في أي نظام تعليمي يريد أن يبقى مواكبا.
السؤال الحقيقي لم يعد هل ستصل هذه التقنيات. المؤشرات كلها تقول إنها قادمة بقوة. السؤال هو هل نحن نعيد تصميم التعليم بما ينسجم مع هذا المستقبل. هل نعد الطلبة لعالم الأمس، أم لعالم يتشكل الآن أمامنا.
المارد القادم ليس مجرد تقنية جديدة. إنه اختبار حقيقي لقدرة التعليم على التكيف. ومن يبدأ مبكرا في الفهم والتأهيل سيكون أقدر على تحويل هذا التحول إلى فرصة، لا إلى صدمة.



