الرئيسيةدوليمقالات

المستهلك بين نيران الاقتصاد والتكنولوجيا

الاقتصادية - دانية أركوبي

لم يعد المستهلك العالمي يواجه ضغوطاً عادية، بل أصبح محاصراً من الجانبين. فالأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من الدخل، وفي الوقت نفسه أصبحت طبيعة العمل نفسها أقل استقراراً. بين صدمات جيوسياسية وتجارية تستنزف قدرته الشرائية وتضاعف فاتورة السلع والخدمات، وضعف اقتصادي ورهان على الذكاء الاصطناعي يهدد مصدر رزقه، ما يجعله في مرمى التسريح أو الاستبدال بتكنولوجيا فائقة الإنتاجية.

مع بداية 2026 تفاءل المستهلكون بتجاوز سلس لمختلف الصدمات، فالفائدة في طريقها للانخفاض، ومفاوضات الرسوم الجمركية تأخذ مسارا إيجابيا، والحكومات والشركات تستعد لتعزيز الإنفاق، وسلاسل التوريد في استقرار مع إعادة فتح ممرات التجارة الرئيسية. ثم تبدد هذا بين ليلة وضحاها، فالصراع في الشرق الأوسط توسع وأغلقت ممرات نقل حيوية للطاقة، والمستهلك الذي كان يدفع فاتورة أسعار نفط تراوح بين 60 إلى 70 دولارا للبرميل في 2025، بات اليوم مطالبا بمضاعفتها لمستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل.

هذا الضغط نتيجة قفزة صدمة الطاقة والغذاء، مع تعطل سلاسل إمداد الإنتاج الزراعي مثل الأسمدة، وفوضى الشحن، يلقي بأعباء إضافية على المستهلك، خاصة في ظل عدم يقين وغموض يكتنف الاقتصاد العالمي، وعدم توازن في العرض والطلب في الأسواق. ما يخلق تضخماً كارثياً يفوق القدرة على التحمل.

المستهلك
المستهلك

الحكومة بسياساتها تغذي الضغط المزودج على المستهلكين. فمن كان ينتظر بدء دورة تيسير نقدي ليقترض لشراء سلعة أو تمويل مشروع، بات اليوم عليه تحمل تكاليف اقتراض أعلى بسبب توقعات رفع الفائدة. وخطط الحكومات الاستثمارية لدعم المستهلكين والإنفاق العام ستوجه لمعالجة صدمات رفع أسعار الطاقة والدفاع عن العملات المحلية في وجه موجه هروب الاستثمارات الساخنة من أدوات الدين الحكومية.

في سوق العمل الوضع ليس في أفضل حال. فثورة التكنولوجيا تهدد بزوال كثير من الوظائف التقليدية التي تستبدل فيه تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي دور البشر، وقد تحول تسريح العاملين لمصطلح شائع في مختلف الشركات، وفي وظائف متنوعة تبدأ من الأعمال المكتبية ولا تنتهي عند إدارة المخازن والخدمات الرقمية.

عند إضافة ذلك إلى مخاطر تباطؤ النشاط الاقتصادي نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد والتوريد وفوضى الشحن وارتفاع أسعار الطاقة وانكماش التجارة وضعف الاستهلاك والفائدة المرتفعة وانخفاض الإنفاق الحكومي والخاص، فإننا نرى مشهدا معقدا بضغوط مزدوجة ترتفع فيه البطالة والتضخم وتتقلص عنده الوظائف الجديدة والدخل الأسري، وهو ما قد ينتهي بأزمة مركبة تضرب الاقتصاد العالمي بشكل كامل تعرف باسم “الركود التضخمي”.

التأقلم والتعلم سيكون الشعار السائد للمستهلكين في الفترة المقبلة. فتسارع التضخم سيستمر على المدى القصير في ظل صدمة الطاقة والغذاء، بالتالي سيكون على المستهلك التضحية بجزء من الإنفاق في سبيل تحقيق الاستدامة المالية. وهنا الحديث عن الإنفاق الترفيهي والسلع والخدمات غير الضرورية، مع استبدال السلع المستوردة بالمصنعة محلياً لخفض التكاليف. هذا الوضع يوجد فرصة مهمة لكثير من الحكومات حول العالم لتوطين الصناعات في السوق المحلية.

صحيح فإن الذكاء الاصطناعي يثير المخاوف بتأثيره في التوظيف، ولكنه في نفس الوقت يفتح الباب أمام وظائف جديدة بمستويات دخل أعلى في مجالات مثل البرمجة وعلوم البيانات والحوسبة. هنا يأتي دور الأفراد في تنمية وتنويع المهارات لمواكبة التطورات في سوق العمل وتفادي الخيار الأصعب المتمثل في التسريح، والأقل تكلفة المتمثل بالقبول بخفض الأجر.

في الختام يقف المستهلك في مأزق يعصف بدخله ومدخراته ومسيرة حياته اليومية. فما يميز هذه اللحظة ليس مجرد التضخم أو التغير التكنولوجي كل على حدة، بل تلاقيهما معاً. فالمستهلكون يتعرضون لضغط متزامن على ما ينفقونه وما يكسبونه. وإذا استمر الضغط، فلن يكون التحدي اقتصادياً فحسب، بل اجتماعي وسياسي أيضاً. وسيكون على المستهلكين التأقلم والتكيف مع الوضع الحالي لفترة غير محددة من الزمن، واتخاذ التدابير التي ترشد الإنفاق وتبنى المهارات وتعزز المعرفة وتنوع مصادر الدخل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى