هاشتاق عربي – أ.د. أحمد غندور القرعان
يتكرر الحديث في الأردن عن فجوة التعليم وسوق العمل. تطرح الحلول غالبًا من زاوية واحدة. تدريب أكثر. مواءمة مناهج. تطوير مهارات. هذه خطوات مهمة، لكنها لا تصل إلى الجذر. الجذر أعمق. الجذر يظهر حين تتحول الجامعة من مصنع معرفة إلى مركز تدريب. عندها تتشكل فجوتان في الوقت نفسه. فجوة توظيف، وفجوة معرفة. الاثنتان ليستا منفصلتين. بل تغذي إحداهما الأخرى.
المحتويات
عندما تفقد الجامعة دورها في إنتاج المعرفة، يفقد السوق مصدر الحلول. تصبح الشركات مستهلكة للتقنية بدل أن تكون مساهمة في تطويرها. تتحول الدولة إلى مستورد دائم للأنظمة. ويخرج الخريج وهو يبحث عن وظيفة بدل أن يصنع قيمة. هنا لا نتحدث عن مشكلة مهارات فقط. نحن أمام خلل في وظيفة الجامعة نفسها.

في الأردن ترى هذا التحول بوضوح، الجامعة تركّز على نقل المعرفة لا إنتاجها، البرامج الدراسية تُبنى حول محتوى نظري ثابت.
مشاريع التخرج غالبًا تمارين أكاديمية لا ترتبط بمشكلة حقيقية، التدريب الميداني يصبح متطلبًا إداريًا أكثر منه تجربة إنتاجية.
الطالب يتعلم كيف يستخدم أداة، لكنه لا يُسأل كيف يطورها أو كيف يوظفها لحل مشكلة واقعية، لهذا نظن أن المشكلة في سوق العمل، بينما جذورها في غياب المعرفة التطبيقية المنتجة داخل الجامعة.
في المقابل، إذا نظرت إلى الدول التي تقود الاقتصاد المعرفي، تجد صورة مختلفة تمامًا.
الجامعة هناك ليست مزودًا للمهارات فقط. هي منتج للمعرفة، هي المكان الذي تُصاغ فيه الحلول قبل أن تصل إلى السوق.
الشركات لا تنتظر الحلول من الخارج. تذهب إلى الجامعة، الحكومات لا تستورد مباشرة. تختبر أولًا ما يمكن تطويره محليًا.
هذه العلاقة تغير كل شيء.
الطالب يعمل على مشكلة حقيقية قبل أن يتخرج، الباحث يرى أثر عمله في الاقتصاد، الشركة تستثمر في المعرفة المحلية بدل شرائها جاهزة، والدولة تبني استقلالها المعرفي خطوة بخطوة.
في الأردن، المشكلة ليست في نقص العقول، بل في غياب منظومة تربط التعليم بالبحث بالإنتاج.
لدينا أولويات بحث علمي معلنة. لدينا طاقات بشرية متميزة. لكن لا توجد آلية تجعل هذه الأولويات تتحول إلى مشاريع حقيقية داخل الجامعات ثم إلى حلول داخل المؤسسات.

لهذا تستمر الفجوتان معًا.
خريج غير جاهز تمامًا للعمل، ودولة لا تستخدم جامعاتها لحل مشكلاتها.
إذا أردنا معالجة حقيقية، يجب أن نعيد تعريف دور الجامعة، فهي ليست فقط مكانًا للتدريس، إنما هي عقل الدولة، وهي المكان الذي تُفهم فيه المشكلة قبل أن تُحل.
هذا يتطلب ثلاث تحولات واضحة.
أولًا، ربط التعليم بالمشكلة لا بالمقرر:
كل برنامج دراسي يجب أن يحتوي على مسار تطبيقي يعمل فيه الطالب على تحديات حقيقية قادمة من القطاع العام أو الخاص. لا مشروع نظري، بل مشروع له صاحب مشكلة وله بيئة تطبيق.
ثانيًا، تحويل البحث العلمي من نشر إلى حل:
لا يكفي أن تُنشر الأوراق. يجب أن تُربط بتمويل موجه نحو تحديات وطنية محددة. الطاقة، المياه، الصحة، التحول الرقمي. ويُشترط وجود شريك تطبيقي يتبنى النتيجة.
ثالثًا، بناء منظومة تحقق من المهارات:
لا يكفي أن يحمل الطالب شهادة. يجب أن يُثبت قدرته. هنا تظهر الحاجة إلى أطر وطنية للمهارات، وأدوات تحقق عملية مثل اختبارات الأداء، التدريب المقيم، وشهادات كفاءة مثل IDDL في المجال الرقمي. هذه الأدوات تعيد الثقة بين الجامعة والسوق.

عندما تتحقق هذه التحولات، يتغير المشهد بالكامل.
الطالب يتخرج ومعه تجربة حقيقية، لا مجرد معرفة نظرية، الجامعة تصبح شريكًا في الإنتاج، لا مجرد مزود تعليم، الشركات تجد حلولًا محلية، والدولة تقلل اعتمادها على الخارج.
سد فجوة التعليم وسوق العمل لا يبدأ من السوق. يبدأ من الجامعة، ولا يتحقق بالتدريب وحده، بل بإعادة بناء وظيفة الجامعة كمصدر معرفة.
السؤال اليوم ليس كيف ندرّب أكثر.
السؤال كيف نعيد للجامعة دورها الطبيعي.
هل نريد جامعة تخرج مستخدمين للمعرفة، أم جامعة تصنع المعرفة وتبني مستقبل الأردن؟



