الرئيسيةريادة

الابتكار الرقمي.. عندما تلتقي التكنولوجيا بالتمويل

إينياكي ألداسورو, جون فروست , فاتسالا شريتي *

يبدأ الابتكار الرقمي في معظم الأحيان بفكرة راديكالية. وقد تكون تلك الفكرة طريقة جديدة لتخزين المعلومات ومعالجتها، أو نموذج أعمال جديدا، أو خدمة جديدة. لكن الفكرة هي مجرد البداية، فتحقيق منافع الابتكار يتطلب عملا جادا واستثمارا كافيا وتبني المستخدمين لهذا الابتكار.

 

وكان الاضطراب الابتكاري هو السمة البارزة في القطاع المالي على مدى العقد الماضي، حيث ظهرت شركات تكنولوجيا مالية جديدة، وأصبحت المنصات الرقمية الكبرى (شركات التكنولوجيا العملاقة) تقدم خدمات الدفع والائتمان، وأخذت قيمة الأصول المشفرة والعملات الرقمية المستقرة في الزيادة، كما بدأت كثير من المؤسسات بتبنى الذكاء الاصطناعي. وتفرض كل واحدة من هذه التطورات تحديات أمام جهات الوساطة المالية التقليدية، مثل البنوك وشركات التأمين ومديري الأصول، والخدمات التي يقدمونها.

 

والابتكارات الرقمية قد تكون مكملة للخدمات أو بديلا عنها في النظام المالي التقليدي. ويبدو كثير من الخدمات وكأنه يقدم بديلا شديد الوضوح لجهات الوساطة والخدمات الحالية في الأجل القصير. غير أنها عادة ما تكمل الخدمات الحالية في الأجل المتوسط، ما يؤدي إلى مزيد من المنافسة ويوجد نظاما ماليا أكثر تنوعا. ومع هذا، فإن الابتكارات وحدها لا تؤدي دوما إلى أفضل النتائج، فقد لا تسير الأمور على خير ما يُرام، وهو ما يحدث في أغلب الأحيان. والاستفادة من منافع الابتكار الرقمي عادة ما تقتضي وجود سياسة عامة تتطلع صوب المستقبل.

 

اضطراب المدفوعات

 

المدفوعات هي بوابة الخدمات المالية. وبالنسبة للأفراد، غالبا ما يكون وجود حساب معاملات شرطا أساسيا للحصول على الائتمان، أو شراء بوليصة تأمين، أو البدء في الادخار والاستثمار. وبالنسبة للداخلين الجدد في النظام المالي، مثل شركات التكنولوجيا المالية وشركات التكنولوجيا العملاقة، فمن الشائع البدء في إدارة المدفوعات ثم التوسع في مجالات تمويل أخرى.

 

وقد تغيرت خلال العقد الماضي طريقة الدفع بشكل كبير مع انتشار ما يُسمى بأنظمة الدفع السريعة أو الفورية في كثير من البلدان، وخاصة الأسواق الصاعدة (راجع الرسم البياني 1). وتتيح هذه الأنظمة التحويلات اللحظية (أو شبه اللحظية) بين المستخدمين النهائيين (دراسة Frost and others 2024).

 

وتُوفر شركات التكنولوجيا المالية وشركات التكنولوجيا العملاقة والبنوك القائمة خدمة مدفوعات سريعة على مدى الساعة طوال أيام الأسبوع. وتستخدم هذه الشركات تطبيقات الهواتف الذكية ورموز الاستجابة السريعة (QR)، حتى من خلال الهواتف محدودة التكنولوجيا. وقد أتاحت هذه الأنظمة بشكل عام للشركات صانعة الابتكارات الإحلالية تقديم خدمات تُنافس الشركات القائمة بشكل مباشر.

وتركزت أشهر قصص النجاح في البنى التحتية العامة، مثل الأنظمة التي تُشغّلها أو تُشرف عليها البنوك المركزية. ففي البرازيل، على سبيل المثال، أطلق البنك المركزي نظام الدفع السريع (Pix) في نوفمبر 2020. ويستخدم الآن أكثر من 90% من البرازيليين البالغين هذه الخدمة لمدفوعات التجزئة اليومية مثل الطعام أو السفر، وحتى للمدفوعات المتكررة مثل فواتير المرافق.

 

وتُشجّع واجهة المدفوعات الموحدة (UPI) في الهند – التي تُشغّلها مؤسسة المدفوعات الوطنية الهندية ويُنظّمها البنك المركزي – خدمات البنوك القائمة وشركات التكنولوجيا المالية وشركات التكنولوجيا العملاقة على منصة واحدة (طالع المقال بعنوان “الهند وسلاسة أداء المدفوعات” في هذا العدد من مجلة التمويل والتنمية). ومن بين النجاحات المماثلة شركة PromptPay في تايلاند التي تديرها جهة خاصة ولكن مع قيام البنك المركزي بدور رئيسي، ونظام SINPE Móvil للدفع اللحظي في كوستاريكا، الذي يشغله البنك المركزي.

وتتناقض هذه البنى التحتية العامة الناجحة مع الوضع في كثير من الاقتصادات، حيث توجد أنظمة دفع سريع متعددة تابعة للقطاع الخاص، إلا أنها غير متاحة لمستخدمي خدمات المؤسسات المالية الأخرى. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، لا يستطيع من يستخدم خدمة Venmo للدفع عبر الهاتف الذكي أن يدفع لمن يستخدم نظام Zelle للدفع اللحظي فقط.

 

ونشأت كذلك “حدائق مسوّرة” مماثلة في الصين مع وجود محافظ متنافسة مثل نظام Alipay للدفع الرقمي، ونظام WeChat Pay للدفع اللحظي، وكذلك الحال في بيرو، حيث تتنافس محافظ Yape وPlin على جذب المستخدمين وكان تدخل السياسات ضروريا في حالة الصين وبيرو لجعل أنظمة الدفع قابلة للتشغيل البيني.

وفي كثير من الأحيان، نجد أن ما يبدأ كبديل (شركات التكنولوجيا المالية وشركات التكنولوجيا العملاقة المتنافسة) يمكن أن يُكمّل الخدمات القائمة في السوق نفسها. فيحصل المستخدمون على خدمة مدفوعات أرخص وأسرع، وهو ما يمكنه كذلك أن يدعم الصلابة المالية ويعزز النمو الاقتصادي.

 

ويساعد صناع الابتكارات الإحلالية – وكذلك السياسات العامة – على تحسين النظام، وخدمة عملاء جدد، وتقديم خدمات جديدة في السوق نفسها، ودفع الشركات القائمة إلى تحسين ما تقدمه.

تأتي الحاجة إلى الاقتراض بعد أداء المدفوعات. وتحتاج الشركات إلى الائتمان للقيام باستثمارات منتجة، كما يحتاجه الناس لشراء منازل أو سيارات أو لدفع تكاليف التعليم.

 

خبراء في الاقتصاد الرقمي في صندوق النقد الدولي * 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى