كانت آنا، وهي إدارية جامعية في مدينة نيويورك، منهمكةً بالتخطيط لسلسلة فعاليات بالغة الأهمية مع جامعة في بلد آخر. احتدم التفاوض، ودخلت آنا ونظيرتها في الجامعة الأخرى في جدال حاد بشأن تحديد من سيقود النقاشات والمواضيع التي سيتطرق إليها المشاركون.
المحتويات
كتبت آنا رسالة بريد إلكتروني، لم تُلطف فيها رأيها بشأن خطط الجامعة الأخرى، ووصفت اقتراحها بأنه فضفاض وغير واضح، وشبهته بقالب حلوى هلامية كبير يرتجّ. أي بعبارة أخرى، فوضوي.
لكنها لم تُرسل تلك الرسالة، وعمدت إلى ما تفعله عادةً في العمل عندما تُصبح على وشك أن تكون صريحةً أكثر مما يجب. حمّلت المسودة على برنامج ”تشات جي بي تي“ وأعطته مجموعة التعليمات الأساسية. منها: “خفف حدة اللهجة”.
في غضون ثوانٍ، أرسل برنامج الدردشة الآلي رسالة بدت “ألطف” وقد شطب منها الإشارة إلى قالب الحلوى الهلامية، لكنها أوصلت الفكرة بوضوح. عدّلت آنا مسودتها وفقاً لذلك، ثم ضغطت على زر الإرسال.
بالنسبة لآنا، التي طلبت الاكتفاء بذكر اسمها الأول فقط لتجنب تأجيج علاقتها المتوترة أصلاً مع الجامعة الأخرى، كانت هذه طريقة “للاستعانة بمصادر خارجية للقيام بالأعمال العاطفية”، تماماً كغيرها من المهام الروتينية التي يُوكلها الناس إلى الذكاء الاصطناعي.
قالت: “لو استغرقت خمس دقائق إضافية فقط، لربما تمكنت من إنجازها بنفسي. لكنني لم أرغب في إضاعة تلك الدقائق الخمس الإضافية”.
تعميق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التواصل؟
بينما يبحث الموظفون عن طرق لجعل أدوات الذكاء الاصطناعي ذات صلة بحياتهم المكتبية، يستخدم أشخاص مثل آنا برامج الدردشة الآلية لتحليل نبرة الرسائل الغاضبة عبر ”سلاك“، وإدارة المحادثات الصعبة، والظهور بمظهر أكثر حزماً في المفاوضات، والحصول على رأي ثانٍ ليعرفوا ما إذا كانت كلماتهم قد تُفسر بشكل مغلوط.
في استطلاع حديث شمل ألف متخصص أميركي، وجدت منصة التحقق من البريد الإلكتروني ”زيرو باونس“ (ZeroBounce) أن 41% من المديرين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي لصياغة أو مراجعة تقييمات الأداء، و17% استخدموا هذه التقنية لصياغة أو مراجعة رسائل إنهاء الخدمة.
قالت لورا جيفوردز غرينبيرغ، المديرة القانونية في شركة ”وردسميث إيه آي“ (Wordsmith AI) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، إنها تستخدم هذه الأدوات لإعادة صياغة رسائل مفادها الصد بصريفة مهذبة. بعد أن تُفرغ غضبها، تقول إن الذكاء الاصطناعي ينتج “رسالة عملية ودبلوماسية لا تُدمر مسيرتك المهنية…. في كثير من الأحيان، عندما نكون منغمسين عاطفياً في الموضوع، ننظر إليه من وجهة نظرنا فقط وهذا يجرّد الأمر من الانفعالات”.
بالطبع، يمكن القول إن هذا تدخل بارد آخر للتقنية في حياتنا، يسطّح المشاعر ويحولها إلى بحر من الرتابة، ويجرد التبادلات الشخصية العميقة، التي غالباً ما تكون عواقبها وخيمة، من التعاطف. لكن كثيراً من المهنيين اليوم يرون الأمر على النقيض تماماً: وسيلة لضمان تواصلهم مع الناس بلباقة ودماثة أكبر مما قد يفعلون بمفردهم.
تحرّي المبهم في أسلوب الكتابة
وصف نيك ستودر، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات الإدارية ”أوليفر وايمان“ (Oliver Wyman)، نفسه بأن أسلوب تواصله يتسم بقدر من”التحفظ الإنجليزي”، وهو ما يعترف بأنه يتطلب أحياناً من الناس أن “يفهموا ما بين سطور” ما يقوله فعلاً. قال ستودر، الذي يشرف على حوالي 7000 مستشار حول العالم: “لا ينجح هذا الأسلوب بنفس القدر في الثقافتين الألمانية والأميركية”.
لجأ حديثاً إلى الذكاء الاصطناعي طلباً للمساعدة، إذ طلب من برنامج الدردشة الآلي الداخلي لشركة ”أوليفر وايمان“ مراجعة مسودة بريد إلكتروني موجهة إلى كبار قادة الشركة وتعديلها لضمان ملاءمتها لمختلف أنماط الشخصيات. اقترح البرنامج مزيداً من القصص القصيرة موجهة تخاطب “الحالمين” ومزيداً من التحديد لمخاطبة “المفكرين”. قال إن البريد الإلكتروني المعدل لم يكن مختلفاً كثيراً، “لكن التعديلات كانت رائعة”.
في مثال آخر، استخدم ستودر برنامج الدردشة الآلي لتمثيل تقييم أداء وشيك “شبه نهائي” لأحد الموظفين. ساعد هذا التمرين ستودر على توجيه ملاحظات أكثر عملية وعبارات داعمة، لكن الأهم من ذلك، كما يقول، أنه وفّر له منصةً للنقاش يفتقر إليها هو وغيره من الرؤساء التنفيذيين.
قال: “هذه المحادثات سرية جداً، وعلى مستوى منصبي… ربما لا يوجد سوى شخص واحد آخر في الشركة بأكملها يمكنني حتى مناقشة هذه الأمور معه. إنه أشبه بوجود شخص موضوعي تماماً ليجيب على السؤال فحسب”.
قالت كيلي مارتن، الرئيسة التنفيذية للعمليات في “رينت وان“ (Rent One)، وهي سلسلة مكاتب تأجير مع خيار التملك في الجنوب والغرب الأوسط، إنها تميل إلى أن تكون “مباشرة جداً”.
كانت تخشى أن يأتي هذا النهج بنتائج عكسية خلال تقييم أداء حديث مع موظف حساس حصل بالفعل على ثلاثة تقييمات سيئة متتالية. قالت مارتن: “لقد سئمت من تكرار نفس المحادثات. لكن لا يمكنني مواجهتهم بأسلوب مباشر جداً، وإلا سينغلقون على أنفسهم ويبكون”.
الانفعالات والتوتر لا تنفع في مكان العمل
ساعدها برنامج ”تشات جي بي تي“ في تخفيف حدة التوتر العاطفي المصاحب للتقييم المقبل، وموازنة الأخبار السيئة بالإشارات إلى نقاط قوة الموظف، وتجنب أي مبررات محتملة قد تعرقل النقاش.
بالنسبة لمارتن، التي أشرفت أيضاً على التقييم مع مستشار بشري موثوق، أضاف البرنامج دقة ووضوحاً، مع تسريع العملية في الوقت نفسه. “في السابق، كنتُ أكتب التقييم كاملاً، ثم أمنح نفسي يوماً أو يومين لأهدأ. لو اتبعت هذا النهج، لكان الأمر استغرق مني وقتاً أطول، وربما لم يكن واضحاً بنفس القدر”.
بطريقة ما، يُحاكي الذكاء الاصطناعي نوع التلاعب اللغوي المعتاد من الشركات، وخاصةً تجاه النساء والأقليات، الذين غالباً ما يشعرون بضغط متزايد لتغيير أسلوب تواصلهم. قال جيفوردز غرينبيرغ من شركة ”وردسميث إيه آي“ إن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُمكن أن يُخفف من هذا “العبء المعرفي الإضافي”.
طوّر برام دي بويسر، مؤسس شركة الذكاء الاصطناعي ”أركولوجي” (Arcology)، أدوات لمساعدة الأشخاص ذوي التنوع العصبي على التواصل. يتضمن موقعه الإلكتروني (goblin.tools) منتجاً يمكّن المستخدمين من إدخال النصوص، واختيار نبرة من قائمة منسدلة، مثل “أقل سخرية” أو “أكثر اجتماعية”، والحصول على تعديلات على كتاباتهم.
كما يقدم منتجاً آخر، يُسمى القاضي، تفسيراً لنبرة أي نص. تمتلئ منتديات “ريديت” (Reddit) للأشخاص المصابين بالتوحد واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط بقصصٍ عن كيفية مساعدة موقع دي بويسر لهم. قال دي بويسر إن الموقع يستقطب مليوني زائر فريد شهرياً، مع ذروة الزيارات خلال أيام الأسبوع، ما يشير إلى اعتماد المستخدمين على هذه الأدوات في العمل.
يصعب الجزم ما إذا كانت هذه الوسائل التقنية الوسيطة تخفف حقاً من حدة النزاعات في مكان العمل، أم أنها تخفيها فقط وراء عباراتٍ لطيفة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
قال ستودر، من شركة “أوليفر وايمان”، إن رسائل البريد الإلكتروني التي كُتبت بوضوح بواسطة الذكاء الاصطناعي قد تثير استياءه. لكنه يرفض فكرة أن استخدام هذه التقنية لتلطيف أو صقل الرسائل الصعبة يعيق قدراته. قال من أجل تعاطف حقيقي “أبحث عن الذكاء الاصطناعي ليساعدني في الوصول إلى أفضل ما فيّ كإنسان، بدلاً من أن يكون هو الإنسان بدلاً مني”.
ما تزال آنا مترددة. تعترف بأنها تشعر بنوع من “الإرهاق الذهني” كلما أوكلت مهمة عاطفية إلى آلة. ولم تسهّل النسخة المعدلة بالذكاء الاصطناعي من بريدها الإلكتروني المفاوضات بشأن سلسلة الفعاليات. ما تزال تجد نفسها في مأزق. مع ذلك، لو أنها أرسلت المسودة الأولى لكان الوضع أسوأ.










