كان طرح شركة ميتا لسندات تمتد آجالها إلى 40 عاماً العام الماضي بمثابة دليل على الثقة في شركات التكنولوجيا الكبرى ومستقبل الذكاء الاصطناعي، نظرا للطلب القوي على هذه السندات.
المحتويات
وتهافت المستثمرون على إقراض الشركة، التي تُعتبر من بين أكثر الشركات أمانًا ماليًا في العالم، لمدة أربعة عقود، لكن ما يبدو ثقة قد يكون في الواقع مجرد تراخٍ، إذ يتحمل مستثمرو سندات الشركات مخاطر مضاربة هائلة، وهو ما لا يبشر بالخير لحاملي الأسهم، بحسب “فاينانشيال تايمز”.
لطالما استندت جاذبية شركات التكنولوجيا إلى نماذج أعمال خفيفة الأصول وغنية بالتدفقات النقدية. لم تكن الميزانيات القوية والديون المحدودة مجرد ميزة، بل سمة أساسية ميزت هذه الشركات وساعدت في صعودها السريع وتعزيز ثقة المستثمرين.
غير أن السباق المحموم لبناء قدرات الذكاء الاصطناعي حوّل هذه الشركات تدريجياً إلى كيانات كثيفة رأس المال، أقرب إلى شركات المرافق العامة، مع التزامات بنية تحتية ضخمة داخل الميزانيات العمومية وخارجها.
نادراً ما يكافئ التاريخ المقرضين
تضخ شركات مثل ميتا ومايكروسوفت وأمازون عشرات المليارات من الدولارات لبناء أو استئجار مراكز بيانات عملاقة قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة من الحوسبة، وعلى الأرجح، ستفعل ذلك.
لكن هذا الإنفاق الرأسمالي المتسارع والممول بالديون يحمل أيضاً سمات دورات الإنفاق المتأخرة، التي كثيراً ما تنتهي بإعادة تقييم الأصول وارتفاع الضغوط الائتمانية.
نادراً ما يكافئ التاريخ المقرضين الذين يمولون طفرات توسع كثيفة رأس المال عند ذروتها. ففي أواخر التسعينيات، اقترضت شركات الاتصالات بكثافة لمد شبكات الألياف الضوئية، على قناعة بأن الطلب المتزايد على البيانات سيضمن عوائد مجزية. ورغم أن هذه البنية التحتية غيرت الاقتصاد العالمي، فإن العائد على الاستثمار ظل ضعيفاً لسنوات طويلة
وفي منتصف العقد الأول من الألفية، راهن منتجو النفط الصخري بقوة على أسعار نفط عند 100 دولار للبرميل. ورغم أن ثورة النفط الصخري أعادت تشكيل قطاع الطاقة الأمريكي، فإن الشركات التي قادت هذا التوسع عانت فترات طويلة من ضعف العوائد وضغوط الميزانيات العمومية.
في الحالتين، كانت النتيجة واحدة: طاقات فائضة، وشطب أصول، وسنوات من أعباء الديون، رغم الأثر الاقتصادي الإيجابي طويل الأجل.
يرتكز التفاؤل الحالي تجاه ديون شركات التكنولوجيا طويلة الأجل على افتراضين: أن يحقق الذكاء الاصطناعي مكاسب كبيرة في الإنتاجية والإيرادات تبرّر حجم الاستثمارات الهائل، وأن تظل البنية التحتية التي تُبنى اليوم صالحة وفعّالة لعقود مقبلة.
غير أن هذين الافتراضين غير مضمونين، فقبل 40 عاماً كانت الحواسيب العملاقة تملأ غرفاً كاملة، بينما أصبحت قدراتها اليوم في هاتف ذكي، ولا شيء يستبعد أن تصبح رقائق المستقبل أكثر كفاءة بكثير، أو أن تنتقل الحوسبة مجددا إلى الأجهزة المحلية بدلا من الاعتماد على مراكز بيانات ضخمة.
هل وصلنا حقًا إلى ذروة الابتكار التكنولوجي؟
يعتقد متفائلو التكنولوجيا أننا لم نفعل، بينما يرى مؤمنو الذكاء الاصطناعي أن البنية التحتية الحالية قد تصبح قديمة قبل انتهاء آجال الديون الممولة لها.
قد تتحول مزارع الخوادم الضخمة اليوم إلى مستودعات فارغة، تماماً مثل مصانع الورق والنسيج المهجورة في شرق الولايات المتحدة، مع فارق أن هذه المرافق ممولة بأطول ديون الشركات على الإطلاق.
وهناك سيناريو أكثر حذراً: إذا جاء تبني الذكاء الاصطناعي أقل من المتوقع، فإن التفاؤل قد يكون مجرد انعكاس للسيولة الوفيرة التي ضخّت أموالاً في أصول غير منتجة مثل العملات الرقمية والأسهم الميمية والديون الاستثمارية. ماذا لو ارتفعت الفائدة أو تقلصت السيولة أو أخفق الذكاء الاصطناعي في الوفاء بالوعود؟
ينبغي على مستثمري الائتمان الانتباه: فهم لا يستفيدون من المكاسب في حال نجاح استثمارات الذكاء الاصطناعي الطموحة، لكنهم يتحملون الخسائر في حال عدم تحقيق التوقعات. إن تثبيت هوامش ربح منخفضة لمدة 30 أو 40 عامًا في قطاعات تشهد تغيرًا تكنولوجيًا سريعًا يُعد مخاطرة كبيرة.
شركات التكنولوجيا الكبرى بين أقوى المقترضين
لا تزال شركات التكنولوجيا الكبرى من بين أقوى المقترضين في الأسواق العالمية. لكن أخطاء سوق السندات نادرًا ما تنجم عن إقراض شركات ذات تصنيف ائتماني منخفض بشكل واضح؛ بل تنجم عن الإقراض بثقة مفرطة لشركات يُنظر إليها على أنها معصومة من الخطأ.
والخطر الرئيسي ليس التخلف عن السداد، بل كيفية إعادة تقييم المخاطر مع انحسار فائض الائتمان.
على مستثمري السندات أن ينتبهوا: فهم لا يشاركون في المكاسب إذا نجحت استثمارات الذكاء الاصطناعي، لكنهم يتحملون الخسائر إذا خابت التوقعات. تثبيت عوائد منخفضة على مدى 30 أو 40 عاماً في قطاع سريع التغير تكنولوجياً يحمل مخاطر كبيرة.
قد تبقى شركات التكنولوجيا الكبرى من أقوى المقترضين في العالم، لكن أخطاء أسواق السندات لا تأتي عادة من تمويل شركات ضعيفة، بل من الإفراط في الثقة بشركات يُنظر إليها على أنها لا تخطئ. والخطر الحقيقي ليس التعثر، بل إعادة تسعير المخاطر عندما تنقشع موجة التفاؤل.










