خاصمقالات

هواتفنا الذكية ….. بيوت زجاجية

هاشتاق عربي – إبراهيم المبيضين

لم يعد مشهد ” طأطأة الرؤوس ” والانغماس في شاشات هواتفنا الذكية، مشهدا غريبا …. في كل الاوقات وفي كل الاماكن التي نرتادها، ونتواجد فيها : في البيت ، الشارع، والعمل ، والأماكن العامة ، لا بل على العكس من ذلك ، لقد أصبح عدم الإنشغال بالهاتف والنقر على مفاتيحه و تحريك الاصابع على شاشته هو الأمر الغريب والمستهجن…!!!!

فالجميع منشغلون منغمسون في عوالمهم الخاصة : يستقبلون ويردون على بريدهم الإلكتروني، يكتبون وينشرون على الفيسبوك، يشاركون معارفهم واصدقاءهم الصور والفيديوهات، ويغرّدون عبر ” تويتر”، وما ان يرفع الواحد منهم رأسه للحديث مع رفيقه او زميله في العمل، حتى يرجع ليدفن راسه مرة مستجيبا لتنبيه ابلغه بوصول رسالة خاصة وصلته عبر ” الواتساب”، يقراها وينشغل مرة أخرى بالردّ، يعود الى الشاشة الرئيسية، بحثاً عن خبر وتصفح ومتابعة المواقع الاخبارية……..

وتستمر حالة الانغماس والانشغال بعوالم وتطبيقات الهواتف الذكية التي تأخذنا وتعزلنا عن أقرب الناس منّا حتى ولو كانوا على بعد راحة اليد منا، يشاركوننا نفس المحيط أو الإجتماع أو ” الجمعة” ، ننعزل عنهم حتى ولو كانوا يجلسون معنا على نفس الاريكة، او في نفس الغرفة او أو حتى على نفس الطاولة …….

لا ابالغ أبدا، فهذا المشهد يتكرّر في كل لحظة، وهو يؤكّد مدى تعلقنا بهذه الهواتف التي كان ارتباطها بالإنترنت وتوفيرها لسيل من التطبيقات تحاكي كل تفاصيل حياتنا اليومية أمرا مغريا وجذابا للكل عندما سهلّت الحصول على المعلومة ومشاركتها مع الجميع …..

يقولون بانّ الهواتف الذكية ودعمها للوصول والولوج الى الشبكة العنكبوتية بكل ما تحتوي من معلومات وعوالم ومعرفة جعلنا ” احرارا” أكثر من اي وقت مضى، حيث نستطيع التعبير عن راينا في أي وقت نشاء وامام الجميع وبحرية تامة، نعبر عن رأينا في كل ما نرى ونمر به في الحياة، نعلق وقتما نشاء على الاحداث العامة والخاصة ……. وشبكات التواصل الاجتماعي فتحت ابوبا كثيرة واسعة امامنا لفعل ذلك في كل الاوقات ……

غير انني ارى هذه الأجهزة الذكية جعلتنا ” أسرى” بنفس القدر من الحرية التي وفرتها ، جعلتنا اسرى لشاشاتها ، وتطبيقاتها، فالكثير من الوقت يضيع على المفيد وغير المفيد مما يجري تداوله عبر تطبيقات هذه الأجهزة، كما أرى بان الكثير من الانسانية في حياتنا الواقعية والكثير من الانجاز يضيع لمجرد تعلقنا بمتابعة شبكات التواصل الاجتماعي……!

وفيما يرى كثيرون بان هذه الهواتف جعلتنا اكثر امنا بشدة ما توفره من تواصل، وما تعطينا من معلومات تفدنا بحياتنا اليومية، الا انها تفتح الباب واسعا امام انتهاك خصوصياتنا وتجعل بياناتنا اكثر عرضة للانتهاك والقرصنة، وبشكل اكثر من اي وقت مضى …..

قبل ايام دخلت في نقاش مع الزميل الكاتب في صحيفتي الام ” الغد” منار الرشواني حول تعلقنا واستخدامنا للهواتف الذكية ، واود ان اقتبس منه بعض نقاط الحديث حينما قال لي بانّ الهواتف الذكية أشبه بـ ” البيوت الزجاجية الشفافة “…!!

أعجبني هذا الوصف، واعتقد بأنّه يعبّر عن واقعنا اليوم وتعلقنا بهذه الأجهزة الذكية …… نعم هي كالبيوت الزجاجية الشفافة التي نشعر باننا نشرف من خلالها على كل محيطنا نستطيع رؤية الجميع بكل وضوح، ولكننا ننسى في الوقت نفسه بان الاخرين يروننا بنفس الوضوح ايضا ويطلعون على حياتنا الشخصية، …

كما ان هذه البيوت على ما تشرف عليه من عوالم الا انها تسجننا في محيطها…..

مثل كل ادوات واجهزة الاتصالات والتكنولوجيا علينا ترشيد استهلاكنا واستخدامنا لها وتطويعها لخدمتنا، بدلا من ان نجعلها ادوات تأسرنا لتهدم حياتنا وتؤخر انجازنا، اذا فامور الحرية والانقياد والتبعية والمحافظة على الخصوصية والانفتاح كلها امور يحدّدها المستخدم ويتحكم بها…..

حاولوا الخروج من بيوتكم الزجاجية سترون عالما أكثر اتساعا ورحابة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى